استطلاع (منى الحمودي- هزاع أبوالريش- عمر الأحمد) العمل شرف، ولا يعيب العامل مهنة شريفة أو امتهانه عملاً صالحاً، بل العيب كل العيب في الركون إلى الكسل، والامتناع عن العمل بدافع ثقافة العيب، فهناك «أفكار جامدة» كثيرة تحول بين الإنسان وامتهانه عملاً معيناً، وذلك على الرغم من أن ديننا الحنيف يحض على العمل، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، كان يُخِيطُ ثيابه ويجمع الحطب، ويقطع الصحاري من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام، بحثاً عن الرزق في قوافل تجارية تستغرق رحلاتها شهوراً طويلة، وهو القائل، صلى الله عليه وسلم، عندما رأى يد عامل، وقد تأثر جلدها من شدة العمل، «هذه يد يحبها الله ورسوله». إن قيادتنا الرشيدة التي تحفزنا وتشجعنا على العمل الصالح، وتقدم لنا النموذج والمثل في العمل، تواصل العمل ليل نهار في سبيل رفعة الوطن، مشكلةً قدوتنا ونبراسنا الذي نهتدي به. هكذا قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وعلمنا من خلالها «إن ليس معيباً أن تخدم الشوارع في بلادك أو تقود تاكسي». «الاتحاد» تطرح في هذا الاستطلاع رؤية شاملة لمواطنين ومواطنات حول ثقافة العمل، وخدمة الوطن، وكيفية ترسيخ منظومة قيم تعلي من العمل، وتعزز من الإقبال على كل عمل شريف يخدم الوطن، ويدفع بمعدلات التنمية فيه إلى أعلى المستويات، خاصة ذلك العمل المرتبط بمهن قد يراها البعض «متدنية» في سلم القيم الاجتماعية، كعامل النظافة، أو سائق التاكسي، أو غيرها من المهن التي قد ينظر إليها البعض على أنها مهن «دون المستوى». لقد أكد قراء «الاتحاد» الذين استطلعنا آراءهم، أن العمل الشريف تاج على الرؤوس، وهو ليس عيباً مهما كانت طبيعته، فهو في النهاية عمل شريف يخدم الوطن، ويكمل منظومة نهضته الحضارية، وفي بلاد شقيقة وصديقة يقود المواطن سيارة التاكسي، ويعمل في المطعم، ويخدم نزلاء الفنادق، وينظف الشوارع، ويمتهن كل عمل شريف. ويقول خالد السناني: بالنسبة لي أرى الموضوع واجباً كوني مواطناً والوطن له حق عليّ، وأن أخدمه بكل ما لدي من طاقة لرد الجميل، ثم إن الإنسان الذي يعمل في أي مهنة لخدمة بلده هو أفضل بكثير من الإنسان العاطل عن العمل الذي يكون عالة على المجتمع والوطن أيضاً. وأضاف: في إكسبو 2020 فرحة وعرس للوطن، ويتطلب الأمر منا جميعنا خدمة هذا البلد كي يكون أجمل وأرقى وأكمل صورة أمام الملأ جميعاً، فخدمة الوطن ليست عيباً في أي مجال، بل هي شرف يتحلى به المواطن ما دام حياً. وأوضح خليفة علي عبدالله، أن خدمة الوطن واجبة على الفرد شرعاً وقانوناً، لأن قوة الوطن ووجوده من حضور أبنائه في كل المجالات وشتى الوسائل، والعمل لخدمة البلد ليس عيباً، وأن كان ذا صورة مشوّهة، لأننا نحنُ من نصور المشهد، ونحن من يضع البرواز ليكون جميلاً أو غير لائق. فالوظيفة والمهنة أياً كانت فنحن من يجعلها جميلة لائقة وصورتها رائعة، وننقلها للعالم بمبادئنا وأخلاقنا وقيّمنا التي تربينا عليها، مشيراً إلى دول مجاورة لنا يعمل مواطنوها في المهن المساعدة، وبالعكس حين نراهم نسعد، ونفرح لأننا نشعر بالقرب من مشاعرهم حين نكون معهم، سواء كان سائق تاكسي أو بائع «كاشير»، لأننا نشعر بقيمة الوطنية والانتماء للوطن، فقيمة الوطن من مواطنيه ومحبيه الذين يضحون من أجل وطن ٍأجمل، ودور الإعلام والمدرسة والأسرة مهم جداً في تغيير نظرة المجتمع لهذه المهن . وبيّن شهاب الحمادي، أن المهن المساعدة تبرز المجتمع بصورة إيجابية لأنها تحتضن مواطنيّ البلد، فحين يأتي الزائر