الملحق الثقافي

الاتحاد

نصف كتاب للقارئ.. سنوياً

لوحة بعنوان «رجل يقرا? في حديقة» بريشة شارون كوسجروف

لوحة بعنوان «رجل يقرا? في حديقة» بريشة شارون كوسجروف

تشير الإحصائيات إلى أن نصيب الفرد المغاربي من القراءة لا يتجاوز نصف كتاب في السّنة، ويتردد كثيرا على مسامعنا عبارة نحن أمة لا تقرأ، ويقف وراء ذلك أسباب وإن اختلفت في فروعها بين الجزائر والمغرب وتونس وليبيا، إلا أنها تشترك في كثير من الأمور التي سيقف الاتحاد الثقافي عليها في هذا الملف.
انشراح سعدي

قال بهذا الصدد الروائي والناقد الجزائري محمد ساري من جامعة الجزائر ـ 2: إننا أمّة الكتاب ولكننا لسنا أمة قراءة بالمعنى الجماهيري للكلمة مثلما هو منتشر حالياً في الغرب. في واقع الحال، لم تكن القراءة عند العرب إلا فعلاً نخبوياً، باستثناء الفترات الأولى حينما كان الشعر مهيمنا وتخصّص له أسواق مثل سوق عكاظ. كان الكتاب ينسَخ في عدد قليل لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، ويتداوَل بين قلة قليلة من المهتمين. أما الجماهير العريضة، فكانت تكتفي بحفظ «الكتاب» في صغرها وترديد بعض سوره وآياته لاحقاً. لهذا السبب يصعب الحديث عن القراءة كفعل شعبي، زيادة على أنّ إحصائيات طباعة الكتاب في أيامنا تؤكّد الغياب شبه الكلي للقراءة، باستثناء تلك المتعلقة بالمهنية وتحضير الشهادات.
واعتبر ساري أن كتابة اللغة العربية سبب من أسباب تدني نسبة المقروئية في الجزائر قائلاً «إن اللغة العربية مثلما تُكتَب بالحروف فقط ودون تشكيل الكلمات يشكّل عائقاً إضافياً في عزوف الناس عن القراءة. لكي يتمكن مستعمل اللغة العربية من القراءة الصحيحة، ينبغي أن يمتلك قدراً كبيراً من الإلمام بهذه اللغة. مما جعل القراءة تنحصر عند النخبة، أي أولئك الذين قضوا سنوات طويلة في تعلمها. أما المتعلم البسيط، فإن تمكن من قراءة الجريدة، فيكون محظوظا. وهي ظاهرة أشار إليها طه حسين في عهده. إذا فالإجابة الأولى على غياب القراءة هو تغيير كتابة اللغة العربية والاهتمام بإظهار الحركات فوق الحروف، كي تسهل عملية الفهم، ولا تتحول القراءة إلى عقوبة وتمارين مستعصية.
القراءة الحلم
وأضاف محمد ساري سبباً آخر لتدني المقروئية وهو كون المجتمع العربي المعاصر يعيش أوضاعًا اقتصادية وسياسية واجتماعية صعبة، وأغلبية الشعوب غارقة في مشاكل يومية والجزائر مثلها لذلك يصبح فعل القراءة عندها حلماً بعيد المنال. ومما زاد عزوف الناس عن القراءة انتشار وسائل الإعلام السمعية البصرية، بحيث لم يعودوا يشعرون بالحاجة إلى القراءة ليتزودوا بالأخبار والمعارف اللازمة والضرورية لحياتهم. بالقنوات التلفزية وحدها، يتسلى الإنسان العادي ويتثقف ويطلع على ما يحدث من أحداث حوله. فما أهمية الكتاب في هذه الحالة. المؤسف أن النخب أصبحت تكتسب معارفها من هذه القنوات، ولا أحد يحدثك عن كتاب قرأه، وإنما عن حصة تلفزية تابعها أو إذاعية استمع إليها وهو غارق في الزحمة المرورية الخانقة بالمدن الكبرى.
ومما زاد من انحصار الكتاب الورقي، انتشار وسائل الاتصال الرقمية، وأضحى الكتاب متداولاً على شاشات الحواسيب. إذا كان الكتاب بغلاء ثمنه بعيد المنال عن قسم كبير من الجماهير العربية، فإنّ اكتساب حاسوب شخصي وما يستتبع من اشتراك في الهاتف والإنترنت يزيد من تهميش هذه الجماهير الفقيرة في عمومها.
