الاتحاد

الملحق الثقافي

لوحة بلا فنان.. وفنان بلا مكان

تحكي الرسوم الأولى التي وصلتنا من الكهوف، علاقة الإنسان مع الرسم، كما تشرح الرقميات العائدة لما قبل اكتشاف الأبجدية واللغات القديمة محاولة الإنسان شرح ما يجري معه، أو التواصل مع غيره عبر الأشكال والرسم.. تلك المكتشفات الموغلة بعمر البشرية كانت وليدة حاجة وضرورة في الوقت نفسه، وهي مسألة لم تغب عن الدافع الأساسي لأن يحاول الإنسان ابتكار الأساليب والأدوات لاحقاً، ليصبح أكثر مهارة في النحت والتصوير وصنع الفسيفساء الضخمة والتي لعب فيها الدافع النفسي والديني بعداً كبيراً، يؤكد وجود حاجة ذهنية وروحية للتعبير، أو لإرضاء الآلهة والهروب من الخوف الذي كان يحدق بالتجمعات البشرية جراء الأخطار الطبيعية الكبرى مثل فيضانات الأنهار والزلازل والحروب.

يؤكد علماء الاجتماع والفلاسفة الضرورة المادية والنفسية للفنون فهي بالنهاية ترضي مجموعة من الحاجات لدى الفرد والمجتمع على حد سواء. فالفن هو المستشرف وهو القادر على خلق واقع موازٍ للقبح الذي يؤكد الفنانون أنه يسود العالم ودون هذه الفنون سيكون الأمر بمثابة إعلان هزيمة كبرى للجمال في التاريخ.
تمكّن الفن عموما والفن التشكيلي على وجه الخصوص من أن يكون فعالاً في قضايا الشعوب والتواصل الإنساني بين مختلف الأجناس والحضارات والثقافات والأديان والمعتقدات من أجل السلام العادل، فقد كان وسيطاً ولغة عالمية ساهمت في نشر أفكار الآخر دون حواجز لغوية، كما بث روحا محبة تأمل في حياة إنسانية كريمة تمنح الشعوب فرصة تذوّقها، رغم تراكم الاختلافات لتصل إلى درجة الكونية.
بيئة جمالية
يخطر للزائر إلى إمارة رأس الخيمة حين تستقبله للمرة الأولى، أمام انفتاح فضائها، واتساع صدر جبالها، وندرة جمال طبيعتها المتنوعة بين الجبل والسهل والبحر والصحراء، أنها عريقة بفنها ورساميها، وحتما لها مكان كبير على صعيد الإمارات العربية المتحدة، وربما المنطقة العربية أيضاً، فكيف لا وكل ما يثير المخيلة الإنسانية بجمالها وشقائها متجسد في هذه الإمارة الصغيرة والكبيرة بذات الوقت، فيبدأ بالبحث عن عيون الفن فيها وعن أعمالهم الفنية عطشا للمزيد من الفهم والمعرفة للبيئة المحيطة به، فلطالما كانت اللوحة التشكيلية أفضل كتاب يبدأه الزائر لأي منطقة يزورها، لفهم طبيعة سكان المنطقة ومزاجهم واهتماماتهم وتاريخهم وحضارتهم.
يتسع الفضول أكثر حين تقرأ يوميا، عن معارض سنوية وشهرية تحتفي بها بقية الإمارات في مظاهر ثقافية لها حضورها السنوي المكرس كظاهرة فنية اعتاد الناس على انتظارها، فلا يجد المرء سوى فراغ الدهشة من غياب أي حضور لريشة الفن التشكيلي لرأس الخيمة، فتبدأ الأسئلة بالدوران، ويأخذك الفضول البشري في البحث عن الإجابة التي من الصعب الحصول عليها من مكان واحد، خاصة إذا اكتشف المرء مقدار تداخل العوامل المسببة لهذا الغياب القاسي والحاد والمحزن لبيئة مثل بيئة إمارة رأس الخيمة.
حضور وغياب
الفن التشكيلي في رأس الخيمة لا مكان له سوى ما يسمى (بمرسم عبيد) فهو المرسم التشكيلي الوحيد في الإمارة، ويلقب باسم القائم عليه يوميا مع لوحاته التي تتفرد بحجمها ومساحتها.. مساحة هذا المرسم الذي ربما لا نستطيع وصفه بالمرسم بقدر ما هو مخزن قديم يحتوي لوحات كثيرة هي لوحات القائم عليه.
ومن الصعوبة بمكان الوصول بسهولة إلى مرسم التشكيل في رأس الخيمة الذي يقع على بقعة عالية قليلاً عن الطريق الرئيسي، على تلة رملية عشوائية، لا عنوان واضحاً يدل عليه سوى اللوحة المهترئة والباهتة بفعل عوامل الطبيعة، والتي كانت توحي يوماً ما بأنه مرسم للفن التشكيلي، وتلخص بذات الوقت الحالة التي وصلت إليها اللوحة التشكيلية في رأس الخيمة.
