الاتحاد

تقارير

«الخروج» البريطاني والعقلية الإمبراطورية

ليس ثمة أسباب وجيهة تجعل بريطانيا تترك الاتحاد الأوروبي. فـ«خروج بريطانيا» ليس له معنى على الإطلاق من الناحية الجيوسياسية أو الاقتصادية، كما أشار الأجانب الغاضبون، بما في ذلك الرئيس الأميركي باراك أوباما. ولكن إذن، كما هو الحال مع العديد من الظواهر السياسية اليوم، فإن أي تفسير لحملة خروج بريطانيا التي لا يمكن تفسيرها ينبغي أن يكون من خلال البحث في التاريخ الاجتماعي والثقافي والعاطفي.
والدافع الذي يقود المؤيدين لخروج بريطانيا هو نفسه الذي أبرزه وزير الخارجية الأميركي الأسبق «دين أتشيسون» عام 1962، عندما أعلن أن «بريطانيا العظمى فقدت امبراطورية ولم تعثر بعد على دور». وكما عبر عنه الكاتب «إدموند ويلسون»، أيضاً، عندما قال إن النخبة البريطانية كانت «غير متصالحة تماماً مع التقليل من بريطانيا ما بعد الحرب» في بريطانيا، يتشارك أعضاء حزب «المحافظين» الذين يدعمون الانسحاب من الاتحاد الأوروبي في هذا الاعتقاد العنيد بأن جزيرتهم الصغيرة ستظل عظيمة بما يكفي لكي تنفصل عن أوروبا القارية. وللتأكيد، فإن الشعور البريطاني الأصلي من الاكتفاء الذاتي والقوة والمجد تنبع من حقائق تاريخية. ففي القرن الثامن عشر، كانت عزلة بريطانيا الجغرافية، فضلا عن التقاليد المتشابكة للتجارة والحرية الشخصية، تميزها بوضوح عن منافسيها في القارة المضطربة.
وفي القرن التاسع عشر، ساعد توسع بريطانيا الصناعي والتجاري على إعادة تنظيم العالم في وحدة اقتصادية، في السراء والضراء. وهدم المستعمرون البريطانيون، وكذلك الممولون والمهندسون والمستكشفون والبحارة وشركات التأمين والإداريون الكثير من الحواجز الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية بين القارات. وقد أدت هذه الغزوات الظافرة في العالم خارج أوروبا إلى خلق الطابع الحديث المميز لبريطانيا وأعطى الطبقات المزدهرة شعوراً بالتفرد الرائع داخل أوروبا، التي كانت تتألم تحت وطأة الحرب والثورة.
هذه الخبرة الطويلة من الإمبريالية الناجحة زرعت العديد من المواقف المعروفة في الحملة المؤيدة لخروج بريطانيا اليوم. لقد ولدت انعدام الثقة في الأوروبيين القاريين.
وعارض والد وينستون تشرشل إنشاء نفق المانش أو نفق القناة مع فرنسا في أواخر القرن التاسع عشر قائلا إن «سمعة إنجلترا اعتمدت حتى الآن على كونها، كما كانت، العذراء التي لم تمس».
هذه الحيازة الهادئة للإمبراطورية العظيمة خلقت بين النخب بعض التصرفات العقلية والعاطفية الدائمة، التي تتراوح بين «الشفة العليا المتصلبة» إلى الاستيعاب الذاتي المتعجرف وسوء الفهم لأهمية التنوع.
وقد ألقى «إي إم فورستر» باللوم في حدوث المشاكل السياسية للإمبراطورية البريطانية في مطلع القرن العشرين على بعض المتعلمين تعليماً فائقا ً في «المدارس العامة» والذين «ينطلقون بقلوب متخلفة» إلى «عالم لا يتكون كلياً من رجال المدارس العامة أو حتى الأنجلو ساكسون، ولكن يتألف من رجال متنوعين مثل رمال البحر».
ولم يكن من السهل على الطبقة الحاكمة البريطانية التي كانت متخبطة لكنها مرفهة العثور على مجرد دور بعد أن فقدت الإمبراطورية. لقد كانوا يسعون إلى الحفاظ على اللهب القديم على قيد الحياة من خلال مغامرات إمبراطورية جديدة في بعض الأحيان، من السويس إلى جزر فوكلاند إلى العراق.
وقد كان وزير التعليم «مايكل جوف»، وهو من المؤيدين لخروج بريطانيا، مهووساً بجلب مناهج التاريخ التي تدرس في المدارس لتتماشى مع التفكير الرجعي للإمبرياليين الجدد الذين أعلنوا عن أنفسهم مثل نيال فيرجسون وأندرو روبرتس. وقد أيد كل من فيرجسون وروبرتس حرب العراق، قائلين إن الإمبراطورية البريطانية كانت «قوة نموذجية من أجل الخير»، وأن الإمبريالية كانت «فكرة حان وقتها مرة أخرى».
وفي السنوات الأخيرة، هذه العدوانية السلبية عن الإمبراطورية البريطانية – مغامرة ذات دوافع ووكلاء غير مؤذيين غالباً لكنها مبتلاة بالعنف والعنصرية والاستغلال – كانت هي التيار السائد بين قسم من اليمينيين البريطانيين. وفي الأسبوع الماضي، اتهم بوريس جونسون أوباما بأنه يرث عداء أسلافه الكينيين المعادي للإمبريالية ضد بريطانيا. وكان هذا هجوم متطرف للغاية من قبل عمدة لندن - التي تعد المدينة الأكثر عالمية ومثالاً ساطعاً على أداء بريطانيا الذي كان أفضل بكثير من أداء أي دولة أوروبية قارية فيما يتعلق باستيعاب المولودين خارج البلاد. وعلى الجانب الآخر، يرى المرشح «الجمهوري» للرئاسة الأميركية دونالد ترامب أن عزلة بريطانيا قد تجعلها عظيمة مرة أخرى.


*محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا