عبير زيتون (الاتحاد)

في مؤلفاته الكثيرة التي أثرى بها المكتبة العربية، يقدم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، رؤيته بشأن الكثير من الأمور والقضايا بخبرة رصينة تجمع بين العمل والإيجابية والتسامح.
ويتجلى ذلك في كتابه «تأملات في السعادة والإيجابية»، الصادر عام 2017، الذي يعبر سموه من خلاله عن اهتمامه الكبير بمفهومي «السعادة والإيجابية». واليوم تحتفل الإمارات باليوم العالمي للسعادة، الذي يصادف 20 من مارس، وتزامناً مع ذلك تقرأ «الاتحاد» مقتطفات من سطور سموه الذي أوضح هدفه من الكتاب، بقوله: كان وما زال لي اهتمام كبير بمفهومي السعادة والإيجابية في الحياة وتأثيرهما في الكثير من قراراتنا، وأحكامنا، وعلاقاتنا بمن حولنا، ودورهما أيضاً في رؤيتنا للتحديات التي نواجهها، وإسهامها في الكثير من نجاحاتنا، وتحقيق السعادة لنا كأشخاص، أو كأمم، وشعوب. ووضعت كل ذلك في قالب بسيط، مدعم بتجربتي ومسيرتي، وأعتبر هذا الكتاب جزءاً من واجبنا تجاه الأجيال القادمة نحو تعليمهم فنون الحياة ودروسها ونقل خبراتنا وتجاربنا.

لست عالماً ولا أدعي الحكمة، بل هي كلمات قصيرة، ورسائل سريعة، وضعت فيها بعض التجارب، وحرصت فيها على سرد الأفكار والخواطر في شكل مبسط وسريع، وما نريد بذلك إلا خدمة أوطاننا، ونفع إخواننا وأبنائنا، ونسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه خير البلاد والعباد.

الإيجابية هي طريقة تفكير، والسعادة هي أسلوب حياة. ليس ما تملكه، أو ما تفعله هو ما يجعلك سعيداً، بل كيفية تفكيرك بكل ذلك.

عندما نقول إن هدف الحكومة، هو تحقيق السعادة، فنحن نعني ذلك حرفياً، وسنطبقه حرفياً، وسنسعى لتحقيقه بما يتناسب مع طموحات شعبنا، وتطلعاته، وعاداتنا، وثقافتنا.
نعم نحن نسعى لإسعاد الناس، وسيظل إسعاد الناس، غاية وهدفاً وبرامج عمل، حتى يترسخ واقعاً دائماً ومستمراً. لا توجد حكومة كاملة ولا يوجد عمل دون أخطاء، ولكن الخطأ الحقيقي هو التخلي عن دورنا الحقيقي في إسعاد الناس.

الإنسان أمام التحديات لديه الخياران: إما أن يقف ويتراجع، أو أن يبدع ويتجاوز.
التحديات هي في الحقيقة فرصتنا لإبداع حلول جديدة، وللتفكير بطريقة مختلفة، ولاختبار طاقاتنا، وقدراتنا، وصقل مهاراتنا، وإمكانياتنا ولزيادة معارفنا، وخبراتنا. عندما كان الناس يرون مشكلات كنت أرى مجالاً كبيراً للإبداع والإيجاز.

الإيجابية هي النظارات التي يضعها الإنسان فوق عينيه عندما يشاهد العالم، أو يشاهد التحديات، أو يشاهد المستقبل أو يشاهد الناس من حوله أو يشاهد الحياة بشكل عام. فإذا كانت النظارات سوداء، رأيت التحديات صعبة، والمستقبل مظلما. أما إذا كانت نظرتك إيجابية رأيت في التحديات فرصاً، وفي المستقبل نجاحاً باهراً.

لو نظرنا إلى الصحراء على أنها قاحلة، ورمال وكثبان خالية قبل عقدين لما استطعنا جذب أكثر من 14 مليوناً لبلادنا سنوياً. هذه الصحراء التي ترونها هي أحد المصادر الأساسية التي استخدمناها لجذب السياحة وتعزيز الاقتصاد، وخلق الفرص.