في الزيارة الأولى للمرسم، استقبلنا الفنان التشكيلي المعروف برأس الخيمة عبيد سرور بكل ترحاب وجلسنا نتبادل الحديث عن الوضع المزري للمرسم، والحال الذي وصل إليه فنانو إمارة رأس الخيمة، وان كان عقلي وفكري كله يدور حول حشرة كبيرة كانت تجلس على رأس عبيد وهو لا يكترث لأمرها بفعل التعود على وجودها إلى أن انتبه لدهشتي فبادرني بالقول: لا تقلقي هي صديقة قديمة في هذا المكان، ولكن لا تخافي إذا وجدت فأرا أو حشرات أكبر في المكان الصغير المكتظ الذي لم يتح لي أي فراغ لتأمل مكنوناته من اللوحات المرصوفة بكثافة وإهمال فرضها ضيق المكان على أرضية المرسم الترابية وسط جو خانق من العفونة والرطوبة وغياب الإضاءة والهواء النقي والجدران المتهالكة والمتشققة والسقف الذي بدا لي لوحا من التوتياء تسمع من خلاله صرير الهواء، فبدا لي المكان أشبه بزنزانة رمادية خارج نطاق الحياة والزمن.
حاولت صحيفة «الاتحاد» جاهدة، التواصل مع جميع الفنانين التشكيليين في إمارة رأس الخيمة والمعروفين على الساحة، والشباب منهم لرصد حقيقة هذا الغياب والتهميش، والإجابة عن تساؤلاتنا الكثيرة التي بدأت بأسباب غياب البيئة الحاضنة للوحة التشكيلية، مرورا بتأثير هذا الغياب على الذائقة الفنية والمواهب الشبابية في الإمارة، وصولا إلى رؤية الفنانين للنهوض بواقع الفن التشكيلي:
بيئة طاردة
الفنان التشكيلي ناصر أبو عفرا عضو في مرسم التشكيل في رأس الخيمة وجمعية الإمارات للفنون الجميلة بالشارقة تجاوب مع دعوتنا ولبى دعوة الحديث والدردشة عن واقع التشكيل في رأس الخيمة، وإن رفضها سواه لأسباب لغاية الآن لم تستطع الصحيفة فهمها جيدا سوى أنها عزوف عن تحمل المسؤولية، وربما يأساً من قدرة الإعلام على فعل أي تحريك للواقع الحالي؟
لخص الفنان ناصر أبو عفرا المعاناة الأساسية التي يعانيها الفنان في رأس الخيمة، وجلها برأيه ينصب بغياب المكان المناسب، الحاضن لكل فناني الإمارة يجسد طموحاتهم وأحلامهم في تشييد مبنى جديد ومتكامل للفنون التشكيلية في الإمارة، يتميز بالحداثة والعصرنة والرقي، ليكون قادراً على استيعاب جميع الفنانين التشكيليين في رأس الخيمة، مع المتدربين من هواة الفن التشكيلي، الذي يحول واقع المرسم الحالي دون القدرة على استيعابها وليفسح المجال للفنانين للعمل والعطاء في بيئة حضارية مثالية، بشكل يليق بالحركة الفنية والثقافية في الإمارات، وبما ينسجم مع ما وصلت إليه الدولة من مكانة راقية في قطاعات شتى، وبما يتوافق والتنمية الشاملة التي تعيشها رأس الخيمة، ليتحول مع الزمن إلى بوتقة فنية حقيقية، ومنطلق للإبداع، وحضن واسع لفناني رأس الخيمة والإمارات بشكل عام.
ورأى أبو عفرا أن المرسم الحالي غير مجهز لممارسة أي شكل من أشكال الفنون التشكيلية بالمفهوم الفني الحديث، حيث لا مستودعات للأدوات والأعمال الفنية المنجزة، التي يقضي الفنانون الأعضاء أياماً طويلة في العمل لتخرج إلى النور، وينفقون عليها أموالاًً من جيوبهم الخاصة لشراء مستلزماتها وإنجازها، ولا حمامات صالحة أو مرافق صحية، وكل ذلك ضمن مساحة ضيقة للغاية تخنق الفن وأهله وضيوفه.
وأكد أبو عفرا أن الأوضاع الحالية لمرسم رأس الخيمة قد تؤدي إلى ضياع ثروة ثقافية فنية وطنية ذات قيمة عالية، بسبب ضيق مساحته، وحالته الإنشائية المتهالكة، وافتقاره للخدمات الأساسية والتجهيزات الفنية والمرافق الضرورية.
