الاتحاد

عربي ودولي

الولايات المتحدة·· وتغير التوجهات السياسية في الشرق الأوسط

تتقدم باستراتيجية حذرة
محمـد أبـو الفضـل:
لا يمكن تجاهل أن هناك مؤشرات تغير فى المنطقة ، طالت عددا كبيرا من دولها ، بما يؤكد أن المرحلة المقبلة ستشهد تطورات على مستويات مختلفة ، وأن الأدوات السياسية التى كانت تتحكم فى العلاقات البينية فى سبيلها للتحرك عن مسارها الراهن ، بشكل يفتح المجال لإعادة ترتيب الأوضاع على أسس تأخذ فى حسبانها الرغبة الجماعية فى خلق نمط جديد من العلاقات وتفاعلاتها ، تنطلق من مقومات المصالح السياسية والاقتصادية المتنامية ، والتى يتوقف نجاحها أو فشلها على ما يقدمه المجتمع الدولى من إبداع فى صيانة حقوق بعض الدول وردع محاولات الاغتصاب السياسى الجارية على قدم وساق من قبل اسرائيل منذ فترة طويلة ، فالتغيير الذى لم تتشكل معالمه النهائية بعد فى احتياج الى آليات تدعمه وقوى تعمل للحفاظ على مكوناته ، حتى تصل إلى قواعد تضمن حدوث الإصلاح والاستقرار فى آن واحد، فالمنطقة لا تتحمل تحولا فى التوجهات يقود إلى انفلات أو فوضى عارمة ، لذلك فالاتفاق على قواسم مشتركة تواءم بين الطروحات الخارجية والأهداف الداخلية ، يمكن أن يكون السبيل لتغيير ينطوى على مصالح جميع الأطراف ، ويصبح الطريق الذى تسير عليه إرهاصات التحول فى المنطقة ، التى ظهرت ملامحها فى المسار الفلسطينى - الاسرائيلى حتى الآن ·
ولا تتوقف التحركات السياسية على ما عكسته قمة شرم الشيخ الأخيرة، بل هناك جملة من التحركات القادمة على أصعدة متباينة ، تعزز الاتجاه للاستفادة من الواقع الجديد فى المنطقة ، لبناء ركائز تتكفل بجعل التغيير سمة أساسية من سماتها ، فالمنتظر أن ينعقد فى الثالث من مارس المقبل بشرم الشيخ مؤتمرا يضم وزراء خارجية الدول الثمانى الصناعية وبعض الدول العربية ، لبحث وسائل التعاون الاقتصادى والسياسى فى الشرق الأوسط ، وبعض الملفات المرتبطة بقضيتى فلسطين والعراق ، وفى العاشر من الشهر نفسه تستضيف لندن الاجتماع الذى دعا إليه رئيس الوزراء البريطانى تونى بلير لبحث جهود السلطة الفلسطينية وخلق مناخ من الثقة مع اسرائيل ، تشارك فيه عدة أطراف إقليمية فضلا عن الدول الثمانى الصناعية ، وفى أواخر شهر مارس أيضا تنظم اليابان مؤتمرا للمساعدة فى تمهيد الطريق أمام التسوية فى الشرق الأوسط ، عبر إجراء مناقشات حول وسائل تذليل العقبات التى تعتريها، وكلها دلالات تؤكد أن الأيام القادمة حبلى بتطورات شتى بتغير واضح فى المناخ الاقليمى السائد ، غير أن الارادة الدولية التى تدعمه فى حاجة لأدوات أكثر تحديدا ·
أجواء شـرم الشيـخ
أعطـت قمة شرم الشيخ التى عقدت فى الثامن من فبراير الجارى بعدا جديدا لتحركات أبومازن ، حيث مثلت البداية العملية لتدشين المرحلة الخارجية لبرنامجه السياسى ، الذى حققت مقدماته الداخلية عدة نجاحات فى غضون فترة قصيرة ، يسعى لاستثمارها فى حض كثير من الدوائر الإقليمية والدولية على الاعتراف أن هناك بوادر اصلاح طويل تستحق المساندة ، والتعجيل بالضغط على اسرائيل لاتخاذ خطوات محددة فى قضايا شائكة ، واستمدت القمة جزءا من أهميتها باستفادتها من مقدمات التغيير فى مستويات تتجاوز الحدود الفلسطينية، فقد أبدت اسرائيل استعدادا لخفض قبضتها الأمنيـة، والاقدام على اجراءات تثبت تجاوبها مع التحركات الفلسطينية، وتزايدت مؤشرات الانخراط الدولى فى التمهيد لتسوية حقيقية ، تقوم على قواعد واضحة يلتزم بها الطرفان ، يمكن أن تكون نواة لوضع آليات متطورة لحلحلة الأزمات فى المنطقة ، وأكدت دعوة مصر للقمة ومشاركة الأردن فيها حرصهما على التعاون والتفاعل مع التطورات الفلسطينية والاقليمية ، من خلال تقديم ضمانات تساعد فى تهيئة الأجـواء الأمنيـة والسياسيـة · لـذلك عكست القمة رغبة أطراف متعددة فى تحريك عملية المفاوضات المجمدة ، لأن استمرار الشد والجذب بدون أفق سياسى يضاعف من الظلال القاتمة التى تعم المنطقة، بما يلحق أضرارا بالغة بمصالح جهات متباينة، ويتسبب فى تفشيل هدف أبومازن فى أن يكون ترتيب البيت الفلسطينى مدخلا للتعامل مع المعطيات الخارجية، ويدحض رهان البعض على الاستفادة من نجاح توجهاته الواقعية، وبالتالى فأى نجاح يترتب على هذه القمة فى المستقبل يفتح الباب لتوسيع نطاق التفاؤل بأن التحول الظاهر فى