الصحراء لم تكن عقبة، أو مشكلة أو تحدياً ينبغي التغلب عليه في نظرنا، بل كانت فرصة، لخلق قطاع جديد في اقتصاد الدولة.

الإيجابية تعطيك منظوراً مختلفاً للأمور من حولك. دائماً في كل تحد هناك فرصة وفي كل شيء حولك ثمة فائدة، وعند كل إنسان موهبة، وكل شخص لديه طاقة، وكل فكرة لديها إمكانية للنجاح في زمانها ومكانها.

الإيجابية مهمة جداً لكل قائد، ومسؤول، صغيراً كان أو كبيراً، ومهمة أيضاً للأمم، والشعوب، والأوطان، ومهمة في خلق الفرص، والبيئة الملهمة، المحفزة للأجيال القادمة. والإيجابية ترتبط بالسعادة ارتباط المقدمة بالنتيجة.

مشاعرنا مرتبطة بأفكارنا.. وأفكارنا هي ما تدفعنا لتحقيق السعادة في حياتنا، ولا سعادة دون مشاعر إيجابية.

تجربة دولة الإمارات قامت منذ بداياتها على عدة مبادئ من أهمها: التفاؤل بالمستقبل، وتوقع الأفضل، والثقة بالقدرات، والإيمان بالإمكانيات، والتوكل دائماً على رب السماوات. وهذه كلها يجمعها مفهوم الإيجابية، وتساعد على خلق السعادة.

التحديات والعقبات ليست نقطة النهاية، بل فرصة لإبداع حلول جديدة.

كل صاحب حلم من دون إيجابية، وثقة، وتفاؤل هو من أصحاب التمنيات الفارغة، والأوهام الضائعة، لأنه سيقف عند أول عقبة، ونحن لا نقف نحن نبدع.هكذا تربينا هكذا عشنا، وأدرنا حياتنا، وبلادنا.

القائد الإيجابي يمكن أن يغير مجرى تاريخ دولته للأفضل، إذا تحلى بالثقة الكافية، والإبداع اللازم لتخطي العقبات.

القائد الإيجابي لا يتوقف، والإيجابية ليست جديدة علينا في دولة الإمارات

الإيجابية هي صفة نتوارثها؛ لأنها ساعدتنا على بناء دولتنا، وبناء اقتصادنا، وبناء تجربة عالمية ناجحة في جميع المجالات. ونريدها اليوم جزءاً رئيسياً من بناء الإنسان، وبناء شخصية أبناء هذا الوطن، وأجياله القادمة.
القائد الإيجابي هو الذي يستطيع أن يغمض عينيه، ويتخيل المستقبل ويرى نتائجه بصورة كاملة، حتى إنه يعيش مشاعر هذا النجاح الذي لم يبدأ بعد. القائد الإيجابي هو قائد ذو رؤية ثاقبة، تسبق بصيرته بصره.

الإيجابية هي أن يكون لديك يقين كامل بقدرتك، على نقل هذه الصورة من مخيلتك إلى أرض الواقع، وقدرتك على نقل مشاعر الحماسة والتفاؤل من نفسك إلى فريق عملك. وقدرتك على تحويل الفكرة، والصورة الجميلتين لبرنامج عمل لا يقبل التأجيل.

دائماً وأبداً الصورة النهائية في ذهنك، وكن إيجابياً، ومتفائلاً، وواثقاً بقدراتك على تحويل الصورة إلى واقع. لا شيء أسوأ من أن يهتز يقين القائد برؤيته، ويتردد في عمله، ويتشاءم من مستقبله.

الإيجابية في رؤية المستقبل تكمن في وضوح الرؤية، ووضوح تفاصيل الصورة النهائية، والثقة بالله، واليقين الكامل بقدرتك على تحويلها إلى واقع ملموس.