من الخارج يلقى أمامه الحضن الدافئ الذي ينقل له الصورة كما هي عن الدولة، من دون خدوش ورتوش في المعنى، بشكلٍ واضح مفهوم يصل إلى القلب بمرونة وسلاسة. وأشار الحمادي إلى أنه شرف له أن يكون سائق «تاكسي» في أي مناسبة تخدم الوطن، وتستقطب الزوار، لأن المواطن ذو أولوية عن غيره في شرح تاريخ البلد، ونقل المعلومات القيمة بالشكل الصحيح، ونقلها إلى فكر الزائر، وترسيخها في عقله. وقالت ندى حسن: يجب على المواطن المنتمي إلى وطنه بقلبه وليس بقوله امتهان مثل هذه المهن المساعدة التي تمثل شرفاً واعتزازاً وفخراً له، حتى وإن لم تكن وظيفة، بل كعمل تطوعي لفترة مؤقتة، وفي ظرف معيّن لخدمة بلاده ورد الجميل لها.. ونحن ولله الحمد في دولتنا الحبيبة منذ أن حيينا، ونحن في نعمة وخير واطمئنان وراحة بال، ومثل هذه الأعمال والمهن المساعدة لا تقلل من قيمة المواطن وما تفعله القيادة لراحة المقيم والمواطن بهذه الدولة يبني داخله إنساناً يشعر بقيمة وطنه، وأرضه ومكانه وانتمائه . الإنسان لا يشعر بقيمة الشيء إلا حين تكون له يد فيه، والعمل بمثل هذه المهن يجعل الفرد يشعر بقيمة الوطن أكثر، وحرصه عليه في الوقت نفسه. وأكد رعد المنتصر: إن العمل ليس عيباً مهما كانت المهنة، خاصة إن كان العمل يصب في خدمة الوطن والمجتمع، ونقل صورة تعكس فكر أبنائه وطموحهم، موضحاً أن قادتنا غرسوا في داخلنا الثقة الكاملة، وأشبعوا ضمائرنا بالحب الصادق، والمشاعر المعشوشبة باخضرار العواطف الغنية بماء المكرمات، فأينما وجهنا وجوهنا لا نرى إلا الوطن، وأينما وجهنا قلوبنا، لا نشعر إلا بالحب، فكل ما سنقوم به لا ينقص من قدرنا ولا قيمتنا، بل ما سنقوم به هو خدمة وطن أجاد على ابنه بالكثير، والكثير من السخاء والعطاء، وما نقوم به ما هو إلا واجب بسيط من قبل الابن البار لوطنه. وذكر عوض الكربي، أن مهنة السائق أو الطباخ، وغيرها من المهن المساندة لا تعيب ممتهنها، مشيرا إلى أنه سبق وأن عمل سائقا لأحد الوفود السياحية، ومرشداً لهم، وأن تدني الرواتب والمميزات إحدى معوقات العمل في هذه المهن، وموضحاً أن الشاب يطمح في تكوين نفسه، والاستعداد للزواج، وفتح البيت، ما يجعل مستوى الراتب عاملاً مهماً ورئيساً في القبول بهذه المهن من عدمها. وأشار الكربي إلى أن بعض المهن المساندة، كالمزارع والحارس والبائع، وغيرها كانت دارجة في الماضي لدى المواطنين، ما يدل على أنها لم تكن مخزية أو منبوذة، مضيفا أنها استمرت لديهم حتى بعد ظهور النفط، وقيام الاتحاد، وتلك المهن لم تكن منبوذة لدى آبائنا وأجدادنا، فكيف ننبذها نحن، ولم يكن أحد منهم يستحي منها، بل كانوا يؤمنون دائما أن العمل الشريف لا يعيبه شيء». وبدوره، أكد يوسف الهاشمي، أن هذه المهن هي إحدى وسائل القضاء على البطالة، ومصدر دخل مهم للعاطلين عن العمل، كما أنها أيضا طريقة جيدة لكسب الخبرة الميدانية بالنسبة للخريجين الجدد. وأشار الهاشمي إلى أن إحدى معوقات العمل في هذه المهن هي نبذ المجتمع لها رغم حاجتها، موضحاً أن عقلية الشباب تأتي من نظرة المجتمع لهذه المهن، وأن الحل هنا يكمن في توعية المجتمع عن طريق وسائل الإعلام، لافتاً إلى حاجة الدولة إلى توطين هذه المهن كسائق الأجرة، موضحاً أن الوظائف الاعتيادية في الجهات والمؤسسات الحكومية قد تشبعت، وعلى الباحثين عن العمل المضي قدما نحو المهن المساندة، كما طالب الهاشمي بتخصيص سلم رواتب ومميزات في هذه المهن للمواطنين أسوة بالوظائف الأخرى، والتي هي معروفة لدى جميع أفراد المجتمع. ومن جانبه، تحدث حسن الأنصاري عن شقي