الاتحاد

الإمارات

"غير المرئيات".. تهميش المرأة في عالم مُصمم للرجال!

غلاف الكتاب (من المصدر)

غلاف الكتاب (من المصدر)

عرض: منى عبدالوهاب

«أغمض عينيك وتخيل إنساناً. الآن تخيل محامياً. ثم تخيل طبيباً، ثم عالِماً. افتح عينيك وأخبرني بأمانة: هل كنت تتخيل رجالاً أم نساء؟ لا بأس، لقد كنت أنا أيضاً أتخيل رجالاً، على الرغم من أنني مناصرة لحقوق المرأة. لم يعد التحيز الذكوري في عقولنا يدهشني - على الرغم من أنه كان صدمة عندما أدركت لأول مرة أنني أفعل ذلك».. هكذا استنتجت كارولين كريادو بيريز في كتابها الجديد، «النساء غير المرئيات». كارولين، وهي كاتبة بريطانية وناشطة في مجال مناصرة حقوق المرأة، ترى أنه قبل ما يقرب من عشر سنوات، قرأت كتاباً يشير إلى أنه عندما تقرأ المرأة ما تسمى بـ«الكلمات الذكورية» مثل «الرجل» (في الإشارة إلى الإنسان) أو «هو» (بدلاً من هو أو هي)، فإنها تتصور... رجلاً. وتضيف: لم ألحظ أنني كنت أفعل ذلك - ودفعتني صدمة هذا الإدراك منذ ذلك الوقت إلى شن حملات تحاول تصحيح هذا التحيز لدينا (مستخدمة صورة شخصية نسائية تاريخية على الأوراق النقدية الإنجليزية، وأول تمثال للمرأة بميدان البرلمان في لندن).

أمضت كارولين كريادو ثلاث سنوات في البحث عن بيانات حول الفجوة بين الجنسين، وهي ترى أن الغالبية العظمى منا يتحدثون بصيغة المذكر عندما يفترض أننا نتحدث عن مصطلحات محايدة عن الجنسين.
وتعتبر أن النتيجة هي أنه في مجالات تتراوح من النقل إلى التكنولوجيا إلى الطب إلى الاقتصاد، نجد الغالبية العظمى من العالم مصمم للرجال.
وترى أن هذه ليست مؤامرة كبرى للرجال ضد النساء. إنها ببساطة فشل في تذكر أن 51% من سكان الأرض من النساء. ولكن لأن هذا غير مقصود لا يعني أن الفجوة في بيانات تصنيف الجنس ليس لها تأثير خطير على حياة النساء، فهي كذلك، والآثار المترتبة بالنسبة للنساء اللائي يعشن في عالمٍ مصمم للرجال تتراوح بين كونها غير مريحة إلى كونها قاتلة.

نمذجة المنحوتات
ودعونا نبدأ- حسب الكاتبة- بما هو غير ملائم أو غير مريح. في الثلاثينيات من القرن الماضي، قرر المهندس المعماري السويسري المؤثر لو كوربوزييه أن فن العمارة بحاجة إلى ثورة. وأعلن أن المباني ينبغي تصميمها، بحيث تلائم الناس. وعليه، فقد شرع في تصميم «مقياسه البشري» للقيام بذلك. بيد أنه كانت هناك مشكلة بسيطة: فقد كان «مودولور الرجل» الرمزي في الواقع، حسناً، هو رجل. (المودولور هو نظام للقياسات البشرية وضعه لو كوربوزييه، يستعمل لتحديد نسب المنحوتات والتصاميم الفنية بشكل عام). ولكي نكون أكثر دقة، كان «المودولور» عبارة عن محقق بريطاني يبلغ طوله ست أقدام، رافعاً ذراعيه - للوصول إلى الرف العلوي الذي لا يمكنني حتى لمسه.

