الاتحاد

دنيا

نورمان ميلر يشن غارة فلسفية على التكنولوجيا

القاهرة - 'الاتحاد'، خاص:
أجل، حين يشن الكاتب الأميركي الشهير 'نورمان ميلر' تلك الغارة الفلسفية على··· التكنولوجيا! الواقع، على تلك الطبقة التي أنتجتها التكنولوجيا والتي جعلته يصل إلى هذا التساؤل هل آن الأوان لكي تنفجر البشرية؟ ولماذا لا تنفجر حين تسود قيم التفوق، وحين تربط الثقافات وحتى الأحاسيس بميكانيكية السوق·· لصاحب 'ليل الأزمنة' رؤيته الخاصة في ما يتعلق بأحداث 11 سبتمبر ·2001 ها ان الأميركيين يطاردون القتلة في سائر أرجاء العالم· هل فكر أحدهم في أن يطارد الظروف التي تنتج القتلة؟ هذا زمن ما بعد الثورة الصناعية· إنه طوفان المجهول، ذلك الطراز الهائل من المجهول···
آخر ما قاله 'نورمان ميلر' الذي يستشهد بعبارة لـ'عمر الشريف' يقول فيها: 'الأميركيون يدخلون إلى قلوب الناس من أفواههم'!
على غرار الهنود الحمر
هذا الذي انتهى إليه 'نورمان ميلر': هل آن الأوان لكي تنفجر البشرية؟
كيف يمكن للإنسان ألا يكون معقداً، وضائعاً، وممزقاً بين الخيال والواقع؟
الكاتب الروائي الشهير يطرح سلسلة من الأسئلة ليلاحظ 'ان الإنسان يعاني من الضائقة الإنسانية' فالتكنولوجيا تتعامل فوقياً مع الكائنات البشرية· هذا أحدث خللاً، بنيوياً وفلسفياً، في التوازن بين الإنسان والمحيط· ولعل الذي زاد في مأسوية الحالة هو أن هناك دولاً بدأت تطرح الاستنساخ كتقنية انتقائية الانتاج 'السوبرمان'· إذا حصل هذا فعلاً وتم التدخل في خلايا الدماغ، فما هو مصير الإنسان العادي، وكل واحد منا، هو إنساني عادي؟
إذاً، هذا هو الاقتراح: إذا ظلت الهندسة الوراثية تتطوّر على ذلك النحو المثير، بالإمكان تصنيف الكائنات البشرية من خلال اللون· المتفوقون يحملون اللون الأبيض بطبيعة الحال، الأقل تفوقاً اللون البرتقالي مثلاً، أما المخلوقات العادية فلا بأس أن تعطى اللون الأحمر على غرار الهنود الحمر·
لا أحد يعنى الآن بما تفعله التكنولوجيا في الإنسان 'ميلر' يأخذ مثالاً المسائل التي شكلت نزاعاً بين الرئيس 'جورج دبليو بوش' والمرشح الديموقراطي السناتور 'جون كيري'· كلها مسائل لا تدخل إلى عمق المشكلة بل انها تقفز فوقها· معدل النمو، نسبة البطالة، السلم الضريبي، الأجور، التقديمات الاجتماعية، الاجهاض وحتى زواج المثليين·
القرار لم يعد بشرياً
ولكن من يستطيع مقاربة تلك المشكلة المعقدة، لكأن المؤسسة نفسها التي سبق للرئيس 'دوايت ايزنهاور' وحذر من سيطرتها على 'الجهاز العصبي للأمة الأميركية' باتت أقوى من رجالها، لا بل إنها تبدو وكأنها ابتلعتهم، وهنا يعود 'ميلر' إلى ما يقوله الباحث المستقبلي الأميركي 'ألفن توفلر' من ان جزءاً كبيراً من القرار الأميركي لم يعد بشرياً، هناك عوامل مختلفة، خارجة عن الإرادة العامة، تدخل في تكوين القرار، فها أن رجال البنتاجون ينظرون، بافتتان، إلى الكمبيوتر العملاق وهو يقدم، على نحو سحري فعلاً، المقترحات الخاصة بصوغ الاستراتيجيات، ولكن ماذا إذا أخذ ذلك الكمبيوتر شيئاً من مزاجيتنا، أو تشكّلت لديه غريزة ما، أو أراد أن 'يداعبنا' بطريقة خاصة؟
غارة على الترسانة الصينية
