حسونة الطيب (أبوظبي) شكلت التنمية الصناعية هدفاً رئيسياً لدول العالم الناشئة والمتقدمة، وباتت المحك الرئيسي لتطور اقتصاداتها، إذ تدافع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، بشدة عن الصناعة لتصبح واحدة من أهدافها الرئيسية، كونها تتضمن الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية للتنمية المستدامة. كما أنها هدف عالمي للنمو الاقتصادي سواء للدول المتقدمة أو النامية. وفي حالة الاقتصادات المتقدمة، يدل النمو الصناعي، على التحول الهيكلي للاقتصاد، من مرحلته التقليدية إلى الحديثة المتطورة. كما يعني النمو الصناعي، توفير الوظائف وتطوير وجلب تقنيات جديدة وإنتاج السلع والخدمات الضرورية التي تتطلبها السوق. وشهدت اقتصادات الدول الصناعية تحولاً من الصناعة إلى الخدمات خاصة المالية، خلال السنوات القليلة الماضية، وتساعد العودة إلى مجال الصناعة، في تقليل عدم التوازن بين قطاع الإنتاج والوساطة المالية، بجانب المقدرة على استعادة الاستقرار الاقتصادي. وتوفر الصناعة، فرص عمل ضخمة لتشغيل النساء، وطلباً متزايداً للأيدي العاملة الماهرة في ظل التطور التقني. وفي الدول المتقدمة، يزيد وعي والتزام القطاع بحماية البيئة وخفض الانبعاثات الكربونية وطرح التقنيات الجديدة لزيادة الموارد وكفاءة الطاقة في العملية الصناعية. اتسعت الفجوة بين مستوى الثروة في الدول الصناعية والأقل نمواً، إلى الحد الذي يتطلب من الدول الأقل نمواً، نحو 100 عام على الأقل لتحقيق المستوى الحالي للقيمة المضافة التصنيعية للفرد في الدول الصناعية. وهناك رابط قوي بين الصناعة ورفاهية المجتمع، وعندما يتجه أي بلد للصناعة، يحصل على الموارد اللازمة التي تعينه على تحسين مستوى معيشة الناس. وكلما زادت القيمة المضافة التصنيعية السنوية للفرد بنحو 1%، ينخفض عدد الفقراء بنحو 2% وعدد الوفيات المرتبطة بالنزاعات المسلحة بنحو 4,5%. ولا يقتصر دور الصناعة في حل مشاكل التنمية الاقتصادية والاجتماعية فقط، لكن أيضاً في تحسين الوضع الأمني في العديد من البلدان التي تدور فيها النزاعات. وفي سبتمبر 2015، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة أجندة 2030، بوضع قضية الصناعة على رأس استراتيجية التنمية العالمية. ومع تشديدها على أهمية الصناعة، حددت هدفاً طموحاً بمضاعفة حصة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي للدول الأقل نمواً بحلول 2030. الإنتاج الصناعي والتوظيف ويلعب الإنتاج الصناعي والتوظيف، دوراً هاماً في النمو الاقتصادي المستدام، خاصة في الدول الأقل نمواً كوسيلة لمساعدتها للحاق بركب الدول الأكثر تقدماً. وفي حين تشكل الصناعة المحرك الفعلي للنمو الاقتصادي، يساعد النمو الصناعي السريع، في توفير فرص عمل جديدة وأجور أفضل للعاملين ونقل عدد مقدر من الناس من خط الفقر، بجانب تحسين قطاعات الصحة والتعليم. وتعتبر القيمة المضافة التصنيعية، مؤشراً هاماً لقياس مساهمة الصناعة في الناتج الإجمالي الاقتصادي. وتعكس حصتها في الناتج المحلي الإجمالي، الدور الذي تلعبه الصناعة في الاقتصاد والتنمية الوطنية عموماً. كما تفي الصناعة بالطلب المتزايد على السلع والخدمات المتصلة حول