الاتحاد

دنيا

تزايد الإقبال على الزواج المبكر في مدينة الهاشم !

تتحدث منى بلهجة اليائس، والمتعلق بآخر أذيال الأمل: بدي أجوز أولادي الاتنين، قبل ماتنقطع عنا معونات الوكالة ''الأونروا''·
منى امرأة أربعينية تزوجت زواجاً مبكراً من ابن عمها وهي في الرابعة عشرة من عمرها، خوفا من انقطاع المعونات عن عائلة عمها الذين يعيشون معهم في نفس المخيم والذي لم يحقق نجاحاً في المدرسة، فترك مقاعدها سريعاً وأصبح يعمل في بيع الخضار على عربة يدوية صغيرة، مما هدد بشطب اسمه من ''كرت'' الإعاشة الذي تقدمه ''الأونروا'' للاجئين والذي يقيد فيه أسماء كل أفراد العائلة ممن هم أقل من ثمانية عشر عاماً ويستفيد ون من خدمات ''الأونروا'' العينية، وبزواجها استمرت المعونات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولكنها النواة التي تسند الزير كما يقولون· الغريب أن السنوات مرت وأعاد التاريخ نفسه مع ابنيها، فهما قد تركا مقاعد الدراسة ليس لقصور فيهما بل العكس، ولكن بسبب الفقر الذي يعيشونه، فهم يقيمون في بيت صغير من غرفة واحدة، ولذا قررت منى وزوجها تزويجهما واستئجار شقة صغيرة في منطقة محيطة بالمخيم، وذلك حفاظاً على المعونات التي تحصل عليها العائلة·
تسـتأنف منى حديثها بالقول: ابني لم يتم عامه العشرين، ولذا يجب أن أبحث له عن زوجة في حدود أربعة عشر عاماً ولاتزيد عن ستة عشر عاماً، حتى يكون هناك فارق زمني بينه وبين زوجه!!
الأمر نفسه يحدث مع أم عاطف ومن نفس المخيم، فتقول: ابني أنهى التوجيهي هذا العام، حصل على نسبة متدنية وأحوالنا المادية لا تساعدنا للإنفاق عليه في الدراسة بمعهد متوسط، لذا فنحن مهددون بقطع المعونات الشهرية من ''الأونروا''، حيث نحصل على معونات مالية وعينية، فزوجي توفي قبل عامين بعد إصابته بمرض الفيروس الكبدي الوبائي وكان عاملاً بسيطاً داخل الخط الأخضر، لا يوجد أمامي أي حل سوى أن أبحث عن زوجة لابني حتى تستمر المساعدات التي تقدمها لها ''الأونروا''، حقاً هي مساعدات بسيطة ولكنها تسد جانباً من جوانب حياتنا البائسة، سوف نقترض من هنا وهناك، وأهل الخير ''كثار'' المهم أن نجد عروساً في سن صغيرة، فابني سوف يتم عامه الثامن عشر بعد أشهر قليلة ويجب أن يكون قد تزوج قبل أن يتمها وتنقطع المعونات عنا·
حنين اضطرت لترك المدرسة رغم تفوقها لتتزوج من أحد أقاربها، وذلك لأن القريب يواجه خطر قطع المعونات عن عائلته، حنين كانت في الصف العاشر وحاولت مع أفراد عائلتها كثيرا أن تستمر في الدراسة ولكنهم رفضوا وأصروا على إتمام الزواج، وانتقالها للعيش في بيت الزوج وليس الاقتصار على عقد القران والخطبة·
الأمر لا ينطبق هنا على مريم التي أصر أهلها على عقد قرانها من أحد الشباب الفقراء، وقد كانوا يعتقدون أنهم بذلك يستريحون من عبئها لأنها بلا شهادة أو عمل أو حتى مسحات من جمال، وهذا الشاب لم يكن يهدف من عقد قرانه عليها إلا استمرار المعونات المقدمة لعائلته، ولم يتردد من تركها معلقة لسنوات دون أن يفكر بإتمام الزواج أو تطليقها، حتى طفح بها الكيل وأهلها واضطرت لدفع مبلغ من المال لهذا الشاب لكي يطلقها·
وبعد، هذه النماذج التي تطرح نفسها كعينات عشوائية في مجتمع غزة الذي وصلت فيه نسبة الفقر إلى ما يزيد عن 83% حسب أفضل التقديرات، تشير التقديرات أيضا إلى أن ''الأونروا'' بصدد تغيير سياستها هذه مع مطلع العام الجديد، وذلك نتيجة لزيادة معدل الفقر، وإلى جانب زيادة معوناتها المقدمة للاجئين، هناك إحصائيات محلية تشير إلى أن 50% من حالات الطلاق في غزة ترجع إلى الزواج المبكر الذي يصاحبه تدني في المستوى التعليمي للزوجين، وغياب الجانب الثقافي والوعي لضرورة إنشاء أسرة، إضافة إلى الجانب الاقتصادي الضعيف وعدم توفر الإمكانيات المادية التي تسمح بإنشاء بيت للزوجية حسب أبسط الأصول المتعارف عليها·
وفي دراسة بحثية قامت بها جمعية الدراسات النسوية والتي يرأس مجلس ادارتها الدكتورة مريم أبو دقة، أظهرت هذه الدراسة أن نسبة (28,3%) من النساء المبحوثات من عينة عشوائية ضمت 600 امرأة من غزة، أن أسرهن اضطرت إلى تزويج إحدى فتياتها زواجا مبكرا، كما أشارت نسبة (20,5 %) منهن إلى حدوث حالات طلاق بسبب الحصار داخل أسرهن·
وتواجه ''الأونروا'' حالياً في ظل الحرب، الكثير من المعوقات التي تعيق خدماتها مثل تعرض مدارسها ومراكزها الصحية للقصف، ومنع السلطات الاسرائيلية شاحناتها المحملة بالمؤن والمواد الاغاثية من دخول غزة، ولكن المطلوب منها في حال انتهاء الحرب أن تلغي هذا القانون، الذي ينص على حرمان من هم في سن الثامنة عشرة فما فوق من معونات ''الأونروا''، مما يزيد من معاناة أهل غزة أكثر وأكثر·