يقول 'ميلر': 'لنتصور أنه أمر بشن غارات صاروخية مكثفة على الترسانة الصينية بدعوى أن هذه الترسانة تتكثف وتتسع بالصورة التي يمكن أن تقف المحيط الهادئ أمام الولايات المتحدة'، مستعيداً شريطاً للصور المتحركة خاصاً بالأولاد، وسرعان ما سحب من الأسواق، وهو يتحدث عن عملية إنزال صينية واسعة النطاق على شواطئ لوس انجلوس وسان فرنسيسكو· ملايين الرجال يقتحمون الساحل الأميركي، فيما لا مجال لصدهم بالمعالجة النووية، ولكن كيف يمكن إخلاء ذلك الشريط الساحلي المكتظ من السكان؟'·
بالطبع، لا يقول الرجال كيف تمكن أولئك الملايين من الوصول إلى الساحل الباسيفيكي للولايات المتحدة· الخيال لابد أن يلعب دوره في أشرطة من هذا القبيل، ولكن ماذا إذا أصابت الإدارة نوبة من الخيال وحصل تواطؤ بينها وبين التكنولوجيا؟
الكاتب الأميركي الكبير يذهب إلى أبعد مكان في 'ذلك الهيكل العظمي الذي يدعى الإنسان'· حين وطأت قدما أول رجل أبيض هذه الأرض حدث انفصال ما مع العالم القديم· صحيح أن كل الأميركيين أتوا من أصقاع الدنيا ليشكّلوا ذلك 'العالم الروماني'، ولكن كل واحد يأتي يحاول 'أن يبني روحه بصورة مختلفة· هنا ناطحة السحاب و'مادونا'· كل واحد منهما تجعل العيون تجحظ· ولو لم تكن هكذا أميركا فكيف يتصل صاحب مطاعم ماكدونالدز بوكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عارضاً وضع إعلان لمنتجاته على سطح المريخ في مقابل 40 مليون دولار، لم توافق ناسا ليس لأن المبلغ ضئيل، وإنما لأنها لا تريد أن تتعرف الكائنات الحية على سطح الكوكب الأحمر على العظمة الأميركية من خلال 'الهوت دوج' أو الهمبرجر، ثمة أشياء أخرى أكثر تعبيراً عن العظمة، حتى وإن قال النجم العربي الكبير: 'إن الأميركيين يدخلون إلى قلوب الناس من أفواههم'·
سيد الأشياء الصغيرة
هذه العبارة تعجب كثيراً 'نورمان ميلر' الذي يبدي حزنه لأن 'عمر الشريف' لم يمثل في أي من رواياته التي نقلت إلى السينما· ليضيف 'إن عبقرية أميركا تكمن في كونها سيد الأشياء الصغيرة، ما الذي يهز الآخرين، القنبلة النووية أم الكوكا كولا؟'·
طاعون يدعى··· السوق
يتساءل 'ميلر': 'لماذا لا يكون المجهول تلك الوجوه الجليدية التي ستتكاثر من حولنا· هذه قرية كونية اجتاحها فجأة ذلك الطراز من الطاعون الذي يدعى السوق· من زمان زمان ظهر السوق، أي منذ أن بدأ الكائن البشري يكتشف أنه بحاجة إلى أشياء لا يستطيع أن يفعلها هو بمفرده، كانت السوق ضرورية، جزءاً من نمط عام، وسيلة، الآن أصبحت السوق هي الغاية· الاستراتيجيات، الثقافات، الحضارات، وحتى الأحاسيس تبنى على أساس احتياجات، وتطلعات، السوق· إنهم يربطون دقات قلوبنا ولو حتى مبيدات الحشرات'·
آباء الدم
إن 'نورمان ميلر' الذي يعتبر أحد أباطرة الرواية القاسية، والمضطربة، والمزلزلة في زمننا الراهن، يتوقف، بدهشة، عند النماذج التي تطرح للاستنساخ: 'اسحق نيوتن'، 'الاسكندر ذو القرنين'، 'ألبرت اينشتاين'، 'نابليون بونابرت'، فقط آلهة العلم والحرب دون أن يعنى أحد بالحديث عن استنساخ رجل مثل 'افلاطون' أو مثل 'بيتهوفن' أو مثل 'القديس توما'، هل الرؤية البشرية أضحت فظة، ولا مبالية إلى هذا الحد؟
