الاتحاد

دنيا

عايض البريكي: حملة تنظيف جدران «شعبية بني ياس» تؤكد رقينا الحضاري وتمسكنا بالأخلاق

حركة التطوع في الشارع شجعت الناس على المساهمة

حركة التطوع في الشارع شجعت الناس على المساهمة

بادر عايض البريكي الموظف في هيئة حكومية إلى إطلاق حملة تنظيف جدران الشعبية التي يقيم فيها في بني ياس بأبوظبي. عماد الحملة إخوانه وأصدقاؤه وشعارها «بيئتنا مستقبلنا»، وتهدف إلى تنظيف الجدران من الكتابات المتناثرة عليها، خاصة أن هذه الكتابات في غالبيتها مسيئة وغير إيجابية، وتتسبب بتشويه للشكل العام للمنطقة والمدينة والأسواق التي يتقاطر إليها الزائرون من مختلف أنحاء العالم مندهشين بما حققته الإمارات من تطور عمراني ومدني يحتاج إلى عدم تلويثه بما هو خارج عنه، وعن تقاليد أهله.

«لو كان الجدار سوراً لمنزلي فهل سأكتب عليه وأشوه المنظر العام؟»

هكذا يتساءل عايض محسن صبران البريكي، الذي لم يجد عبارة مكتوبة على الجدران يمكنه وصفها بأنها إيجابية أو لائقة. كما أن الألوان وطريقة الكتابة تجعل من الجدار الأبيض جدارا قذرا، وما يجري هو تلويث متعمّد للبيئة ويخرج عن قيم وتقاليد مجتمعنا.

الرقي الحضاري

يشير البريكي في بداية الحوار معه إلى أن «غالبية الشباب الذين يتعمدون الكتابة على الجدران إنما يحاولون التعبير عمّا يحتقن في قلوبهم، ولا ضرر في التعبير لو كان على ورقة أو من خلال عمل يقومون به ويعود بالفائدة على بيئتهم ومجتمعهم، إضافة إلى ذلك تساءلت أنا واخواني وكنّا ثلاثة مجتمعين في مجلسنا عن المضمون الذي يعبّر عنه هؤلاء الشباب، وغالبيته لا يمت إلى قيمنا بصلة ورأينا أن تكون الحملة ليست مجرد تنظيف جدران بقدر ما تكون حثّا على اعتماد الألفاظ الجيدة في أحاديثنا وطرق تعبيرنا آملين أن يكون تنظيف الجدران الذي نقوم به مثالا يعلّم أولياء الأمور والشباب، وكذلك يوعيهم بضرورة الرقي بتعبيراتنا وألفاظنا، فقد لاحظنا وجود بعض الشتائم في الكلمات المكتوبة على الجدران وسور الفيلل والمنازل والمدارس، إذ تعتبر هذه الأخيرة مكان تعليم أبنائنا وتجميل حياتهم ولا يحق لنا تشويهها بعبارات الشتم».

أدوات الحملة

انطلقت الحملة من الشعبية حيث يقيم البريكي وإخوانه، وازداد عدد أعضائها من ثلاثة في البداية إلى عشرة خلال أقل من شهر على تنفيذها، بدعم ذاتي ورغبة في تجميل المحيط والقضاء على كل ما يشوّهه. يقول البريكي: «اقتصرت الأدوات على مجموعة فراشٍ وعلب «بويا»، وريثما أصبح كل فرد من الحملة يحمل عدته ويسير ويمحو بالألوان التي اختاروها مناسبة للون الجدران الأساسي الكلمات المتناثرة عليها، وإن احتاج الأمر لدهن المكان لأكثر من مرة، خاصة إذا كانت الكتابات بالأسود المدلهم على جدار أبيض».
يسترسل قائلا: «الجدران هي صورة عنا وعن حضارتنا وقيمنا، وصورة لأعيننا نحن المقيمين في المدينة، وللزائر الذي أثبتنا له سابقا كيف تمكنا من التقدم بسرعة فبنينا أعلى العمارات والأبراج ونظمنا حياتنا بالشكل الحضاري الذي يعبر عنا، وما نجده من كتابات مسيئة على الجدران ليس إلا شذوذا عن القاعدة علينا المساهمة في القضاء عليه وعلى هذه الظاهرة من خلال إعطاء المثال الجيد».
هكذا يشرح البريكي حملتهم المتواضعة التي لا يبغون أن تشكل تنظيما أو جمعية بقدر ما يريدون لها أن تعمّم كفكرة في كل إمارات الدولة. لذا يقول: «يبقى للجهات المعنية ايجاد السبل التي تمنع هذه الظاهرة من خلال تغريم مفتعليها وإن كانوا قاصرين يجب إلقاء المسؤولية على أولياء الأمور كي يعملوا على توعية أبنائهم حول أهمية المحافظة على بيئتهم والترقي في مستوى التعبير من دون شتائم ومحاولات إثبات وجود، وإنما من خلال الأعمال والأقوال المفيدة للمجتمع».