أدبيات بعض الأوساط مقدمة لتحولات أكبر فى أنماط تفكيرها، فى حين يكشف إخفاقها عن ابتعادها فى أن تصبح طريقا يمهد للشروع فى المفاوضات السياسية ، ودليلا إضافيا على هشاشة التغيير فى الخطاب الاسرائيلى ، وعدم بلورة الولايات المتحدة رؤية عميقة لما تريده بعدها، الأمر الذى يفسر تعمد اسرائيل خفض سقف إقدامها على خطوات كبيرة ، ومحاولة التضخيم من مطالبها الأمنية على الصعيد الفلسطينى ، كما أن مكونات الحذر الأمريكى فى التعامل مع القمة وما تلاها أشار الى نتيجتين ، الأولى عدم الاستعداد لممارسة ضغوط على اسرائيل حاليا، توضح من خلالها أن التوجهات السائدة فى المنطقة لها امتدادات عميقة فى واشنطن ، والثانية عدم الاطمئنان النهائى لنتائج الخطوات التى اتخذها الطرفان الفلسطينى والاسرائيلى، بما يجعل الإدارة الأمريكية قادرة على المجازفة بانخراطها فى العملية السياسية ·
وعلـى هذا الأساس فأى تغيير فى الحسابات العربية مع اسرائيل ، مثل عودة السفيرين المصرى والأردنى لتل أبيب، يؤدى لإضعاف فى الموقف الفلسطينى ، الذى نجح فى احراز تماسك داخلى مهم ، ويقود الى تشبث اسرائيل بمبرراتها الأمنية ، التى تساهم حصيلتها فى زعزعة معالم التوافق الفلسطينى ، ومن ثم التشكيك فى خطوات أبـومازن ، وهو ما يحاول تحاشيه عبر تثبيت الهدوء فى الأوضاع الداخلية ، والاتفاق على جملة من القواسم المشتركة بشأن أدواتـه فى المرحلة المقبلة ، واعطاء أهمية لمباحثات معاونيه مع مسئولين اسرائيليين للتوصل الى تفاهمات محددة قبل الشروع فى مفاوضات رسمية ، باشراف أطراف اقليمية ودولية ،ومـن هنا فتقاطع التحركات الخارجية مبكرا مع الترتيبات الجارية على الساحة الفلسطينية، يمكن أن يعزز برنامج الرئيس محمود عباس، ويوفر غطاء لدعم توجهاته ، خاصة إذا توافرت مجموعة من الضمانات للدخول فى مفاوضات على أسس عملية ، والعكس يفضى الى زيادة التشويش على حساباته الداخلية، بما يعيدنا الى مربع تعمد خلط الأوراق ·
4 محـددات
لعل أبرز علامات الحذر الأمريكى حتى الآن تكمن فى انخفاض مستوى مشاركة واشنطن فى قمة شرم الشيخ ، والتركيز على إعطاء مهلة للمفاوضات الثنائية بين السلطة الفلسطينية واسرائيل ، كما أن اللقاءات والاجتماعات المقبلة تقبل عليها الولايات المتحدة دون امتلاك جدول أعمال يحدد مسؤوليات كل طرف ، والاكتفاء بالإشادة بخطوات الرئيس الفلسطينى للتهدئة الداخلية مع طلب المزيد منها ،ومساعدة أبو مازن فى هذا المجال عبر تعيين منسق أمريكى للشؤون الأمنية في الأراضى المحتلة ، والابتعاد عن التطرق لما هو مطلوب من اسرائيل تنفيذه تفصيليا ،حتى يتسنى الوصول لأجواء مواتية لاكتمال محاولات بناء البيت الفلسطينى ، علاوة على عدم إقدام الادارة الأمريكية على تحديد الآليات اللازمة لتنفيذ الاتفاقيات السابقة وممارسة ضغطا حقيقيا على اسرائيل ، تتعهد بموجبه إفساح المجال لإثبات حسن نواياها السياسية ·والواقع أن استراتيجية الحذر الواضحة فى خطوات وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس فى ملف التسوية ، تنطلق من أربع محددات رئيسية ، الأول تجربة الرئيس السابق بيل كلينتون، حيث فشل فى حلحلة القضايا الشائكة ، على الرغم من انهماكه فى العملية السياسية ، ومن ثم فالتمهل يبدو مطلوبا حتى لا تكون هناك انعكاسات بعيدة المدى على أى إخفاق تواجهه ادارة الرئيس جورج بوش ، والثانى استمرار الأزمة فى العراق وغموض سيناريوهات التعاطى مع ايران ، يكبحان أى تحركات واسعة على النطاق الفلسطينى - الاسرائيلي ، فمع أن هناك اتجاها لزحزحة سلسلة من القضايا بصورة متوازية ، إلا أن السيولة الظاهرة تمنع المجازفة بتطبيق هذه السياسة ، قبل الاطمئنان الى درجة من الهدوء تساعد على النجاح ، والثالثة عدم حسم وسائل التعامل مع سورية ، باعتبارها عضوا فاعلا فى المنطقة ، يفرض التريث فى الانخراط الكامل فى التسوية ، حتى تتحدد توجهاتها النهائية فى الملفات العالقة ، والرابع الحاجة لمساعي متباينة على مستوى الإصلاح الداخلى فى المنطقة ، فالتسوية فى حاجة لتوافر بيئة إقليمية تتفهم معطياتها وتتقبل تداعياتها ، وحتى الآن لا يزال الموقف غامضا بشأن الوصول لصيغة تقوم على المواءمة بين أهداف التسوية ومتطلبات الإصلاح ·

اقرأ أيضا

وفاة اثنين وإصابة آخرين في انهيارات جليدية بجبال الألب