لو مضت الولايات المتحدة في الاستنساخ لانتهى العالم· الذين يعارضون هذه العملية ليس ضناً بالإنسان الذي لن يعود يمارس حقه الطبيعي، أو الميكانيكي، أو الأخلاقي، في إنتاج العالم، وإنما خوفاً على أنفسهم· لنتصور مجتمعاً يتكدس فيه ملايين المستنسخين الذين بأدمغة، وأيضاً، بغرائز آباء القنبلة الذرية، وآباء قاذفات القنابل، وآباء الدم، هذا ليضيف: 'يا للسذاجة حين يذهب بنا الاعتقاد أن 'أدولف هتلر' ظهر هكذا عشوائياً، وبمنأى عن تلك الجدلية الفلسفية والاجتماعية والثقافية· هذه هي القراءة العرجاء للتاريخ· إننا نضع النموذج أمامنا ونبدأ بتشريحه: لا أتصور أبداً أن ثمة من هيكل عظمي يخرج من المقبرة ويصنع التاريخ أو يقوده'·
النصف الآخر
ولكن ماذا نفعل الآن؟ صاحب 'العراة والموتى' و'لماذا نحن في فيتنام؟' و'نشيد الجلاد' و'ليل الأزمنة' و'القساة الحقيقيون لا يرقصون أبداً' و'المسيح حسب الابن'، يلاحظ أننا ذاهبون إلى ما هو أسوأ من النماذج التي عرفناها في الماضي 'يفترض أن نصنع قايين بأيدينا، دائماً لدينا الهاجس بأن ثمة نصفاً آخر وينبغي أن نقضي عليه، كم كان المشهد سحرياً أمام 'دين اتشيسون'، وزير الخارجية في عهد الرئيس 'هاري ترومان'، وهو يجترح مصطلح 'الحرب الباردة'· بكلمة واحدة غسل كل ما فعلته القنبلة الذرية ليؤسس لطراز آخر من الحرب ضد النصف الآخر الذي إما صنعه الخيال أو صنعته الايديولوجيا· الآن، انتهت الشيوعية، بثقافة الهوت دوج وبجاذبية ذلك النوع من الحرية، فأين هو النصف الآخر الذي يقتضي أن نجهز عليه؟'·
لا يتصور 'نورمان مايلر' ان هناك خطراً استراتيجياً يدعى 'الأصولية'· دائماً يحدث الخطأ نفسه: 'إن الحضارة الراهنة هي التي تنتج أولئك الأشباح، ماذا ترانا قدمنا لأولئك العراة، والمحطمين؟ ألم نصنع نحن الجنرالات بأسنانهم الصفراء وهم يطلقون العنان للكلاب كي تقتل شعوبهم'· إنه يتحدث عن ذلك 'العدم الآخر' أي الفقر، الذي يجعل 40 مليون طفل ينامون على الأرصفة، في نهاية المطاف ينامون في المواخير العفنة، ومع ذلك تتلألأ التكنولوجيا، وتنافس 'جورج بوش' و'جون كيري' على من يقدم أرقاماً أشد جاذبية· لا أحد منهما -أو منهم- قال إنه يعمل من أجل إنسان آمن، أخلاقياً بالدرجة الأولى، لا أن يكون محمياً من العيون الزجاجية إياها·
الحثالة الاستراتيجية
بالطبع، انه لا يدعو للعودة إلى الوراء: 'كانوا في ما مضى ينتعلون الأحذية الخشبية· ما نفعله الآن اننا ننتعل الأفكار الخشبية، نمضغها، نتلذذ بها· أين الآخرون؟ لماذا إضاعة الوقت في تلك الحثالة الاستراتيجية؟'·
أحداث 11 سبتمبر 2001 شاهد على 'إننا نساهم، بصورة أو بأخرى، في صناعة مجتمعات القاع· ما دمنا نحن لا نبالي بذلك الدمار الذي يلحق بتلك الأجزاء الأخرى من العالم، فكيف نمنعهم من أن يفكروا بتدميرنا؟ لقد أطلقنا العنان لرجالنا كي يلاحقوا القتلة في أي مكان من العالم· بداية، يجب أن نعمل على تفكيك الظروف التي تنتج مثل هؤلاء القتلة· هل هي دعوة مستحيلة؟ لا، لا، ولكن ثمة من سيعلق، بالضرورة: 'يا لغباء هؤلاء الذين يجلسون على مقاعدهم المثيرة ويقلدون كهنة العصر الحجري'·
'أجل، أجل، ان ثمة حملة ضاربة ضد الرؤية الإنسانية في الولايات المتحدة· لنعامل الآخرين برحمة كي يتعاملوا معنا برحمة، ولكن···'··· ولكن ماذا: 'التكنولوجيا تدفعنا أمامها كما صبية الأزقة، نصل إلى الحائط، ونسقط!'·
أورينت برس

اقرأ أيضا