الاتحاد

دنيا

تزفيتان تودوروف يبحث في “الحياة المشتركة” متأثراً بتيارات الفكر الفلسفي الأوروبي

الفلسفة الأوروبية اهتمت بالحياة المشتركة بين البشر

الفلسفة الأوروبية اهتمت بالحياة المشتركة بين البشر

كتاب “الحياة المشتركة” لمؤلفه تزفيتان تودوروف الصادر عن مشروع كلمة التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث يدور حول مقولة أن “الإنسان كائن اجتماعي” ويطرح تساؤلات حول معنى هذه العبارة. وفي هذا البحث الأنثروبولوجي الذي تتوازى فيه الفلسفة مع التحليل النفسي، وتتلاقى فيه الأعمال الأدبية بالاستبطان، يخلص المؤلف إلى أن الكائن البشري محكوم بالنقص وأنه يتوق إلى الاعتراف به وأن ذاته حتى في العزلة مصنوعة من العلاقات مع الآخرين.


يعمد تزفيتان تودوروف في بداية كتابه “الحياة المشتركة” إلى إلقاء نظرة حول تاريخ الفكر الفلسفي الغربي، وهي نظرة لا يزعم المؤلف أنها تنوب عن الدراسات التاريخية المعمقة.
ويتعرض الكاتب إلى ما يعرف بـ “التقاليد اللااجتماعية” التي كانت سائدة في العصور القديمة، قائلاً: “إذا تعرفنا على التيارات الكبرى للفكر الفلسفي الأوروبي الخاصة بتعريف ما هو إنساني، نصل إلى خلاصة تثير الفضول وهي أن البعد الاجتماعي، واقعه العيش المشترك، أمر غير متصور عموماً بصفته ضرورة للإنسان، ومع ذلك فإن هذه الأطروحة لا تظهر كما هي، بل هي بالأحرى فرضية غير مصوغة.
ومؤلفها لهذا السبب، لم تتح له فرصة المحاجة، وإننا لنقبلها بسهولة على كل حال، بالإضافة إلى هذا، فإنها تشكل القاسم المشترك لنظريات تتعارض وتتقاتل، مهما تكن الجهة التي تميل إليها في هذه الصراعات، فإننا نعانق فيها على الدوام تعريفاً معزولاً، غير اجتماعي للإنسان”.
ويستشهد تودورف على هذا الرأي بما قاله مونتاني الذي أراد أن يوجه نصيحة إلى أقرانه فنجده يعبر عن ذلك قائلاً: “فلتكن موافقتنا منوطة بنا، ولنتخلص من كل الارتباطات التي تربطنا بالآخر، ولنحمل على عاتقنا القدرة على العيش وحدنا بدراية وأن نعيش كما يحلو لنا”، ويقول في نصيحة أخرى:”غادروا مع المتع الأخرى المتعة التي تأتي من رضا الآخر”.
وتبعاً لمونتي، فإنه من الممكن إذاً بل من المحمود أن نتحرر من العلاقات مع الكائنات الإنسانية الأخرى في الوقت ذاته ولاسيما من الرضا الذي نوجهه إليهم، وهذا الرأي يعتبره الكاتب بمثابة حكمة.
ثم يشير تودوروف إلى أنه من حسن الحظ أن تلك النظرة لا تطبق دائماً وفي كل مكان، لافتاً إلى أنه في أزمنة أخرى ومع وجود الوهم الإنساني بوجود الاكتفاء الذاتي المثالي فإن مفكراً كبيراً مثل باسكال ارتأى، إننا لا نعرف أن نكفي أنفسنا بأنفسنا وإنه يراقبنا بسوداوية ونحن متروكين للهو اجتماعي دائم، ولذا فإن النزعة الاجتماعية نزعة واقعية، ولكن المثالية أيضاً واقعية لأن الحقيقة العميقة لطبيعتنا هي الوحدة وهذه هي الصيغة الأولى الكبرى لتصور الفردانية الذي يكمن تحت تمثلاتنا للحياة المشتركة.
ميول متناقضة
يحدد الكاتب الانعطاف الذي حدث في عصر النهضة في كل من النظرية السياسية وعلم النفس، حيث تم التخلي عن مماثلة “الطبيعة” بـ”المثالي”، فيقول:”بما أننا قد تحققنا أن الإنسان هو بطبيعته كائن وحداني وأناني، فيمكننا مع ذلك أن نذهب في اتجاهين متعارضين: إما محاربة الطبيعة أو تمجيدها، ومن المفكرين من اختار الطريقة الأولى، مثل لاروشفوكو الذي قال: “إن العيش في مجتمع يضيق الشهية المتطرفة للبشر ويفرض عليهم تعلّم التبادل”.