لا حل
لهذه الأسباب، برأي ساري، ستبقى القراءة في الوطن العربي عموماً منحصرة في قلة قليلة من النخب المريحة ماديا والمتعلمة أو المشتغلة في ميادين تستعمل الكتاب كضرورة مهنية، كالتعليم والصحافة والصحة. أما بقية شرائح المجتمع، فإنها في غنى عن فعل القراءة وتكتفي بمشاهدة القنوات التلفزية التي تزوّدها بما تحتاج إليه من معارف وتزجية للوقت في حياتها اليومية الصعبة.
وكحل لمشكلة تدني المقروئية يقول الروائي والناقد محمد ساري: لا أرى حلاً لهذا الغياب المحزن لفعل القراءة وانتشار الكتاب عبر الدول العربية إلا بإلغاء عوائق انتقال الأفراد والكتب معا، وذلك بإلغاء تأشيرات السفر بين هذه الدول، وإلغاء الرسوم التي تُفرَض على دخول الكتاب باعتباره إنتاجًا ثقافياً وفكرياً وليس تجاريًا فحسب. صحيح أنه حل ليس في يد النخب ولا الجماهير المغلوبة على أمرها، ولكن يمكن للنخب أن تعمل على بلورة الفكرة ومناقشتها والتأثير على الحكومات للمضي في تحقيق هذا الحلم الكبير، لتصبح منطقة الدول العربية كما هي أوروبا اليوم، بلا حدود ولا رقابة، لا للأفراد ولا للسلع. إنه حلمنا العظيم ! ولكن أليس كل الأشياء الجميلة كانت بدايتها حلما بسيطا؟
عداء شرس
ومن جهته يقول الناقد المغربي محمد معتصم لـ «الاتحاد الثقافي» إن القراءة ليست تتبع الكلمات على صفحات الكتاب، إنها لحظة وعي، ولحظة تعبير عن مستوى التقدم والتطور وارتقاء الإنسان في المجتمع من درجة كائن فائض عن الحاجة (مستهلك) إلى درجة مواطن مساهم في التنمية وفي تنامي رصيد الوطن من الوعي بالتنمية البشرية والتقدم الحضاري والمساهمة في بناء الفضاء الإنساني العالمي المشترك.
القراءة بهذا الوعي وبهذه الصورة ليست متوفرة اليوم في المغرب، لأسباب كثيرة، والدليل على ذلك ما يفضحه العزوف الحاد عن اقتناء الكتاب خاصة الثقافي والأدبي والعداء الشرس لكل ما له صلة بالكتاب وبالمكتبة وبالخزانات العامة، والمدرسة، والغريب أن مؤسسات الدولة الرسمية والمتمثلة أساسا في وزارة الثقافة قد تراجعت عن مكتسبات تحققت في التجارب السالفة ومنها نشر المؤلفات الكاملة للكتاب الرواد والكاتبات الرائدات في مجالات مختلفة من الأجناس الأدبية كالشعر والرواية والقصة والمسرح والدراسة الفكرية والنقدية.. وأن التراجع شمل أعداد المنشورات من الكتب والمجلات، فيكاد الباحث لا يعثر على منشورات الوزارة وهي مؤسسة رسمية، أي لها من الإمكانيات ما لا يتاح لمؤسسات المجتمع المدني التي هي بدورها لا تسهم بجدية في التشجيع على الكتابة وعلى القراءة، أضف إلى ذلك الغياب التام لأصحاب رؤوس الأموال في التأثير والتوجيه وتخفيف أعباء الكتاب؛ تأليفا ونشرا وتوزيعا في كثير من الأحيان، على لكتاب الأشخاص الذين يتحملون نفقات كل ذلك على حسابهم الخاص، لذلك فالقراءة لحظة وعي ومسؤولية عامة، ومهما قام به الكتاب من جهود فإن ذلك يبقى محدوداً جداً.
بوار الشهادات
ويضيف الناقد المغربي محمد معتصم حول تدني مستوى القراءة في المغرب فيقول إن أكبر علامة على تدني مستوى القراءة ومعاداة الكِتَاب التدني في التحصيل الدراسي وبوار الشهادات العليا التي بات أصحابها يواجهون بعد التخرج شبح البطالة وعنف مواجهة من يقف في طريق تحقيق أهم مطلب، حق بديهي؛ العمل.
