ثقافة

الاتحاد

د. عبدالله الغذامي يكتب: كنز علمي كاد يضيع

د. عبدالله الغذامي

د. عبدالله الغذامي

في عام 1940 ألقى حمزة شحاتة محاضرة بعنوان (الرجولة عماد الخلق الفاضل) في جمعية الإسعاف في مكة المكرمة، وامتدت المحاضرة لخمس ساعات متصلة، وروى لي أصدقاؤه من الرعيل الأول، كيف كان وقع المحاضرة على الناس الذين تجمهروا في القاعة، وكل من مر ذاهبا للحرم الشريف أو خارجاً منه كان يتوقف ليشهد الحدث اللافت. كان شحاتة مذهلا بفكره وطاقته ولم يكن هناك مكبرات صوت حينها، ولذا انطلقت حنجرته تعمر الفضاء بصوت مجلجل، مع فكر محفز بأسلوب أدهش ذاك الجمهور المتنوع في مستوياته، وبلغ الأمر أن الناس يخرجون لقضاء حاجاتهم ثم يعودن ليجدوا المحاضرة لما تزل، ومر الزمن بعد المحاضرة ليتصل الحديث عنها والعجب منها إلى أن سافر شحاتة إلى مصر وظل هناك مدة طويلة، ورافقه الرحلة صديقه المقرب عبد الله عبد الجبار، وبرفقتهما المحاضرة مكتوبة بخط يد شحاتة ولكن عبد الجبار احتفظ بها في شقته، وهي النسخة المفردة وليس لها أي نسخة أخرى، وظلت آمنة محفوظة عنده لسنوات وفي ليلة من ليالي عام 1965 طرق شحاتة باب عبد الجبار وطلب منه المحاضرة، وكان الطلب تلقائيا ولم يثر أي تساؤل. ولكن حادثة حدثت فجر ذلك اليوم وما كانت متوقعة، إذ تم اعتقال عبد الجبار من قبل المباحث المصرية في حملة مشهورة مع أن عبد الجبار كان ناصرياً، غير أنه لم يسلم لا هو ولا كتبه ولا أوراقه، وإن كان خرج من السجن بعد شهور لكن كتبه وأوراقه لم تعد، وحتما لو كانت المحاضرة عنده لما رأت النور بعد ذلك.
هذه حادثة عجيبة كان عبد الله عبد الجبار يرويها لي عام 1983 بعد وفاة شحاتة بعشر سنوات، وكانت المحاضرة بين يدي، وقد حصلت عليها مصورة عن الأصل بعد أن طلبتها من شيرين ابنة حمزة شحاتة، وهي النسخة التي اعتمدت عليها حين كتبت كتابي الخطيئة والتكفير مطبقا النظرية التشريحية على نصوص شحاتة، ذاك كنز علمي كان ميلاده مدهشاً لكل سكان مكة في حينها، ونجاة المحاضرة من الضياع كانت دهشة أخرى.

اقرأ أيضا