ويوضح الكاتب أنه “يمكن ملاحظة إقامة “جهاز للمحاججة” عند لاروشفوكو سيظل تقريباً خلال قرون وسنتظاهر كما لو أن كل العلاقات تعود إلى الخصال الحميدة وإلى الكرم وإلى حب الآخر، ويقول آخر إننا نؤول التعارض بين الوحدانية والمجتمع بصفته معادلاً للتعارض بين الأنانية والغيرية، وهذا غلو بكل وضوح”.
وينتقل تودورف إلى الحديث عن رؤية عالم الاجتماع الغربي أوجست كانط الذي ذكر أن “المنافسة الجوهرية للنوع الإنساني تكمن في عدم اجتماعية نزعته الاجتماعية وفي ميوله المتناقضة في البحث وفي الهروب من المجتمع”. ومع ذلك إذا كان الميل الأول يسمح بإنجاز الأروع عند الإنسان فإنه من الجانب المثالي، جانب توجه الجنس الإنساني مبدأ منظم، فإن الثاني هو الذي يقول لنا حقيقته الداخلية وميله الطبيعي، وهذه هي “السمة اللااجتماعية” التي تمثل عنده إرادة قيادة كل شيء فقط تبعاً لمنظومة، وإنه ليتوقع بعد ذلك مقاومة تأتيه من كل جهة، عما يعرف بنفسه أنه مثال من جانبه لمقاومة الآخرين”.
الإنسان الذئب
يعرج تودورف إلى مدرسة التحليل النفسي الكلاسيكي التي أرسى دعائمها سيجموند فرويد الذي وصف الإنسان في كتابه “قلق في الحضارة” بأنه “إنسان البشر ذئب”. وانطلاقاً من هذا المنظور يقدم فرويد المجتمع بوصفه علاجاً وملاذاً يجب عليه أن يكنس أضرار الحرب الدائمة للجميع ضد الجميع، وتبعاً لذلك يقول فرويد:”إنه لأمر مستحيل ألا يتبين المرء إلى أي حد يقوم البناء الحضاري على مبدأ التخلي عن النزوات الغريزية وإلى أي درجة تحديداً تصادر الحضارة على عدم الإشباع (القمع الكبت، أو أي آلية أخرى) لغرائز قوية، ويسوس هذا التخلي الثقافي الميدان العريض للعلاقات الاجتماعية بين البشر”.
ويقول تودورف إنه من الصعب في أيامنا هذه أن نناقش البنية النفسية للكائن الإنساني من غير إحالة إلى التصور الفرويدي، لافتاً إلى أن “هذه الفكرة إذ كانت في لحظة ظهورها قليلة في صوابها فقد غدت تمثل صواباً، ودخل الجهاز الاصطلاحي الفرويدي في الاستعمال الجاري، ومن ثم فقد أصبحنا مجبرين أن ننطلق منه”.
قيمة الاعتراف
اعتمادا على الموقف الفرويدي الذي ينظر للكائن البشري نظرة تحليلية شاملة نجد أن الإنسان يجب ألا يختزل إلى ما هو إنساني خاص، فالإنسان بداية هو موضوع مادي وتملي هذه الخصوصية بعضاً من سلوكياته، فالإنسان هو في الوقت نفسه كائن حي، حيوان يتقاسم مع الحيوانات سماتها المميزة وثمة مجموعة أخرى من السلوك تدع نفسها تفسر بذلك. ولكنه أيضاً كائن إنساني ولا يوجد على الإطلاق كائن حي يشبهه فهو موجود في مجتمع وبصحبة بشر آخرين.
ثم يدلف تودورف إلى تناول ما يعرف بـ”الاعتراف ومصائره”، لافتاً إلى أنه ليس مصادفة أن جعل روسو، وآدم سميث، وهيجل الاعتراف قيمة، لأنه الذي يسم أكثر من أي عمل آخر دخول الفرد إلى الوجود المخصوص بالإنسانية. ويقصد بالاعتراف هنا الاعتراف الذي يجنيه الفرد من الآخر عند تواصله معه فهذا الاعتراف برهان على الوجود، ويغطي الاعتراف بالطبع نشاطات لا تحصى، وهي من أكثر الوجوه تنوعاً، فما أن يُدخل مفهوم واسع في احتوائه حتى نجد واجباً أن نسأل أنفسنا ما هي أسباب هذا التنوع وما هي أشكاله.