صعوبات

لا ينفي البريكي صعوبة معرفة صاحب اليد الذي يخط الكلمات على الجدران، لكن مرتكب هذا الفعل سيخجل من دون أدنى شك حين يرى من هو ربما أصغر منه يساهم في حملة تنظيف الجدران.
للبريكي خمسة أبناء، أكبرهم زايد وسنه ثماني سنوات، يرافق والده وعمومته وأصدقاءهم في تنقلهم في الحملة لدهان الجدران. ويعتبر البريكي أن في ذلك تعليماً للأبناء أهمية المحافظة على بيئة جميلة ونظيفة، وأن التلوث ليس فقط في الأشكال إنما أيضاً في المضمون. يقول: «من يساهم في تنظيف الجدران وهو صغير، يتعلم تحمل مسؤولية محيطه، ولن يقوم فيما بعد بتلويث بيئته بأي شكل من الأشكال».
ويشير إلى أن عملية تنظيف الجدران رغم صعوبتها لكنها غير مكلفة وبالوسع أن يتحمل نفقاتها المشاركون فيها، يقول: «لن يتخيل أحدكم أن بوسع خمسة دراهم فقط أن تفعل فعلها، فبخمسة دراهم يمكن طلاء مساحة خمسة أمتار مربعة. فحين نرى جدارا عليه كتابات، نشتري اللون الأساسي للجدار ونشرع بالعمل، ونتقدم فيه باستراتيجية محددة حيث إننا بدأنا من محيطنا، من أسوار شعبيتنا ونوسع دائرتنا شيئا فشيئا، وسوف يخجل من يكتب على الجدران حين يرى الكثيرين يشتركون لمحوها بدهانها لتجميل مدينتنا وناحيتنا».

أمنيات

يأمل البريكي أن يصل وإخوانه وأصدقاؤه إلى الأسواق في خطتهم التوسعية والعفوية في الآن ذاته، وفي أن يتم التشديد على مدى سوء الكتابة على الجدران للأهل كما للأبناء، معوّلا على وسائل الإعلام المساعدة في تعميم الفكرة ومكافحة هذه الظاهرة الملوثة للبيئة، متأملا أن تكون وسائل الإعلام وسيلة لتشجيع الآخرين فيكون وفريقه نموذجا يحتذى بحملتهم التي أطلقوها.
يقول موجها رسالته للناس: «فليبدأ كل واحد بالعمل من محيطه وليس شرطاً أن يعود إلينا، ليبادروا ويبدأوا بدهن الجدران المحيطة بهم على الأقل، وأن يشجعوا الآخرين».
ويشير البريكي إلى أنه تحدث عن الحملة وفكرتها وأسلوب عملهم لزملائه في العمل، وقد راقت لهم الفكرة وأثنوا عليها، معلقين أنهم لاحظوا ظاهرة الكتابة على الجدران مؤخرا مبدين استعدادهم للمبادرة في نواحيهم.
يقول: «الحمد لله، نحن لا نحتاج إلى الدعم المادي إنما إلى الدعم المعنوي من خلال الشروع في عمل المثل. فلنحسن من محيطنا ومن المنطقة التي نقطن فيها لأنها صورة عنا، وعملنا كلنا يشبه العمل من أجل تخفيف انبعاثات الكربون من عوادم السيارات من أجل بيئة أقل تلوثا ولا يجوز أن نترك هذه الحالة تتفاقم في مناطقنا».

أهداف

يردف البريكي قائلا: «هدفنا تقديم النصح للمجتمع وللشباب ولأولياء الأمور للتطوع في كل ما يصب في صالح مجتمعنا، ولتنظيم أمورهم وإن عفويا، فكما ننظم أمور منزلنا علينا المساهمة في تنظيم أمور محيطنا القريب للمحافظة عليه».
ويشير إلى أن ابنه زايد الذي رافقه عدة مرات في الحملة، يسأله دائما عن سبب طلاء الجدران والأسوار، كما يسأل عمّن كتب عليها ولماذا؟ يقول في ذلك: «يسير الصغار دائما على منهج الأهل، وبدل أن يروا أقرانهم يكتبون على الجدران ويقلدونهم، فليروا أهلهم وأولياء أمورهم ينظفون بيئتهم فيقتدون بهم ويتعلمون كيف يحافظون على بيئتهم التي ستكون صورة تعكس ما لديهم من قيم للخارج».

إضاءات

- خلال رصد أعمال الحملة التي تتم بشكل عفوي بعد أوقات الدوام الرسمي للعمل وللمدارس، لاحظنا أن السيارات والمارة راحوا يتوقفون ويسألون عن الأمر، ومنهم من تشجع للتطوع في الحملة وأبدى استعداده للشروع في العمل التطوعي مباشرة.
- التقى البريكي ومدير إحدى المدارس الذي تشجع كثيرا للفكرة معلنا استعداده لإشراك الطلبة في الحملة بعد انتهاء امتحاناتهم، معتبرا أن التطوع في هكذا حملة يعزّز السلوك الإيجابي بهم ويحثهم على المساهمة في تحسين مجتمعهم.
- بادر أحد عناصر الشرطة المجتمعية بالإشارة إلى إمكانية إشراك الشرطة المجتمعية لدعم الحملة والمشاركة بها.

اقرأ أيضا