الاتحاد

تقارير

لحظة الهياج الأمني

ميري سانشيز
كاتبة ومحللة سياسية أميركية


لا ريب في فشل ذلك الشاب النيجيري في تفجير طائرة "نورث ويست إيرلاينز" أثناء هبوطها في مطار ديترويت يوم الاحتفال بأعياد الميلاد. فقد تعثرت مهمته بسبب عدم كفاية خبرته إضافة إلى شجاعة الركاب وأفراد طاقم الطائرة الذين سارعوا لإطفاء النيران. ولكننا حين ننظر إلى تلك المحاولة من جانب آخر، فلاشك أن ذلك الانتحاري قد نجح في تحقيق بعض ما يريده، أي أنه نجح في إرسال الرسالة القائلة إن الهدف النهائي للإرهابيين هو قتل الناس بأي وسيلة كانت. وعليه فإن القصد هو خلق هذه الحالة من الارتباك وغرس الخوف في نفوس الأبرياء. فكيف نواجه أنفسنا كأميركيين بهذه الحقائق يا ترى؟ لنستمع أولاً إلى مطالبة الحزب "الجمهوري" المعارض بإقالة الوزيرة جانيت نابوليتانو. لاشك أن وزيرة الأمن الوطني قد ارتكبت خطأً بقولها في محاولة تفسير ما حدث ابتداءً: "لقد نجحت بعض أجهزتنا الأمنية في التصدي لتلك المحاولة الانتحارية". وأياً يكن ما حاولت الوزيرة قوله، فإنه لا يعدو أن يكون جزءاً من التواطؤ البيروقراطي مع تلك الهجمة الخطيرة. ولكن هل سيكون لإقالة نابوليتانو من منصبها مفعول السحر في إصلاح نظام أمننا القومي وتعزيز دفاعاته؟ في اعتقادي أنه من دون التصدي لمفاصل الخلل الجوهري في هذا النظام، فإن من شأن ردود الأفعال والاستجابات هذه أن تلحق المزيد من الضرر بالنظام الأمني بدلاً من معالجة عيوبه وأخطائه.
ثم علينا أن نستمع إلى ما يقوله ديك تشيني في نعت أوباما بمجرد التظاهر بشن حرب على الإرهاب. وكأن مثل هذه الاتهامات المجانية المغرضة وحدها تساعد نظامنا الأمني في ربط الخيوط وتحليل كل ذلك الكم الهائل من المعلومات الاستخبارية والإنذارات التي ترسلها كاميرات وأجهزة الرقابة على مدار اليوم، بما يساعد العاملين على مكافحة الإرهاب على صد الهجمات التي تهدد أمننا القومي!
وعلينا كذلك ألا نفوت ما صرح به "جنجريتش" من تعليقات لن تسهم إلا في تأجيح نيران اللغو السياسي الذي لا طائل منه في الاستجابة للمخاطر الأمنية التي تتهددنا. فقد نادى "جنجريتش" بالتخلي عن أوهام القوامة السياسية، وأن تشرع الحكومة فوراً في تصنيف الأفراد والتعامل معهم على أساس عرقي وديني وثقافي. ولك أن تتخيل المدى الذي ذهب إليه من يسمون بالمستشارين السياسيين من مختلف الاتجاهات والخلفيات في الترويج لمثل هذا اللغو وهم على علم بأن بلادنا تقترب من خوض انتخاباتها النصفية، وما يرتبط بهذه الانتخابات من الخطر السياسي المحدق بما يوصف بـ"التهاون مع الإرهاب". فقد كتب "جنجريتش" في مقال بثه عبر موقع "تويتر" الإلكتروني داعياً علناً إلى: "الحاجة الملحة إلى سياسة تستهدف الملاحقة المنظمة للإرهابيين، بما فيها التصنيف الصريح للأفراد والتمييز الصريح ضدهم كذلك على أساس سلوكياتهم. لقد آن لنا تصنيف الأفراد الخطيرين". ولكن دعونا من هذا الرغاء الفج العاطل، ولننظر إلى مجموعة الحقائق التي تبين مدى فشل نظامنا الأمني في التصدي لهجوم انتحاري على إحدى طائراتنا، كانت جميع مؤشراته واضحة أمام المسؤولين الأمنيين الذين أخفقوا في جمع خيوطها وتحليلها بما يساعد على ردع الهجوم قبل وقوعه. فهناك من المعلومات التي تؤكد علاقات الشاب النيجيري بالمتطرفين اليمنيين، وهناك التحذيرات التي أوصلها والده للسفارة الأميركية في نيجيريا بشأن ميول ابنه الراديكالية. ثم هناك تذكرة رحلة الذهاب فحسب التي اشتراها الإرهابي ودفع ثمنها نقداً. وفوق ذلك كله لم يكن ذلك المسافر يحمل أي أمتعة معه. فكل هذه حقائق لها صلة كبيرة بالمهمة التي كان عازماً على تنفيذها، أكثر من كونه أجنبياً ومسلماً يجب التمييز ضده على أساس جنسيته ودينه كما يرى "جنجريتش" وغيره كثيرون في حمى هذا الهياج الأمني.
والسؤال الآن: لماذا لم نحلل هذه المعلومات ونستخدمها في صد الهجوم الذي فشل فيه ذلك الشاب النيجيري؟ ربما تتعدد الأسباب، غير أن من بينها كثرة المعلومات الاستخبارية الواجب التعامل معها. لكن قبل ذلك، وأهم منه، أن نعمل على تغيير ذهنيتنا الأمنية نفسها. ولن ينجح في هذا التغيير استمرار شن الحرب على الإرهاب وحدها، بقدر ما علينا أن نكون يقظين دائماً دون ذعر أو ارتباك.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي إنترناشونال"

اقرأ أيضا