ولفت أبو عفرا إلى أن مرسم رأس الخيمة، تابع لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية في الشارقة، ويعد فرعاً من فروعها، ورغم ذلك لم يتلق فنانو رأس الخيمة أي دعوة للمشاركة بأي معرض فني منذ زمن طويل من قبلها، وحول أسباب ذلك اكتفى ناصر بالقول لا أدري، وإن كان الأمر يشي بخلافات شخصية بين إدارة مرسم رأس الخيمة وبين القائمين على جمعية الإمارات للفنون الجميلة في الشارقة.
اتصلنا بمقر الجمعية بالشارقة للسؤال عن أسباب تجاهل وتغييب الفن التشكيلي برأس الخيمة، وللأسف لم تحظ اتصالاتنا بأي اهتمام من قبل القائمين عليها، لأسباب لم نحسن التوقف عندها، ربما نعزوها إلى انشغالهم بفعاليات المعرض السنوي العام لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية في دورته الثانية والثلاثين، التي غاب عنها أيضاً فنانو رأس الخيمة لعدة دورات سابقة..
حسرة وألم
الفنان التشكيلي حميد عبيد ليواد عضو مرسم التشكيل برأس الخيمة سابقا لخص المعاناة بحسرة وألم المهتم والبائس من أي أمل بالتحسين، وسلط الضوء على جوانب أخرى من خلال تجربته الشخصية مع الفن والفنانين برأس الخيمة
ووصف الفنان ليواد المرسم التشكيلي الحالي بالمرسم الخاص، الذي يدار من قبل فنان مكلف من قبل جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وهو ساهم بجد وإخلاص في تأسيسه ورعايته، ولكنه تحول مع الزمن إلى مالك للمكان، يتحكم برواده وأعضائه، مما أثر على الفنانين وعلى حماسهم للانضمام إلى عضوية المرسم، وسبب حالة من النفور والانقسام بين الفنانين في رأس الخيمة على حد تعبيره، وامتد الأمر واتسع إلى حد عدم توجيه أي دعوة إلى إمارة رأس الخيمة لأن المشرف على المرسم لا يبدو على وفاق مع القائمين على المشهد التشكيلي، وعن طريقه نتلقى أي دعوة للمشاركة والحضور، كما أنه هو من يقرر من يشارك، ومن عليه أن يتفاعل مع أي نشاط فني تشكيلي.
وأكد الفنان ليواد أن المرسم التشكيلي الحالي بمواصفاته لا يرقى لمواصفات المكان الممكن للتعايش معه، لأنه متهالك ويشبه المخزن المتهالك وبعيد عن مواصفات المكان الحي والقادر على خلق بيئة فنية جامعة وطموحة للإبداع والخلق، وهي أبسط متطلبات أي فنان تشكيلي.
ورأى الفنان ليواد أن تكريس الفن التشكيلي في الإمارة، وخلق مدرسة إبداعية تتواصل فيها الأجيال، يحتاج إلى إقامة معرض سنوي ترعاه جمعية الإمارات للفنون التشكيلية عبر فكر مؤسساتي وثقافي واضح ينهض بالجميع ويستوعب الجميع على اختلاف مشاربهم وتياراتهم الفكرية والتشكيلية.
وحول تأثير غياب المقومات الضرورية والأساسية للفن التشكيلي على المواهب الشبابية الواعدة والموهوبة، أكد ليواد أن رأس الخيمة غنية بالمواهب والطموحات الفنية وهذا أتلمسه يوميا من خلال إدارتي لمدرسة للطلاب وهم يطالبوننا بورش صيفية دائمة يزاولون فيها نشاطاتهم تحت رعاية أصحاب الخبرة والموهبة، وهذا ما لا نستطيع القيام به بمفردنا ويحتاج لجهد وشغف حقيقي من الجهات الحكومية.
وأكد ليواد أن الفن التشكيلي ليس مجرد لوحة بألوان براقة وزاهية بقدر ما هو رسالة ثقافية وحضارية تحفظ الذاكرة من النسيان وتصونها للأجيال القادمة، لأنه لغة عالمية ورسالة سامية، نوثق به تاريخنا وحضارتنا، وهو كفيل بتنمية الخيال والتفكير، وتعزيز مهارات الملاحظة والابتكار، وتعميق موهبة تذوق الجمال، والتعبير عما يجول من أفكار وخواطر لدى الفرد.