هذه النقطة بالذات أفاضت الكأس، فمن يمكنه أن يهتم بالكتاب وبالقراءة بعدما أفرغت الشهادات العلمية والجامعية الأكاديمية من كل معنى ودلالة، أي تنمية الوعي الجمعي والإسهام في بناء المجتمع المعرفي.
ويسلط الناقد محمد المعتصم الضوء على مشكلة النشر اذ يقول إن الناشر يشتكي، بحكم صلته الوثيقة بالكتاب ومصاحباته، من ضعف تصريف سلعته المعرفية، أمام ضعف القدرة الشرائية، وحالياً يشتكي من تراجع إمكانياته في اقتناء الكتب التي تصدر في العالم العربي، لأن «الربيع العربي» أتى على كثير من المعارض الدولية العربية التي كانت صمام أمان وقنوات لتصريف ما تنتجه العقول المغربية وبالمقابل ما يصدر في البلدان العربية، وبالتالي، فطبيعي أن تتراجع القراءة الحرة. ولكن الناشر لا يخفي أن وضعية القراءة ليست مزرية تماما وأن السبورة ليست قاتمة تماما كما يتبادر إلى الأذهان، فهناك سوق جديدة لنوع محدد من الكتب، وبالتالي تنامي نوع من القراء؛ ويقصد طبعا الإقبال الكبير على الكتب ذات البعد الديني سواء من أمهات الكتب المعروفة في مختلف المذاهب الشرعية، أو الكتب الفقهية والشروح والتفاسير، وخاصة الكتب القليلة التكلفة من الكتب الشعبية، كما أن هناك إقبالاً دائماً على الكتب التعليمية التي تكون غالباً إلزامية ذات مردودية مادية مهمة، وهناك أيضا كتب تلقى إقبالا عليها وهي من نوع الكتب القانونية والتشريعية.
كل ذلك لا يمكنه أن يخرج القراءة من الأزمة، لأن القراءة تحتاج إلى خطة وطنية مدعومة بإرادة سياسية عليا، ووطنية، وتضافر الجهود بين رجال الأعمال والمثقفين في مختلف المجالات، وخاصة الأسرة، فالبيوت المغربية خالية من المكتبات، وأمام ضيق ذات اليد يكاد الكتاب يكون مستبعداً من حسابات الأسرة، وفي كثير من الأحيان تجد الأسر صعوبة في الحصول على الكتب المقررة على أبنائها التلاميذ في المدارس المغربية بمختلف مستوياتها وأسلاكها. والأخطر أن العديد من الأسر المغربية تجد حلولاً للحصول على كماليات العيش وما تنتجه المعامل والمختبرات العالمية من تقنيات حديثة في الوقت الذي تبتكر كل أشكال الذرائع لكي لا تقتني الكتب، من المسؤول مرة أخرى؟
الوعي الشقي
ويعتبر محمد معتصم أن الوعي الشقي الذي نشأ في أذهان الناس سبب من أسباب العزوف عن القراءة، لأن الكتاب يخلق فقط المتاعب والمشاكل والتصادم مع السلطة، لأن من يعرف أكثر يصبح خطراً يهدد الاستقرار ورضا الناس واطمئنانهم، أي أن النظرة الأمنية إلى الكتاب وإلى المثقفين تقف خلف تردي مستوى القراءة، بل العزوف التام عنها. ليست القراءة في المغرب بخير، وتحديداً قراءة الكتاب الثقافي والأدبي.
وكحل للخروج من أزمة المقروئية في المغرب قال الناقد محمد معتصم ينبغي توفير فضاءات أوسع من حرية التعبير عن المواقف والرأي، والتخلي عن الهواجس الأمنية، وأساساً إعادة الحياة إلى المكتبات العمومية وفتح أبوابها أمام مختلف فئات المجتمع للمطالعة والدعوة إلى إحياء الأنشطة الثقافية والتحفيز على ذلك بخلق كثير من الجوائز وانفتاح الإعلام المقروء والسمعي البصري على مختلف شرائح الكتاب خاصة الأجيال الجديدة حتى تقيس وتختبر أصواتها ومدى تأثيرها في المتلقين...
إن القراءة لحظة وعي أمة بقضاياها وبحقيقة وجودها، وبدورها التاريخي والحضاري، وهي أداة لقياس ما وصلته أمة من الأمم.
