رضا سليم (دبي)

20 عاماً قضاها السوري جمال ناصر مدرب السباحة داخل نادي الثقة للمعاقين، يعيش مع أصحاب الهمم، يصنع الأبطال، ويدفع بهم إلى منصات التتويج، ويقف بعيداً وهو يحبس دموعه، كلما صعد سباح جديد، ليتوج بميدالية تحمل اسم الإمارات، وكلما نزل بطل من فوق المنصة يتوجه إلى المدرب يقبل رأسه، لأنه «الأب الروحي» لكل اللاعبين، ولم يعد مدرباً للنادي فقط، بل المنتخب أيضاً، لأن لاعبيه هم الذين يدخلون البطولات، ويتنافسون على الميداليات، ويقف خلفهم ويحفزهم بكلمات لها صدى في آذانهم، وبدأ مهمته مع تأسيس الأولمبياد الخاص بالإمارات، وقضى سنوات طويلة مع عدد منهم.
وقال جمال ناصر: ما أروعها لحظات، عندما تشعر أن تعب السنين بدأ يؤتي ثماره، بل إن الميداليات التي حققها أبطال الإمارات، في المحفل العالمي فرصة ليعبروا عن أنفسهم، ويخرجوا إلى النور، ويظهروا إمكانياتهم، والهدف الأسمى أن نزرع البسمة على وجوههم، ونعلمهم الثقة بالنفس والتحدي، والتغلب على الصعاب، وأيضاً دمجهم في المجتمع، والتأكيد على أن هذه الفئة قادرة على العطاء.
وكشف جمال ناصر عن بدايته التي صنعتها المصادفة، وقال: بدأت مشواري مع أصحاب الهمم من سوريا، حيث تعرض أحد أولاد جيراننا إلى مرض، وفقد القدرة على الحركة، وصارت حالته الفكرية سيئة، وكنت خريجاً جديداً وعائداً من أوكرانيا، بعد انتهاء دراستي، حيث حصلت على ماجستير في علوم التربية البدنية، وحاولت أن أقدم له مساعدة، وعندما دخلت المجال لجأت إلى القراءة في المراجع لدراسة الحالات، وأصبحت لي خبرة في المجال، وسبق لي العمل مع السباحة في سوريا على مستوى الأسوياء، سواء مع المنتخبات أو الأندية.
وأضاف: بدأت مهمتي عام 1990، عندما افتتح نادي الثقة للمعاقين، وبدأ من «الصفر» مع عدد من اللاعبين، وقد يحتاج اللاعب ما بين 4 إلى 5 سنوات، وحتى يتم تأهيله بشكل صحيح، وحتى يظهر بعض الشيء من إمكانياته، والأمر ليس سهلاً ويحتاج إلى صبر طويل، وخبرات في التعامل مع هذه الفئة، لأن المدرب يتعامل مع أنواع مختلفة من العقليات المختلفة، وكل عقلية تحتاج إلى تعامل خاص، ومن الصعب أن تتعامل مع هذه الفئة، إذا لم تكن هناك دراية ومعرفة طريقة التعامل، وهناك لاعبون معي من 16 سنة، مثل عبدالله التاجر من 2001، وهناك لاعبون من 2009، وبدأنا مع الجميع من نقطة «الصفر».
وقال: الأسر تتعاون معنا بشكل جيد، والتواصل مستمر، والرياضة هي أفضل وسيلة، حتى يفرغ اللاعب طاقته، كما تحسن سلوك الفرد، فكرياً وبدنياً، وهو أمر مردوده إيجابي للغاية بالنسبة للأسر، والحقيقة أنني أتعامل معهم مثل الأسوياء، بغض النظر عن حالاتهم، وأشعرهم بأنهم قادرون على تحقيق الإنجاز، وعندما يصعد اللاعب إلى منصة التتويج يصرخ بلهجة التعبير عن نفسه، ليقول «أنا هنا مثلكم وأحقق إنجازات لبلدي».
وحول المواصفات المطلوبة لأي مدرب، قال: مدرب أصحاب الهمم يحتاج إلى مواصفات خاصة، في مقدمتها الصبر، لأن العمل معهم يحتاج إلى وقت طويل، والأهم أن تكون لديه خلفية في التعامل مع كل الظروف، والأهم أن يكون لديه الحس الإنساني عالياً، ويطغى على كل هدف مادي، وأن تكون لديه الرغبة في مساعدة إنسان، لأن الطفل عندما يأتي إليه يكون منعزلاً على نفسه.
ووجه جمال ناصر رسالة إلى أولياء الأمور الذين يعزلون أولادهم في البيوت، حيث يطالب بخروجهم للحياة والمجتمع، وقال: هذه الفئة خلقها الله بهذه الحالة، وهي تكريم من الله، وليس عاراً كما يتصور البعض، ولابد أن نساعدهم بالوقوف معهم ونساعدهم أيضاً على ترجمة طاقاتهم، والتعبير عن أنفسهم بأي وجه من الوجوه، ولعل الكم الكبير من الأحداث الرياضية لأصحاب الهمم، في كل أنحاء العالم، يمثل رسالة بأن أصحاب الهمم يحتاجون للخروج من عزلتهم، ولدينا المراكز مجانية من دون أي رسوم.