الاتحاد

تقارير

"قاعدة" اليمن والصومال... مؤشرات صلة مُربكة

سكوت بالدوف
نيروبي

لقد أثارت محاولة تفجير طائرة "نورث ويست إيرلاينز" في يوم الاحتفال بأعياد الميلاد تساؤل الكثيرين حول ما إذا كانت ثمة صلات وتنسيق بين تنظيمي "القاعدة" في اليمن والصومال؟ وقد توصل عدد من الخبراء الأمنيين إلى عدم ظهور ما يكفي من الأدلة على وجود تنسيق بين عمليات التنظيمين. فاليمن والصومال دولتان يفصل بينهما جغرافياً خليج عدن، وإن كان أضيق معبر لمياه هذا الخليج لا يزيد عرضه على 100 ميل، أي المسافة نفسها التي تفصل بين مدينة ميامي وجزيرة كوبا. وكذلك تتسع الفجوة الثقافية والعرقية الكبيرة التي تفصل بين الدولتين.
ولكن يربط بين اليمن والصومال كونهما دولتين فقيرتين يمزقهما النزاع الأهلي الداخلي، والمواجهات المسلحة المستمرة مع المتمردين المتطرفين. وهذا ما يوفر إمكانات تنسيق واسع النطاق بين العمليات الإرهابية الجارية في البلدين. وعلى رغم قول الخبراء بعدم توفر ما يكفي من الأدلة على وجود تنسيق كهذا، إلا أن "تيد دانجي" -الخبير في شؤون القرن الإفريقي والباحث الرئيسي في خدمات بحوث الكونجرس في واشنطن- يرى أن: "من الممكن أن تكون هناك صلات قوية تربط بين التنظيمين المذكورين. ففي كليهما عناصر تؤمن بذات الأيديولوجية العنيفة المتطرفة. وإلى جانب ذلك التوافق الأيديولوجي، هناك أيضاً التقارب الجغرافي الذي يسمح للتنظيمين بحماية نشاطهما والتنسيق بين جهودهما وعملياتهما".
والحقيقة أن من شأن احتمال وجود هذه الصلة بين التنظيمين أن يشكل الكيفية التي تسعى بها إدارة أوباما لتعزيز جهود الحكومة اليمنية الرامية إلى كسر شوكة المتطرفين الأصوليين. يذكر أن هيلاري كلينتون أعلنت أن معظم الجهود التي ستبذلها بلادها في اليمن ستتركز على تقديم المساعدات التنموية والعسكرية لصنعاء. غير أن الخبراء يرون أن حل المعضلة الأمنية اليمنية يتطلب وجود سياسة أقوى وذات رؤية أكثر وضوحاً لواقع كلتا الدولتين.
ومن بين هؤلاء صرح أحد خبراء القرن الإفريقي- مفضلاً عدم ذكر اسمه- قائلاً: "إن من وجوه التشابه بين اليمن والصومال أن في كليهما مجتمعاً عشائرياً، تسوده القيم الاجتماعية المحافظة، وأن لكليهما حكومة مركزية غير قادرة على توفير الخدمات الضرورية لمواطنيها". ومعروف عن تنظيم "القاعدة" تغلغله في مثل هذه المجتمعات التي يمزقها النزاع الداخلي. وعادة ما ينجح التنظيم في بناء علاقات قوية مع زعماء العشائر. ومن ضمن أساليب عمل المتطرفين في مثل هذه المجتمعات، المساهمة في بناء المدارس والمستشفيات وغيرها من المرافق العامة التي توفر الخدمات الاجتماعية للسكان. وبذلك ينجح التنظيم في شراء ولاء السكان وزعماء القبائل، ما يكسبه فرصة لوجوده ولعملياته. وبالمثل يصعب عزل عناصر التنظيم ومقاتليه من تلك المجتمعات. أما محاولة العثور عليهم بينها، فهو أشبه بمحاولة العثور على إبرة صغيرة في تل من القش.