بين عهدين
من جهته اعتبر الدكتور محمد مليطان من جامعة مصراتة أن في ليبيا، والعالم العربي عموماً، يمكن اعتبار ظهور الانترنت حداً فاصلًا بين عهدين مختلفين بالنسبة للثقافة والمعرفة بشكل عام.
ففي المشهد الثقافي الليبي تبنى النظام السابق أيديولوجية ذات طبيعة خاصة تم فرضها على البلاد والعباد وكان مسؤولاً بشكل كبير عن الفشل في توسعة قاعدة المقروئية في ليبيا.. ذلك أن الدعم الذي تلقته مشاريع «القراءة» خصص للكتب التي تقوم بالترويج للسلطة الشعبية والفكر الجماهيري الأخضر الذي يقدم أطروحاته من خلالها، حيث تم تأسيس «المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان» التي تحولت فيما بعد إلى «الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والاعلان» وطرحت للقارئ الليبي سلسلة «كتاب الشعب» بثمن زهيد، ومحتوى في كثير من إصداراته لا يتجاوز مستوى الثمن الزهيد، بينما ظل الكتاب العربي والأجنبي مراقباً من قبل السلطات الأمنية ما تسبب في توريد نوعية من الكتب لا تستميل كثيرا من محبي القراءة الضئيلة نسبتهم أصلاً. غير أنه من المهم الإشارة إلى أن النظام السابق قدم شماعة مناسبة علق عليها بعض المراقبين للشأن الثقافي تدني نسبة المقروئية في ليبيا طيلة الفترة السابقة لظهور الانترنت. بعد ظهور الإنترنت.. تمكن القارئ الليبي من كل الممنوعات المكتوبة والمسموعة والمرئية، ولم تعد أجهزة الأمن ووسائل المراقبة الأمنية الحكومية مجدية.. خاصة أن الانترنت لم يتجاوز عقبة السياسي والأمني فحسب، بل تجاوز أيضاً العائق الاقتصادي المتعلق بغلاء بعض الكتب وصعوبة اقتنائها بالنسبة للقراء الذين ينتمون في غالب الأحوال إلى الطبقات المتوسطة والفقيرة.
ويضيف الدكتور محمد مليطان «نحن أمة لا تقرأ» عبارة تصدرت مقالات ومحاضرات أكاديمية وثقافية كثيرة، يأتي هذا التذمر قي غياب شبه كامل لأي برنامج تعليمي تربوي، حكومي أو أهلي، لنقل أمتنا إلى مرحلة القراءة.
المقروئية المعاصرة
ويقول: وزارة التربية والتعليم انتبهت مؤخراً إلى أهمية المكتبة المدرسية غير أن النوع المتوفر من الكتب مع وسائل إيضاحية متخلفة لا ينبت شجرة التفاؤل وغرس حب القراءة لدى الناشئة، بالإضافة إلى توقف المناشط التربوية المحفزة على القراءة كالمسابقات والمهرجانات التي تهتم بالقراءة وتشجيعها بين التلاميذ.
ويتابع مليطان: يبقى من المهم الاشارة هنا إلى أن المقروئية المعاصرة تجاوزت حدود المكتوب فقد صار الكتاب المسموع على أجهزة الآيبود والهواتف والحواسيب المحمولة مزاحما للكتاب الكلاسيكي، فمحاضرات الدعاة مثلا، تغني عدداً كبيراً من الشباب المهتم بالشأن الديني عن قراءة الكتاب طالما هناك إمكانية للاستماع إلى الكتاب ذاته بصيغة MP3 على هاتفه أو على حاسوبه اللوحي المحمول.
ومن المثير للانتباه أن كثيرا من الشباب صار يفضل الكتاب المسموع الأكثر مرونة وديناميكية على الكتاب الورقي أو الالكتروني الذي يتطلب تفرغا من أية أعمال أخرى مصاحبة، وبالتالي صار بالامكان الاستمتاع والاستماع للكتاب أثناء قيادة السيارة مثلاً.
غير أن تعدد أنواع المقروئية في ليبيا ووفرتها لم تحدث تأثيراً كبيراً في درجتها، حيث لا تزال نسبة القراءة، بصرية وسمعية، ضئيلة مقارنة بالوقت الذي ينفق على الأنشطة الحياتية الأخرى.

اقرأ أيضا