الخرافات تنهض من مرقدها وتنتشر كالوباء
أهل غزة يتحدثون عن انتحار الأشجار و معجزات الشهداء













غزة - الفقر المتدني إلى أقل مستوياته، والحصار المضروب على غزة على جميع الأصعدة براً وبحراً وجواً، وتحول غزة بما فيها من أعلى كثافة سكانية في العالم على أضيق مساحة جغرافية إلى قفص صغير يتلذذ حارسه برؤية ما بداخله من سجناء، والقتل والموت والدمار الذي أصبح مسلسلاً يومياً أو حكاية دموية مستهلكة، كل هذه الأمور ما كانت لتفرز إلا ''الخرافة'' في غزة·
زرع وائل شجرة الموز في حوش منزلي قبل سنوات عدة، وجفت أوراقها الغليظة فجأة قبل استشهاده بأيام قليلة، الشجرة ماتت قبل غارسها· الشجر يتنبأ بموت غارسه! اختصار الحديث الذي تردده أم حسام المرأة السبعينية كلما زارها أحد وقدم لها واجب العزاء في أخيها الذي استشهد أثناء اعداده لعبوة ناسفة محلية الصنع، كان يزمع إلقاءها على جنود الاحتلال المتمركزين على الحدود الشمالية لقطاع غزة، حيث يضربون حصارهم المشدد عليه·
نفس الحديث تردده زوجة الشهيد بكر حمدان، حيث تقول: ماتت الأشجار التي زرعها في الأصص على الشرفة قبل استشهاده بأسبوع وكأنها قررت الانتحار!!
فأل سيئ
لاتضع سجادة الصلاة بشكل مقلوب على الأرض عكس القبلة، فهذا فأل سيء، تتحدث بذلك الجدة العجوز مع غيرها من عجائز غزة فذلك نذير شؤم، وأن هناك جنازات كثيرة سوف تخرج من الحي بسبب هذا التصرف·
الجدة تقول: انهمر الحليب من صدري في صباح استشهاد حفيدي: هذا تصريح إحدى الجدات التي استشهد حفيدها وقد ربته منذ كان رضيعاً، لأن أمه حين أنجبته كانت صغيرة السن لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها، ولذلك تولت الجدة تربيته وكان يناديها يا أمي لأن لها عليه حق الأمومة·
الشهيد سهيل الغصين رأى موضعه من الجنة قبل استشهاده: هكذا يتحدث رفاقه الذين قاموا بنقله من مكان استشهاده أثناء قيامه بواجبه الوطني، للدفاع عن غزة في أثناء الاجتياح الأخير لها، والذي عرف بمحرقة غزة، يقول الرفاق: عند أصابته بترت ساقه وكان ينزف بغزارة، فقال في وهن لا يخلو من سعادة: ساقي سبقتني إلى الجنة، وقد توفي بمجرد وصوله إلى المشفى!
رائحة المسك
سليم أبو الخير، رجل فقير في الخمسين من عمره من جنوب غزة قتل أثناء توجهه لأداء الصلاة في المسجد ظهر الجمعة· تقول زوجته وبناته الصغار: عندما جاءوا به من المشفى بعد غسله وتكفينه كانت تفوح من الأغطية التي وضعت عليه رائحة فواحة وجميلة تشبه رائحة ''المسك''، وقد أخذنا نمسح أيدينا بالأغطية ثم نمسح بها على وجوهنا وملابسنا ولم تغادر الرائحة البيت لعدة أيام بعد دفنه!!