ومثلما حدث في اليمن، فقد توافد مقاتلون من تنظيم "القاعدة" على الصومال بهدف خوض حرب ضد حكومة يرى الأصوليون أنها مفروضة من قبل الغرب. ويشير الخبراء إلى وصول حوالي 200 متشدد إلى الصومال من باكستان وأفغانستان والهند ودول عربية. بل إن بعضهم جاء حتى من الولايات المتحدة الأميركية بصفة مدربين عسكريين وخبراء متفجرات. كما توافد عدد كبير من المتطرفين لمد يد العون في محاربة الغزو الإثيوبي للصومال في ديسمبر من عام 2006 بهدف الإطاحة بحكومة "المحاكم الإسلامية" آنذاك.
واليوم يسعى هؤلاء الأصوليون لتحويل هذه النزاعات الإقليمية المحدودة إلى عملية صراع دولية. وقد بدت بوادر اتساع أيديولوجيتهم المتطرفة هذه واضحة في سلسلة تفجيرات وهجمات انتحارية على قوة حفظ السلام الإفريقية في الصومال، لتشمل حتى حفل تخرج جامعي في مقديشو في الثالث من شهر ديسمبر المنصرم. ويستدل الخبراء بهذه الحوادث على أنها مؤشر قوي على سيطرة الأصوليين الأجانب على زمام العمليات الجارية في الصومال بدلاً من حركة "الشباب" التي كانت تتولى قيادة تلك العمليات.
كما يشترك اليمن والصومال في معاناتهما من استمرار الحروب الأهلية فيهما. وبالنسبة للصومال فقد مر عليه قرابة عقدين من الزمان دون وجود حكومة مركزية فاعلة. كما ساهمت عقود عديدة من الحروب والنزاعات الداخلية بين زعماء القبائل ولوردات الحرب في ازدهار تجارة أسلحة مربحة يتم تهريبها من وإلى اليمن. وفي اليمن توجد أكبر جالية صومالية مهاجرة في المنطقة بأسرها، مع ملاحظة أن الكثير من هؤلاء المهاجرين من الشباب الذين قوت الحروب والنزاعات المستمرة شوكتهم. وبسبب خيبة أمل الكثير من الصوماليين في زعماء القبائل، فكثيراً ما يتجهون إلى الزعامات الدينية التي تدعو إلى توحيد البلاد تحت راية دينية سياسية. ومن المعروف أن الإسلام قاسم مشترك عام بين جميع الصوماليين.
ولكن على رغم هذه العوامل المشتركة بين البلدين، لابد من القول بانفصال النزاعات الداخلية في كل واحد منهما عن الآخر، مع وجود أدلة ضعيفة للغاية على وجود تنسيق مشترك لتنظيم أوسع لـ"القاعدة" للعمليات الجارية فيهما. فحركة "الشباب" الصومالية لم تعلن انضمامها إلى تنظيم "القاعدة" إلا قبل مدة قصيرة للغاية. وهي حركة تنتمي جغرافياً وتنظيمياً إلى خلية "القاعدة" بمنطقة شرق إفريقيا وليس إلى تنظيم "القاعدة" اليمني. وذلك هو ما يراه خبير آخر في شؤون القرن الإفريقي.
ومهما يكن فإن العمل العسكري -مثل تصعيد العمليات العسكرية الجارية في أفغانستان- لا يشكل سوى جانب واحد فحسب من إمكانات التصدي لخطر التطرف في المنطقة. ومن هنا تأتي أهمية التنمية والاهتمام بتوفير الخدمات والاحتياجات الأساسية للسكان. ذلك أن من المعروف عن المجتمعات المنسية أنها تمنح ثقتها وولاءها لمن يخفف عنها معاناة حياتها اليومية. وهذا ما يدركه تنظيم "القاعدة" -سواء كان في الصومال أم اليمن- ويستثمره أقصى درجات الاستثمار لصالح أيديولوجيته الأصولية المتطرفة.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

اقرأ أيضا