هناك حقيقة يجب إدراكها جيداً بالنسبة لأي قائد، وهي أنه لا يوجد شخص غير مهم، أو فكرة غير مهمة، أو وظيفة غير مهمة. كل إنسان له طاقة متفردة عظيمة، ومختلفة.

كل إنسان له قيمة، له إبداع، له مهارة. كل إنسان له دور في هذه الحياة. وهذه هي النظرة الإيجابية التي لابد أن ننظر بها لمن حولنا، وما حولنا من الأفكار، والأشخاص، والوظائف.

إن قيمة الإنسان في ما يحسنه، وما يتقنه، والوظيفة هي فرصة لإثبات الذات، وتحقيق قيمة مضافة في هذه الحياة، وفرصة للتعلم، وفرصة لخدمة بلدك، وفرصة لإثبات قدراتك، ومهاراتك، وإطلاق طاقاتك. إذا نظرت هذه النظرة للوظيفة، فتأكد أن الإنجاز سيكون حليفك، والتوفيق سيكون صاحبك.

إذا نظرت إلى وظيفتك على أنها عبء، أو أنها مكان فقط للعيش والتكسب، وتمضية سنوات العمر، وصولاً لتقاعد مريح، فتأكد أيضا أنك ستكون ممن يعيشون على هامش الإنجاز، وهامش الحياة، وهامش النجاح. غيَر نظرتك، وكن إيجابياً، وضع هدفا لحياتك، وانطلق نحو تحقيق ذاتك.

الطاقة الإيجابية تعطيك همة في النفس، وإشراقة في الوجه، ولمعة في العين، وهي طاقة إبداع تصنع المستحيل هذا هو الموظف الذي نريد، متفائل، واثق بقدراته، مؤمن بنفسه، لا يقف ولا يتردد، ولا ينتظر غيره، بل يبادر ويكون دائماً في الصف الأول.

أتعجب من كمية الطاقة التي يصرفها البعض في إيجاد الأعذار، أو لوم الآخرين، أوالتذمر. اصرف نصفها في وضع هدف لحياتك، وقيمة لذاتك، وانطلق نحو العمل والإنجاز.
كل مسؤول، وكل قائد، وكل صاحب مشروع، بحاجة لفريق عمل، بل يمكن أن نقول كل مجتمع، وكل دولة، وكل أمة بحاجة لفريق عمل، لتبني، وتعمر، وتتعاون، وتنجز، وتتشارك في فرحة الإنجازات، وتقف متوحدة أمام التحديات التي تواجهها.

عندما ننظر لأعضاء فريق العمل، بأنهم هم عقولنا التي نفكر بها، وأيدينا التي نعمل من خلالها، ستتغير طريقة تعاملنا مع هذه العقول، والطاقات، وسنعمل جاهدين للحفاظ عليها، وتنمية قدراتها، ورفع مستوى كفاءتها.

سرعة القائد من سرعة فريق عمله، وقوته من قوتهم، وذكاؤه محصلة ذكاء كل أعضاء الفريق.

ما دمنا كعرب جربنا الكثير من النظريات، والأفكار، والمناهج، فلا ضَير في أن نجرب أن نكون إيجابيين لبعض الوقت، ونغير نظاراتنا السوداء لفترة من الزمن، ونكون إيجابيين حول بعض الأمور.

النظرة بإيجابية لقدراتنا، وإمكاناتنا، الثقة بالنفس هي أولى خطوات التغيير للأفضل. لابد أن تتغير نظرة العرب بشكل عام لقدراتهم، وإمكاناتهم. لابد أن تكون لديهم ثقة أن بإمكانهم تغيير واقعهم، وتغيير العالم من حولهم، والإيمان بإمكانية تحولهم لقوة عظمى اقتصادياً، وسياسياً، وعلمياً خلال فترة بسيطة من الزمن. وهذا يتطلب قدراً كبيراً من الإيجابية في مؤسساتنا، وشعوبنا، وثقافاتنا، وشجاعة قلبية ليترسخ اليقين فينا بقدرتنا على المنافسة في هذا العالم.