يتحدث الباحث الفلسطيني نبيل علقم عن الخرافة، فيقول: في كثير من الأحيان يزج بالدين بشكل مباشر أو غير مباشر، ومقابر الشهداء ليست ببعيدة عن ذلك، دون أن يحرك ذلك ساكناً لدى العلماء والمشايخ لوضع حد لهذا الانحراف، من المؤكد أن الظروف الصعبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني تدفعه للبحث دوماً عن معجزة تخلصه من مأساته بأبعادها المختلفة، وهذا بحد ذاته يوفر التربة الخصبة لانتشار الدجل والشعوذة وحكايات الأساطير، وإن كانت هذه الظاهرة ليست حكراً على قطاع غزة، حيث تشهد العديد من دول العالم حكايات على هذا المقياس، إلا أن ذلك ينطلق بالأساس في مجتمعنا من ضعف في الإيمان، والذي بدوره يفرض علينا جميعاً مجابهة هذه ''الخزعبلات'' بالدين والعلم والمنطق، لما تمثله من خطورة على المجتمع واستخفاف بمقدراته ومعتقداته، خاصة أن الدجل دخل عالم السياسة في ساحتنا الفلسطينية من أبوابه الواسعة·
تعريف الخرافة
الحديث للباحث نبيل علقم، حيث يقول: الأسطورة باختصار هي حكاية تتميز عن غيرها من الحكايات بأنها موضع ثقة وتصديق· وتدور أحداثها البسيطة او المعقدة حول شيء أو قضية بغرض التعليل والتفسير، أو الوقاية من الشر والضرر أو جلب الخير والمنفعة أو التحريض ضد شيء أو شخص أو جماعة، أو الحضّ على قيمة من القيم سواء أكانت قيمة سالبة ام موجبة من وجهة نظر معاصرة· ويختلف انتشارها ونفوذها من فئة لأخرى داخل المجتمع ومن مجتمع لآخر· وفي مجتمعنا العربي ما زال للأسطورة نفوذ وانتشار واسعين· وليس الخطر في هذا النفوذ والانتشار فقط، وإنّما في توجيه السلوك العقلي الذي تدفع به الاسطورة، والتفكير الاسطوري اللازم عنها والمتصل بها إلى دائرة اللامعقول الجمعي·
ومن الملاحظ أن الأسطورة والخرافة تنتشران في أوقات الاضمحلال الفكري أو الثقافي وانتشار الفقر والصراعات السياسية انتشاراً كبيراً، وتعود الكثير من الأساطير والخرافات إلى الوجود بعد اختفائها لفترات زمنية قد تطول، والسبب هو حاجة الفرد البسيط لتعليل الكثير من الظواهر من حوله وعدم مقدرته على تحملها وتجاوزها، ولذلك ليس غريباً أن تظهر الخرافة وتعود الأسطورة بقوة في المجتمع الفلسطيني، وينطبق نفس الشيء على النكتة التي هي وسيلة للهروب من الواقع الصعب والظروف السيئة، وإن كان الإنسان يعاني وبشدة بداخله ويتظاهر بالضحك واللامبالاة أمام الآخرين·
رأي الشرع
فضيلة الشيخ د· حسن الجوجو، رئيس محكمة استئناف غزة الشرعية، اعتبر الخرافة بدعة خارجة عن الدين، أما الكرامة فهي موجودة، يمنحها الله لبعض عباده ومن ضمن هؤلاء الشهداء· ومن الكرامات ما ورد عن مريم عليها السلام ''كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا''، وأن الشهيد تخرج منه رائحة المسك وأنه يرى مقعده من الجنة مع أول قطرة دم تسيل منه، أما القول بأن القبر يتحرك أو أن الشجرة التي زرعها فلان يبست وذبلت لمّا مات، وأن الحيوان أو الطائر الذي كان يربيه أو يعتني به قد امتنع عن الأكل حتى مات، فهذه خرافات وليست من الكرامات في شيء، وهي لا تنسب إلى الدين مُطلقاً، ولم ينكر أن بعض الناس يشعرون بدنو الأجل فيفعلون بعض الأمور التي تعبر عن إحساسهم بذلك· وتشكل المجتمعات الفقيرة وأوساط النساء وغير المتعلمين بيئة خصبة لانتشار الشائعات

اقرأ أيضا