مواهب واعدة
يتمتع شباب إمارة رأس الخيمة بفطرية الموهبة، ورهافة الإحساس الذوّاق والمندفع لكل شكل من أشكال الفنون الإنسانية، ربما بحكم البيئة الطبيعية الثرية التي يعيشون فيها ويتفاعلون معها منذ نعومة أظافرهم، حيث تطغى الاهتمامات الأدبية والفنية على ميولهم وتوجهاتهم، فمن الصعب أن تجد شابة أو شابا من رأس الخيمة يعيش دون موهبة فطرية في الرسم أو المسرح أو التمثيل والتصوير، ويتكشف الأمر لديك أكثر حين تلتقي ببعض أصحاب الاختصاصات الفنية العاملة في الجامعات والمدارس الذين يجمعون برأيهم أن «المواهب الشابة والفتية في إمارة رأس الخيمة هي من الكثرة والتنوع والخصوبة»، ولكن للأسف ينقصها البيئة الحاضنة التي طالما حاولت المدارس المتوافرة بإمكانياتها تنميتها وصقلها ولكن هل هذا كاف؟
عبدالله محمد المدبولي فنان تشكيلي، وموجه تربوي للتربية الفنية برأس الخيمة أكد أن رأس الخيمة تزخر بالمواهب الشبابية الموهوبة بالفطرة على الفنون، وخاصة الرسم، والمسرح، وهذا أتلمسه بتواصلي الدائم مع الطلاب في زياراتي الدائمة إلى المدارس، ومشاركتي لهم ببعض المعارض المدرسية، التي تحاول المدارس القيام بها ولكنها دون شك غير كافية لأنها مرتبطة بمنهاج دراسي تجعل الطالب لا يحسن التركيز على موهبته، والأمر يحتاج لأكثر من مدرسة على حد تعبيره.
ورأى المدبولي أن إيجاد ورش فنية متواصلة تعنى بالمواهب الناشئة وترعى تطورهم الفني وتشغل أوقات فراغهم هو أمر هام جدا لتشكيل قاعدة من الشباب الواعي والناضج المحمي من تطورات العصر وتساهم في تشكيل النواة الأساسية لجيل موهوب فنيا وفكريا.
أجيال شابة
والتقت «الاتحاد الثقافي» مع الطالبة موزة أحمد علي الشرهان، تخصص إعلام تطبيقي وهاوية رسم شاركت بعدة معارض في رأس الخيمة منها مهرجان الفنون البصرية الذي يقام سنويا برأس الخيمة، ورأت موزة الشرهان أن رأس الخيمة لا تلبي طموحاتنا الفنية، حيث لا يوجد ورشات فنية ولا تدريب، ولا توجد جامعات متخصصة بالفن التشكيلي وهذا يحرمنا تماما من أي تخصص بهذا النوع من الفنون، واعتمد على نفسي وعلى بعض المراجع المطبوعة للتعلم وتطوير موهبتي وأستعين بأساتذتي في الجامعة لتوجيهي بالنصح والفائدة وأنتظر أي فرصة للمشاركة بأي معرض تشكيلي يقام برأس الخيمة.
وحول تواصلها مع مرسم التشكيل في رأس الخيمة، أوضحت موزة بالقول: كان لي تواصل سابق، ولكن لم أستطع المواظبة على ذلك، فالمكان غير مناسب لأي فتاة أو فنانة حيث لا خصوصية، والمكان ضيق، ويقع بمنطقة غير مخصصة لممارسة الفن، وإن كنت أتمنى ذلك ولكن نحتاج لمكان مناسب للجميع له حضوره ودوره على صعيد الإمارات، يستوعب طاقاتنا الفنية ويصقل مواهبنا تحت إشراف المختصين، ويقيم ورش تدريب فنية متواصلة، ومعارض فنية سنوية تجمعنا مع مواهب أخرى من الإمارات ومن خارجها، وصولا للمزيد من التبادل المعرفي والفكري في مجال الفن التشكيلي.
«قد لا نموت بالشّيخوخة وإنما بالنسيان» هذا ما عبّر عنه الكاتب غبريال غارسيا ماركيز، لأن النسيان يجمّد الذاكرة ويبلّد المشاعر فيجعل الانفعالات سلبيّة، ويتحوّل إلى نقمة، فالنّسيان يجب ألا يطال الهويّة والتّاريخ والقضايا الإنسانيّة والفن الخالد، مهما تتالت السنين لأنها النّابعة من الوجدان والمطبوعة في الذّاكرة الموروثة، والفن التشكيلي جزء لا يتجزأ من الهوية الإنسانية ومن الذاكرة الموروثة ويقع على عاتقه حمل ثقيل في حفظ الذاكرة وجعلها كالقلب النابض الحي.
فهل نحمي ذاكرة الفن التشكيلي من الاندثار والغياب؟ وهل نبادر بمسؤولية جماعية تقع على عاتق فناني ومثقفي رأس الخيمة قبل سواهم فنعيد الدماء إلى اللوحة التشكيلية، قبل أن يطويها النسيان احتراما لعراقة وأصالة تاريخ رأس الخيمة.

اقرأ أيضا