العمل في هذه المهن كتطوع، والشق الآخر فيها كوظيفة، وذكر أن العمل فيها كمتطوع متفرغ خاصة في الأحداث الكبيرة كـ«إكسبو2020» له إيجابيات كثيرة، منها من الجوانب الأمنية، والتي تتطلب تواجد كادر مواطن في هذه المهن، وأضاف أن إحدى المؤسسات التطوعية في الدولة تقوم حاليا بتأهيل المتطوعين لخدمة زوار«إكسبو2020»، حيث تقوم بإعدادهم في إدارة الازدحام والحشود، ودورات أخرى مهمة في إعداد المتطوعين للاستعداد لمثل هذه الأحداث الكبيرة. أما من جانب العمل الوظيفي، فذكر الأنصاري أن توطين هذه المهن يتطلب تضافر كل الجهود، سواء من الجهات الحكومية والخاصة، وأيضا المجتمع، لتوفير ما يتناسب مع متطلبات المواطن من الرواتب والمميزات كي يجهز نفسه لإعداد أسرة إماراتية تعيش حياة كريمة. وقال الأنصاري: الجميع يعلم أن رواتب المهن المساندة متدنية، ما يشكل مانعاً كبيراً للكثيرين من الشباب للعمل في هذه المهن، لأن الشاب يحلم بتكوين أسرة إماراتية تعيش حياة مستقرة، وإعداد مستقبل لأبنائه، وفي ظل الرواتب المتدنية، فلن يسلك الشاب طريق المهن الحرفية والمساندة، ويترك الوظائف الاعتيادية ذات الراتب المناسب. ثم تطرق الأنصاري إلى المسؤولية المجتمعية تجاه هذه المهن، ذاكراً أن على المجتمع تغيير الفكرة النمطية السائدة، والتي تنبذ المهن المساندة، والتي تحتاج الدولة إلى توطينها، مثل سائق الأجرة، موضحاً أن الدولة تستقبل ملايين السياح بالتالي يحتاج السائح إلى سائق ومرشد من أبناء الدولة كي يوضح له معالم الدولة وتاريخها وعاداتها وتقاليدها. واقترح فتح مجال الترخيص الفردي للمواطنين في خدمة التاكسي كحال العديد من الدول، بدلاً من أن يعمل المواطن في شركات النقل يصبح هو صاحب مؤسسة نقل أجرة، ومن الممكن دراسة بعض الضوابط لحوكمة هذه الرخص، وتأهيلهم في مجال الإرشاد السياحي والثقافي، وتخصيص خدمات التاكسي السياحي للمواطنين، ومن جهة أخرى، تعريف المواطنين بمدى ربحية مزاولة المهن الحرفية، كالسباك والنجار وغيرها، حيث إن غالبية هذه المهن من جنسيات آسيوية، كما أقترح أيضا توعية المواطنين بالمردود المادي الكبير من مزاولة هذه المهن، وخوض هذه المجالات الحرفية، مثل شركات«الرجل الحرفي» في أوروبا والولايات المتحدة، موضحا أن المردود المادي الشهري فيها لممارسي هذه المهن الحرفية يتراوح ما بين 15 ألفاً إلى 30 ألف درهم كحد أدنى. وقدم الأنصاري مقترحاً بأن يتم إعطاء المرأة نصيباً من هذه المهن الحرفية مثلها في المهن الأخرى قائلاً:« في ظل عاداتنا نجد صعوبة في دعوة الرجال الحرفيين إلى منازلنا في الأوقات التي لا يتواجد فيها أرباب الأسر في المنزل، أما إذا كان مزود الخدمة الحرفية من الفئة النسائية، فستكون هناك أريحية في دعوة أفراد الشركة للعمل في المنازل، وللعلم فإن إحدى أكبر الشركات الحرفية في الولايات المتحدة هي شركة حرفية طاقمها من النساء وأرباحها عالية جدا، ومن هنا يجب تنوير المجتمع وفئة الشباب خاصة بأهمية شغل هذه المهن من خلال حوارات المجالس ووسائل الإعلام. تجارب خليجية وعربية وعالمية يقول جميل السعدي: هناك الكثير من قطاعات العمل في الدولة تفتقر لوجود الإماراتيين فيها، وذلك لأسباب عديدة منها الاعتبارات الاجتماعية التي تجعل هذه الوظائف في مرتبة أقل من العمل الإداري، وبالرغم من أن الدخل في معظم هذه الوظائف هو دخل مناسب، خصوصاً للمواطنين العاطلين عن العمل، أو من لديهم أسباب تمنعهم من العمل في المجالين الميداني والإداري. وأضاف: أقرب مثال لهذه الوظائف هو سائق مركبة الأجرة، ففي معظم