ويلفت الكاتب إلى أن الاعتراف من الآخر لا يكون مرتبطاً بمستوى معين ولا اتجاه محدد وإنما يأتي من كافة الاتجاهات والمستويات، ويدلل على ذلك بأن الإنسان لا يستطيع تجاهل الاعتراف الذي يأتي من الناس الأدنى، وإن كنا نخفيه في معظم الأحيان، ويقول :”إن السيد كما نعلم جيداً يحتاج إلى خادم حاجة لا تقل عن حاجة الخادم إليه، وكذلك فإن التلاميذ الذين يتعلقون بأستاذهم إنما يعززون إحساسه بوجوده، وكذلك المعنى يحتاج إلى تصفيق معجبيه في كل مساء، أما الأبوان فإنهما يعيشان سفر الأولاد كما لو أنه عذاب، ومع ذلك فإن الأولاد وحدهم يبدون كأنهم طلاب اعتراف”. ويحدد الكاتب شكلين من أشكال الاعتراف المجتمعي الذين نتطلع جميعاً إليهما وإن كان بنسب متنوعة فهناك اعتراف المطابقة واعتراف المفارقة.
التطابق والتمايز
تتعارض هاتان المقولتان: فإما أريد أن أكون مرئياً بوصفي مختلفاً عن الآخرين، وإما أريد أن أكون مشابهاً لهم. ويؤكد المؤلف أن مسألة الاعتراف المجمعي لا تعرض نفسها بالطريقة ذاتها في مجتمع ترائبي (أو تقليدي) وفي مجتمع متساو وذلك مثل الديمقراطيات الحديثة (وهنا يلفت إلى أن فرانسيس فوكوياما وضع بعض المعالم لتاريخ الاعتراف من وجهة النظر هذه).
ففي المجتمع الأول يتطلع الفرد أكثر كي يحتل مكاناً خصص له مسبقاً أي أن اختياره كان أكثر اختزالاً، فإذا وجد نفسه فيه فهو يحس بأن ينتمي إلى نظام وإذاً فهو يوجد اجتماعياً مثلا ابن الفلاح يصبح فلاحاً وسيمتلكه هذا الإحساس وسيعترف به، وهذا يندرج تحت اعتراف التطابق.
أما اعتراف التمايز فهو الذي يحدث في الديمقراطيات الحديثة، حيث أن النجاح فقط والتطلع إلى المجد أو الشرف اللذين يكرسان السمو الشخصي أو ما يسمى بالبحث عن الخطوة، وهي ما نعتبره اليوم قيمة اجتماعية يتعجل الكثيرون الوصول إليها والإعلان عنها.
ومن الاعتراف، إلى استراتيجيات الدفاع الاجتماعي، إلى تناول بنية الشخص الداخلية تسير باقي صفحات الكتاب بهدف البحث في الحياة المشتركة بين البشر وتحليل العلاقات باعتبارها جزءا من الدراسات الأنثروبولوجية التي تهتم بمعرفة الإنسان وتتطرق إلى التصور الذي نصطنعه لأنفسنا عن الكائن الإنساني والذي قد يكون فرعاً لمختلف الخطابات الأخلاقية والسياسية والفلسفية، بما يكشف في النهاية حقيقة الحياة المشتركة التي فُرض على البشر أن يعيشوها، ومن ثم يجب عليهم توفير أفضل السبل لهذا العيش المشترك.

لمحة عن المؤلف

تزفيتان تودوروف مدير أبحاث في المجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS)، كاتب وناقد معروف، تُرجمت أعماله إلى لغات عديدة، له عدة أعمال تتناول الأدب، التاريخ، السياسة، والأخلاق، منها: ذاكرة الشر، غواية الخير (لافون، 2000)، والواجبات والنِّعَم. حياة عابر (حوارات مع كاترين بورتفان، سوي، 2002).
“تقع الأنثروبولوجيا العامة في منتصف الطريق بين العلوم الإنسانية والفلسفة، من غير أن تتعارض لا مع هذه ولا مع تلك، مُشكّلة بالأحرى جسراً يسمح للعلوم وللفلسفة بأن تتلاقى عليه، أو حيزاً وسطاً يسهِّل تواصلها. ثم أن الأنثروبولوجيا تتميز عن علوم مثل علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم السلالات، بأنها بدلاً من أن تركز الملاحظة على هذا الشكل وتلك الهيئة من النشاطات الإنسانية، تسعى إلى تسليط الضوء على التعريف الضمني للإنسان نفسه، وعلى الحدس غير المعبر عنه لهذه العلوم”.

اقرأ أيضا