كافة دول العالم. ومع ذلك، انخفضت حصة القيمة المضافة التصنيعية في الناتج المحلي الإجمالي في الدول الصناعية، بنسبة قدرها 14% في 2015، نتيجة لزيادة أهمية قطاع الخدمات. وتشكل الدول الأقل نمواً، أكبر التحديات التي تقف في طريق الصناعة في الوقت الراهن. ومع أنها تشكل 13% من إجمالي سكان العالم، إلا أن حصتها من القيمة المضافة التصنيعية العالمية، لا تزيد عن 1% فقط. كما بلغت حصتها 12% في الناتج المحلي الإجمالي في 2015، لكنها لا تزال دون الحصة الكلية للصناعة في الاقتصاد العالمي المقدرة بنحو 16%. وارتفعت حصة الصناعة في الدول الناشئة الصناعية بوتيرة سريعة منذ العام 2000 وبنسبة قاربت 20%. وتأثرت حصة القيمة المضافة التصنيعية كجزء من الناتج المحلي الإجمالي في الدول الصناعية بشدة، جراء الأزمة المالية العالمية في 2009/‏‏2008، والتي ألقت بظلالها أيضاً على نمو القطاع الصناعي العالمي، رغم مقدرة الدول النامية والناشئة الصناعية، على زيادة حصصها من القيمة المضافة التصنيعية في الناتج المحلي الإجمالي، بنحو 5% في الفترة بين 2010 إلى 2015. ومن وجهة النظر العالمية، يواجه قطاع الصناعة تحديات كبيرة، جراء تركز سعة الإنتاج الصناعي في عدد قليل من الدول الصناعية مثل، أميركا والصين واليابان. ونتج عن ذلك، عدم مساواة بين الدول، تنعكس بوضوح في تباين الإنتاجية الصناعية وتفاوت القيمة المضافة التصنيعية. وفي الدول الأقل نمواً، بلغت القيمة المضافة التصنيعية للفرد، دون 100 دولار في 2015، مقابل 5400 دولار في الدول الصناعية ومتوسط عالمي قدره 1630 دولاراً. وسجلت في الدول الناشئة الصناعية، أسرع وتيرة نمو، حيث تضاعفت في غضون 15 عاماً. توزيع الصناعة العالمية وسجلت القيمة المضافة التصنيعية العالمية، رقماً قياسياً في 2015 قدره 11,9 تريليون دولار «حسب أسعار 2010 الثابتة». وبينما تساهم الدول الصناعية بالحصة الأكبر «56,4% في 2015»، إذ تحول القطاع الصناعي العالمي، من الاقتصادات الصناعية إلى الاقتصادات النامية، حيث كان للصين النصيب الأكبر في هذه العملية. وساهمت الصين في العام 2005 بنسبة قدرها 11,7% للقيمة المضافة التصنيعية العالمية، الحصة التي استمرت في زيادة ثابتة، عندما تفوقت الصين على اليابان في 2011 لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ومن ثم على أميركا في 2015 كأكبر دولة صناعية في العالم، بحصة وصلت 23,8% من القيمة المضافة التصنيعية. وحققت الدول الصناعية الناشئة، تقدماً صناعياً قوياً، حيث قفزت الهند لتحتل موقعاً متقدماً في قائمة أكبر الدول الصناعية في العالم، من الترتيب الرابع عشر في 2005 إلى السادس في 2015، بينما تسلقت إندونيسيا للمرتبة العاشرة لتنضم لكل من الصين والهند والبرازيل والمكسيك، ضمن أكبر خمس عشرة دولة مصنعة في العالم. وانخفض عدد الدول الأوروبية في هذه القائمة ليبقى منها ست دول فقط من بينها، فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وروسيا الاتحادية والمملكة المتحدة. ونجم عن ذلك، إعادة توزيع القيمة المضافة التصنيعية العالمية، بين بعض الدول والقارات. كما أدى ذلك أيضاً، إلى احتدام المنافسة بين المنتجين في الأسواق العالمية