الاتحاد

دنيا

الكاتب وإيقاظ الفكر

مهمة الكاتب إيقاظ الفكر ومخاطبة العقل

مهمة الكاتب إيقاظ الفكر ومخاطبة العقل

يقول الدكتور محمد سعيد حسب النبي، الأستاذ المساعد بجامعة الحصن: يتساءل بعضنا عن مهمة الكاتب الحقيقية؟ هل تنحصر مهمته في منح العلم والمعرفة، أم في نقل الأفكار إلى عقول القُراء، أم في تحليل الظواهر التي تحدث في المجتمع، أم في الإجابة عن الأسئلة التي تدور على ألسنة الناس؟! والإجابة عندي أن مهمة الكاتب فوق ما سبق وأعظم مما قيل بكثير، مهمة الكاتب عندي هي إيقاظ الفكر في ذهن القُراء، فأنا لا أريد للقارئ أن تطيب نفسه لما يقرأ، وإنما أتمنى أن تثور نفسه وينشط عقله، ويبدأ في حوار داخلي بين اتفاق واختلاف، وأخذ وعطاء، وبحث وتنقيب.
ولا أتمنى أن يتحول القارئ إلى متلق سلبي، يكشف غطاء عقله ليصب الكاتب فيه رؤاه وأفكاره؛ فالكاتب الحقيقي هو الذي لا يعطي من حكمته، وإنما يصل بالقارئ إلى عتبة فكره هو وحكمته الغائبة بين طيات نفسه.
الكاتب عندي هو الذي يستطيع أن يكوّن الرأي عند القارئ، فيحرره من الأغلال والقيود التي وضعها على عقله وفكره، ولست أعني هنا التحرر السلبي، أي أن القارئ لم يعد مغلول الفكر مقيد العقل، ولا يدري ماذا يفعل ليحيا. وإنما أعني الحرية الإيجابية والتي تنطوي على قدرة الإنسان على أداء عمل، وتكوين رأي، وبناء شخصية. إن واجب الكاتب أن يخلق الذاتية عند قارئه، ويساعده على تكوين الشخصية الناقدة والمحللة والمختلفة.
عمل الكاتب مثل القلب أداة لضخ الدماء في العقول، وبدوام عملها تضمن للإنسان الحياة والرقي والنضج للبشرية جمعاء.
مهمة الكاتب السعي لتحريك الرؤوس وليس لإراحة النفوس، وصدق الشافعي حين قال: علمت أن ركود الماء يفسده إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب.
فأنا أتمنى أن يحرك الكاتب بحيرة الفكر الراكد في عقول القراء، حيث يسري مداد قلمه في عقول قرائه ليبعث فيها الحياة، وينتهي بذلك دوره ليبدأ القارئ استكمال المسيرة وتبدأ معاناته بعد الانتهاء من القراءة، فيكتشف أن في جوف الكلمات كلمات، فكأنها أفكار في جوف أفكار، وأنهار غابت بين أنهار.
وأسلوب الكاتب لا ينفصم عن أفكاره، وأنا هنا أختلف عن المعنى التقليدي للأسلوب، فليس الأسلوب نمطاً في الكتابة يلتزمه الكاتب، وإنما يكون للكاتب أسلوباً إذا استطاع أن يسلب ذهن قارئه وشعوره، فيأخذه إلى عالمه ويشده إلى بستان فكره فيقفز القارئ كالعصفور المرح بين أفنان الشجر ينهل منه ما يريد، ويأخذ منه ما يطيب.
أو الأسلوب أن يسلب الكاتب من نفسه وكيانه جزءاً يقدمه للقارئ، فكأنها بذور أفكاره يهديها لقارئه، فيتناولها ويتعهدها بالرعاية والسقاية، حتى تنمو وتزهر وتثمر، وتصبح ظلالاً وارفة تؤتي أكلها حين تمامها.
وهذا الكاتب لا يموت ولا يبلى على مر الأيام والسنين لأن أفكاره باقية في أذهان القراء، تنمو ويُنتفع بها، فكم من أناس زادت محاسنهم وهم تحت الثرى أموات.
وسيظل الكُتّاب شعلة مضيئة في حياتنا الفكرية ما داموا قادرين على تنمية قوة الإدراك وبث أفكار الاختلاف

اقرأ أيضا