الاتحاد

دنيا

شباب لبنانيون ينتفضون على التقاليد بتسريحات الشعر

تسريحة عشوائية بألوان استثنائية

تسريحة عشوائية بألوان استثنائية

يُمعن جيل الشباب العربي في قصّات شعر وتسريحات وتلوينات غريبة عن مجتمعنا، طالعة من “فانتازيا” الغرب والممنوعات الاجتماعيّة. فمن شعر منفوش، إلى حليق أو نصف حليق، وسبايكي وبانكي وغيرها، جميعها صرعات تعكس “رسالة رفضية ثائرة على التقاليد، يحملها الشبان على رؤوسهم ويبدو أنّ الشعر يحمل رسالة اجتماعيّة وإنسانيّة من صاحبه، ثوريّة المضمون، تدوس التقاليد، وتضرب عرض الحائط كلّ الممنوعات والمحرّمات.


تنتشر في الشوارع والمراكز التجاريّة والجامعات مشاهد غريبة لفتيان فخورين بما أنجزته أنامل المزيّن على شعرهم من ألوان وأشكال. فهذا قطّع بالموسى شعر رأسه إلى مربّعات ولوّنها بالأبيض والأسود تماماً كما كرة القدم، للدلالة على أنّه لاعب فوتبول أو أحد المشجّعين لهذه الرياضة الأكثر شعبية في العالم.
وشاب آخر اعتمد تسريحة مضحكة شبيهة بعرف الديك الأحمر، وصديقه المرافق له اختار موديل الطاووس في شعره، ولوّن خصلاته المنتصبة بالليلكي والأخضر والأزرق وراح يختال في الكليّة فرحاً بأنّ العيون موجّهة إليه بدهشة وقرف ربّما. ويبدو أنّ صرعات الشعر انتقلت عدواها من الشبان إلى الفتيات المراهقات أيضاً، اللواتي كسرن المعهود والشعر الأسود الغجري، أو المالس والمنسدل، واعتمدن صرعات لشعر مقصوص قصير جداً بالموسى مع تلوينات تؤذي العين.
تلوينات غريبة
رندلي مراهقة قصّت شعرها الأمامي واستبقت الخصلات طويلة من الخلف، واعتمدت 4 ألوان من الصبغة النيلي، الأصفر، الفوشيا، والأسود، فبدت كما الببغاء الملوّنة. سألتها عن السبب الذي دفعها إلى هذه التلوينات الغريبة، فردّت بأنّ ذلك مجرّد ذوق شخصي وموضة. وصدّتني بالقول: “إنّكم تعطون الموضوع أكثر من حجمه. خذوه ببساطة تامة واقتنعوا بأنّ كل إنسان حرّ في شعره”.

ويحضر زياد كل يوم إلى المدرسة بتلوينة مختلفة لشعره الذي تمّ جزّه على الجذور. فيستعين بشامبوهات ملوّنة يزول مفعولها بمجرّد غسل الشعر. تذمّر الأساتذة من شكل زياد لأنه يحرّض رفاقه في الصف بطريقة غير مباشرة على ركوب الصرعات. فاستدعاه المدير ووبّخه، وأنذره بضرورة الكفّ عن هذه الصرعة التي تتناقض مع وقار المدرسة. ولكنّ المدهش في القصّة أنّ لجنة أهالي التلاميذ تضامنت مع زياد وليس مع إدارة المدرسة، ودافعت عنه وعن الحرية الفرديّة في اعتماد موديل الشعر واللون الذي يريده، باعتبار أنّ المدرسة أجنبية ويجب بالتالي أن تحترم خصوصية التلاميذ وتراعي حقوقهم في اعتماد تسريحة الشعر التي يهوونها.

وتقول ساندرا موظّفة عشرينيّة في إحدى الشركات في بيروت، والتي تُعنى بالموسيقى والترويج لها، إنّ العالم لا يمشي إلى الخلف، بل يتقدّم ويتطور، وتضيف: “لا يمكننا أن نكون في عصر الإنترنت ونقصّ شعرنا على طريقة كليوباترا. أنا مقتنعة بأنّ شعري كما هو بخصلاته المنفوشة والملوّنة يلفت الأنظار، ويجعلني مميّزة بين جميع الفتيات”. وتعتبر ساندرا أنّها لا تؤذي الآخرين إن هي اعتمدت تسريحة تريحها وتعجبها. وتقول: “فليكفّ الناس عن انتقادي لأنّني لن أكون يوماً نسخة كليشيه من المجتمع”. وعن رأي أهلها في اعتماد تسريحات خارجة عن المألوف، تقول ساندرا: “من المؤكد أنّ أهلي غير راضين عن هذه الموضة ولكنّهم لا يعترضون بقوّة لإدراكهم بأنّني مسؤولة عن نفسي منذ أصبحتُ راشدة نفسي”.
وأدمن محمد مراهق آخر الذهاب إلى صالون مزيّنه الخاص كلّ أسبوع مرّة، كي يبتكر له موديلاً وتسريحة مستمدّة من الشارع الأميركي حيث الزنوج يخترعون فنوناً تصل إلى حدّ الجنون. يقول محمد إنّ والده ينهره باستمرار ويوبّخه وقد هدّده بالطرد من البيت لو استمر على هذا المنوال. غير أنّ والدته تدخّلت لحلّ المسألة لحساب ابنها الوحيد، مّا تسبب بمشاكل دائمة بين الأب والأمّ بسبب محمد “الثائر” الذي يوضح أنّه يحاول الانتقام من المجتمع المحافظ والجدّي. ويريد أن يستبدل كلّ التقاليد البالية بصرعات بغية التغيير.

رسالة اجتماعية

ويبدو أنّ الشعر يحمل رسالة اجتماعيّة وإنسانيّة من صاحبه، ثوريّة المضمون، تدوس التقاليد، وتضرب عرض الحائط كلّ الممنوعات والمحرّمات. فنرى الشبّان والفتيات يلحقون بموضة الغرب، وتحديداً أميركا، كي يكونوا مختلفين، بلوك عصري، قريب إلى الصرعة الخارجة عن كلاسيكية التسريحات المعتمدة.

ووفق اختصاصيين اجتماعيين، تنمو هذه الظاهرة لتعكس عقداً اجتماعية تُنذر بدوافع نفسيّة تتحوّل مرضيّة على المدى البعيد. مشيرين إلى أن هؤلاء الشبان والشابات لم يستطيعوا توظيف ثورتهم كمراهقين في قوالب مفيدة إنسانياً واجتماعياً. فيظنّ الواحد منهم بأنّه يتمرّد على السائد والمألوف والمفروض عليه بمجرّد صدم الناس بتسريحة شعره المجنونة. وهو يفعل ذلك إمعاناً في تأكيد هويّته كمراهق، وشخصيّته الثوريّة الرافضة. ويفتخر بأنّ ما من أحد يحقّ له مقاضاته أو كبح جماحه أو حتى قمعه. فيفرح بأنّه تحوّل إلى علامة فارقة بين الجماعة، ونموذجاً يقلّده الآخرون.
وينصح الاختصاصيون الأهل بتفهّم ما يجول في ذهن أولادهم المراهقين، من دون نهرهم بالقوّة والقمع، ولا مسايرتهم برخاوة ولين. فمن حقّ المراهق أن يفهم الجيّد من السيئ، كي يستوعب تدريجياً بأنّ الراشدين والمجتمع ليسوا أعداءه، ويريدون بالتالي تقويض صلاحياته وقمع شخصيّته القوية.

اقرأ أيضا