ولانخفاض أسعار السلع المصنعة. ومع أن القيمة الكلية للإنتاج الصناعي، تأثرت جراء انخفاض الأسعار، إلا أن توريد السلع استمر في الزيادة. وظائف القطاع الصناعي تقدر القوة العاملة في القطاع الصناعي العالمي، بنحو 500 مليون شخص، حيث ظل القطاع يلعب دوراً هاماً في توفير الفرص الوظيفية، عبر جذب الوظائف من قطاعات الزراعة وغيرها من القطاعات التقليدية الأخرى واستغلالها في النشاطات الإنتاجية بمستويات أجور أعلى. وساعد هذا التغيير الهيكلي، العديد من البلدان على التحول من الدخل المنخفض إلى المتوسط ومن ثم للدخل المرتفع، ما يؤكد أهمية دور القطاع الصناعي في التنمية الاقتصادية. وترتفع كثافة الوظائف «الوظائف الصناعية مقابل كل وحدة من القيمة المضافة» نظرياً، عند مراحل التصنيع الأولى، لتتراجع تدريجياً عندما تتحول البلدان لقطاعات الإنتاجية العالية، نتيجة لتغيرات هيكلية. وتعكس هذه الديناميكية، مزيجاً من التغييرات في بنية الطلب الناتجة عن زيادة مستوى الدخل وتأثير التنافسية الصناعية العالمية، ما يدفع البلدان للدخول في النشاطات ذات التقنيات العالية. وفي حين كانت الابتكارات والتقنيات، هي المحرك الأساسي وراء تطور المنتجات حتى وقت قريب، تحول التركيز الآن ناحية خفض العمالة لخفض التكاليف. وتلتزم 109 دول فقط، إعداد مؤشرات لنسبة التوظيف الصناعي في النسبة الكلية للتوظيف. المرأة «الصناعية» إلى تراجع أبوظبي (الاتحاد) لا تقتصر المشاركة الكبيرة للمرأة في النشاطات الإنتاجية، على تضييق فجوة الجنس فحسب، لكنها تساهم أيضاً في تقليل الفقر الناتج عن انخفاض مستوى الدخل. لكن وفي العديد من الدول خاصة الأقل نمواً، لا تتوافر البيانات الخاصة بالتوظيف حسب الجنس. وتعضد البيانات المتوافرة في بعض البلدان، فرضية أن معظم النساء العاملات في القطاع الصناعي، ينخرطن في قطاعات لا تتطلب تقنية عالية مثل، النسيج وإنتاج الأغذية والمشروبات والملابس وغيرها. وشهدت السنوات القليلة الماضية، تراجعاً في عدد النساء العاملات في القطاع الصناعي في الدول المتقدمة، خاصة في أعقاب الأزمة المالية العالمية. ويُعزى التراجع أيضاً، لتحول النساء العاملات من القطاع الصناعي الخدمي لعدد من الأسباب، من بينها الخبرة المهنية والتدريب الفني، فضلاً عن تفضيل الأمهات العاملات، لوظائف الدوام الجزئي. الصناعات الصغيرة تفتقد التمويل أبوظبي (الاتحاد) تلعب الصناعات الصغيرة التي تتطلب رأسمالاً صغيراً لاستغلال الموارد المحلية، دوراً مهماً في الاقتصاد، من خلال توفير فرص العمل لمالكيها وللآخرين، ما يؤدي لتخفيف مستوى الفقر. وتشير بعض التقديرات، إلى تشكيل الصناعات الصغيرة في البلدان النامية، ما بين 15 إلى 20% من إجمالي القيمة المضافة التصنيعية وما بين 20 إلى 30% من المجموع الكلي لتوظيف القطاع. ومن المشاكل الرئيسة التي تواجه قطاع الصناعات الصغيرة في الوقت الحاضر، صعوبة الحصول على الخدمات المالية الضرورية لتطوير التقنية والخبرات. وفي العديد من الدول النامية، لا تملك هذه الصناعات، حسابات بنكية، إضافة إلى أن ما بين 30 إلى 35% منها، لم يسبق لها التقديم للحصول على قرض أو خط ائتمان، ما يجعل إمكانية دمجها في السوق المحلية صعباً جداً.