منطقتنا منطقة حضارات، نحن صناع حضارات. منذ آلاف السنيين وأبناء هذه المنطقة منبع الحضارات، وأصلها وقدموا الكثير للعالم. لماذا لا يستطيع أبناؤهم اليوم تكرار التفوق الحضاري نفسه، الذي حققه أجدادهم الذين ما زال تأثيرهم حاضراً معنا اليوم.

الحضارات الغربية الحديثة، استفادت منا ومن علمائنا في علوم الطب والفلك، والكيمياء، والرياضيات، وهذه طبيعة الحضارات: إنها تتفاعل مع بعضها، وتبني على علوم من سبقوها، وتبدأ من حيث انتهت عقول وأفكار من جاؤوا قبلها.

الحروب يمكن أن تدمر البنيان، ولكن الأخطر منها تلك التي تدمر الإنسان، وتقصف ثقته بنفسه، وتهدم تفاؤله بمستقبله، وتحيله إلى التقاعد عن إكمال السباق الحضاري، والمنافسة العالمية.

لابد لكل واحد منا أن يعمل ويجتهد. لابد لكل دولة أن تبتكر في مشاريعها وتنطلق في مبادراتها، كل وزارة، ومؤسسة، وشركة لابد أن تعمل، وأن يكون لديها طموح عالمي.
أسوأ شيء نفعله هو أن ننتظر، لأن الانتظار هدر في الطاقات، وضياع للسنوات، وفوات للكثير من الإنجازات.

الإيجابية هي الشعلة التي تعطي الحياة لأفكارك، وتجعل من حولك يستمعون لك، ويستمتعون بالعمل معك، ويؤمنون برؤيتك، ويعملون وفق طريقتك، ويثقون بقراراتك.

إذا أردت أن تغير العالم من حولك، فابدأ بتغيير أفكارك، وقناعاتك، وكن أنت التغيير الذي تراه في العالم كما يقول غاندي.

القدوة الإيجابية أساسية لنجاح أي قائد، وهي أسرع، وأقوى طريقة للتعلم. فالناس لا ينظرون لكلماتك، بقدر ما ينظرون لأفعالك وتصرفاتك.

إذا كنت مؤمناً بما تفعله، فافعله ولا تنتظر أن يقلدك الناس دائماً.

يظن بعض الناس أن النجاح يؤدي للسعادة، ولكن الحقيقة هي أن الإيجابية تؤدي للسعادة، والسعادة تولد النجاح.

الابتسامة لدينا في الإمارات، جزء من تكويننا، وهويتنا، وطريقتنا في التعامل مع الناس، وجزء من الصورة الذهنية التي نريدها أن تنطبع عند كل زائر لنا، أو متعامل معنا.

لا تستهن بابتسامتك مهما كنت وأينما كنت: لأن لها أثراً عظيماً في نفوس الآخرين، وفي نفسك، وفي مجتمعك.

الإنسان الإيجابي لا ينتظر الحظ بل يصنعه. لا ينتظر ابتسامة الحظ له بل يبتسم هو للحياة، ويسعى منطلقاً خلف أحلامه، وطموحاته.

الحظ لا يصنع الرجال، بل الرجال هم الذين يصنعون الحظ.

أقول للشباب وللأجيال: إذا كنا إيجابيين فلابد أن نغير نظرتنا لمفهوم الحظ. الإنجازات، والنجاحات ليست ضربة حظ، بل جد، واجتهاد واستعداد، وإيمان.

أقول لشبابنا: السماء لا تمطر ذهباً، والأرض لا تخبئ لكم كنوزاً، والفرص لا تنتظر من يستيقظون متأخراً. أقول لشبابنا حظكم الحقيقي ليس ما تحصلون عليه من مكافآت، بل ما أعطاكم الله من مواهب، وقدرات وطاقات، وإمكانات.