الدول الخليجية والعربية ودول العالم، دائما ما نرى سائقي التاكسي من مواطني الدولة، بل ونشعر بالأمن والراحة عندما يكون سائق التاكسي من مواطني تلك الدولة، كونه الخبير في طرقاتها ومناطقها، وغالباً ما تنشأ بيننا علاقات صداقة لما بعد الرجوع من السفر، ولكن في دولة الإمارات نعاني عدم وجود سائقي سيارات أجرة من الإماراتيين بل حتى من الخليجيين، والأسباب معروفة، ولكن من الممكن أن تكون هناك خطط واستراتيجيات معينة لهذه المهنة، وعلى سبيل المثال اقتصار سائقي الأجرة الإماراتيين على توصيل السياح من المطار إلى الفنادق وإلى الأماكن السياحية في الدولة، لافتاً إلى أن هذه المهنة لا تحتاج إلى شهادات علمية، والإماراتي أحق من غيره في أن يعطي الصورة الصحيحة عن بلده، وعن كرم أبنائه ويطلع السياح من خلاله على أهم الثقافات والمعلومات حول الدولة، فلا توجد أي جنسية من الممكن أن تقوم بإيصال صورة البلد الصحيحة عوضاً عن الإماراتي. المجتمع لا يعطي المهن الحرفية حقها ومن جانبه، أكد سيف الذهلي أن المجتمع لا يعطي المهن الحرفية والمساندة حقها، موضحا أن أفراد المجتمع يقدمون الاحترام التام للموظف الاعتيادي، وفي المقابل يتجاهلون أصحاب هذه المهن، مشيرا إلى أن كلا النوعين من الوظائف لها الأهمية البالغة في خدمة الدولة. وأضاف، أن أعظم البشر، النبي صلى الله عليه وسلم، كان راعياً للغنم، موضحا أن العمل الشريف لا تشوبه شائبة، وذكر أن بعض الأسر تحتاج إلى عمل إضافي لتحسين معيشتهم، وبالتالي ستكون هذه المهن بمثابة طوق نجاة لهم، والمهن الحرفية والمساندة تساعد في اكتساب الخبرة الميدانية، وتحسين الوضع المعيشي والاعتماد على النفس، كما أن توطينها يحل الكثير من المشاكل التي يعاني منها المجتمع مثل بعض الجرائم، وتساعد في التعريف عن دولتنا ومجتمعنا بشكل حقيقي مثل مهنة المرشد السياحي أو سائق الأجرة. حكمة محمد بن زايد وقالت عذاري النقبي: خلال فعاليات مجلس محمد بن زايد لأجيال المستقبل، وفي إحدى الجلسات طرح أحد الحضور تساؤلاً حول قيادة الإماراتي لمركبة الأجرة «التاكسي»، والتي يراها أنها لا تناسب الإماراتي، وعلى الفور جاءت كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، نبراساً نهتدي به، إذ أكد صاحب السمو، أن العمل للوطن هو فخر مهما كانت الوظيفة، لافتةً إلى أن كلمات سموه في أمر الوظائف، ومن بينها سائقو مركبات الأجرة الإماراتيون أعطت المزيد من الثقة وتحمل المسؤولية، فشباب الوطن وشاباته هم واجهة هذا الوطن، وهم من يعمل من أجله. توطين سائقي سيارات الأجرة وذكرت منى الحمادي، أن «الاتحاد» نشرت مؤخرا خبراً حول «توطين قطاع سائقي سيارات الأجرة»، ووجد هذا الخبر تبايناً في الآراء في مواقع التواصل الاجتماعي حيث يستطيع المرء الاطلاع على رد الفعل المباشر حول هذا الأمر.. فمثل هذا الأمر يحتاج لتوضيح الأسباب والاطلاع على النتائج، وشرح طريقة العمل به، وبعض الآراء كانت ترفض رفضاً تاماً عمل الإماراتي في هذه المهنة، فيما كان البعض يشير إلى أن المهنة ليست عيباً، وأن الشخص يخدم وطنه، وأن هناك العديد من الشباب المتقاعدين لأسباب صحية، وبعض المواطنين الذين يبلغون من العمر خمسين عاماً أيضاً قادرون على العمل، والمهن المساعدة، مثل سائق التاكسي والمحاسب في المحال التجارية ستكون مصدر دخل له ووظيفة لها احترامها، موضحةً أن معظم السائحين القادمين للدولة، خصوصاً الخليجين والعرب يعانون جهل سائقي مركبات الأجرة بالأماكن السياحية، وصعوبة الحديث معهم باللغتين العربية والإنجليزية.