معايير لا تراعي النساء
كانت هناك صيغة لتحديد درجة حرارة المكتب القياسية. وقد تم تطوير هذه الصيغة في ستينيات القرن العشرين لتناسب الراحة الأيضية لرجل يبلغ من العمر أربعين عاماً ويبلغ وزنه 154 رطلاً. بيد أن دراسة حديثة خلصت إلى أن هذه الصيغة ربما تبالغ في تقدير المعدل الأيضي للإناث بنسبة تصل إلى 35%، ما يعني أن درجة حرارة المكاتب في الوقت الحالي باردة للغاية بالنسبة للنساء بنحو خمس درجات في المتوسط. وهذا السبب في أنك ترى العاملات في المكاتب وقد ارتدين المعاطف بينما يجول زملاؤهن من الرجال وهم يرتدون ملابس صيفية، بيد أن الأمر يصبح أسوأ بكثير من الارتعاش في مكتب بدرجة حرارة ملائمة للرجال أو عدم القدرة على استخدام أي من الرفوف العلوية في منزلك. وتبدو أجسام النساء وكأن بها خطأ عندما يتعلق الأمر بالبحث الطبي. وعكس جميع الأدلة، فإنك ما زلت تجد العديد من الباحثين يصرون على أن تضمين المرضى من النساء في التجارب الطبية هو مضيعة للوقت والمال لأن أجسادهن معقدة للغاية ومتغيرة، وهرمونية (أي تتأثر بالهرمونات)؛ لذا فهي ليست وعاءً جيداً للبحث.
والمشكلة في أن هذه الأجساد المعقدة ستتناول العقاقير على أي حال؛ لذا فإنه سيكون من الجيد الحصول على بعض البيانات عن كيفية تفاعلها، خاصةً أن البيانات الموجودة لدينا مثيرة للقلق. وقد تم العثور حتى الآن على تأثيرات للخصائص البيولوجية للمرأة على مضادات الذهان، ومضادات الاكتئاب ومضادات الهيستامين وكذلك أدوية القلب. ومن ناحية أخرى، فالنساء أكثر عرضة للإصابة باضطرابات في ضربات القلب نتيجة لتناول العقاقير، ويكون الخطر في أعلى درجاته خلال فترات معينة بالنسبة للمرأة، وهذا يمكن أن يكون قاتلاً.

رسالة «سيدتي الجميلة»
في الفيلم الموسيقي «سيدتي الجميلة» الذي عُرِضَ في القرن العشرين، شعر عالم اللغويات هنري هيجينز بالذهول عندما ردت عليه إليزا دوليتيل، ضحيته وتلميذته، أخيراً بلهجة قاسية بعد تحمل أشهر من إهاناته وترهيبه لها. وقال متبرماً: «لماذا لا يمكن للمرأة أن تكون مثل الرجل؟».
هذه رسالة- على حد قول المؤلفة- استوعبتها المرأة في جميع أنحاء العالم. ومنذ نشر المقتطفات الأولى من كتاب «النساء غير المرئيات»، وأنا أتلقى الكثير والكثير من الملاحظات من النساء، حيث كان الشعور بالارتياح هو النغمة المهيمنة. فقد كان العديد من النساء يمارسن حياتهن معتقدات أن ثمة أمراً خاطئاً يتعلق بهن. وهذه صورة مشوهة؛ لأنه لا يوجد شيء خطأ مع النساء. وتكمن المشكلة بشكل مباشر في عالم، حيث يتم في بعض الأحيان نسيان وتجاهل وتهميش المرأة.
وهكذا توجه كلامها إلى هيجيز، معتبرة أن السؤال ليس «لماذا لا يمكن للمرأة أن تكون مثل الرجل؟»، بل بالأحرى «لماذا يجب أن تكون هكذا؟».

الرواتب تحت دائرة الضوء
وتوجه كارولين الدعوة إلى أن يكون هناك رصد للأمور المتعلقة بالمرأة وإظهارها إلى النور. على سبيل المثل، في عام 2017 عندما تم إعداد إحصاءات بشأن رواتب موظفي هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، تم اكتشاف الفجوة الكبيرة في الأدوار بين الرجال والنساء لمصلحة الرجال. ووضعت هذه الواقعة رواتب الرجال تحت دائرة الضوء، وكان لها أثر مباشر، إذ تم رفع رواتب النساء اللواتي كان يتم تجاهلهن بين ليلة وضحاها، ما يؤكد أنّ الإحصاءات مهمة ولها تأثيرها الخاص، إذ قدمت مجموعة من البيانات والأرقام بشأن أوضاع المرأة، وكيف جاءت متحيزة للرجل. وترى كارولين أن هذه ليست حقائق تصدم النساء، قائلة: نحن نعلم أنّنا كنساء نتقاضى أجوراً أقل من الرجال، وأننا نقوم بعمل أكبر من الرجل لا نتقاضى عليه الأجر المناسب، ونعلم أنّنا نقف طوابير طويلة للحصول على أمتعتنا، ونعلم أنّنا ضحايا للعنف المنزلي، وفقاً لتعبيرها.
ومن بين الأرقام والنسب، فإنّ 53% من النساء في بريطانيا أكثر حرصاً والتزاماً بقواعد العمل عن الرجال، وعالمياً فإنّ واحدة من كل 3 نساء تفتقر إلى مرحاض آمن، وشركات السيارات أخذت وقتاً طويلاً لتزود السيارات بالحماية من الصدمات في حال كانت التي تقود السيارة أنثى.

أغلبية في كل مكان
إن النساء- حسب كارولين- هنّ الأغلبية على الإطلاق في كل مكان، لكن رغم ذلك فهن يعشن في مجتمع وكأنّه مصمم للرجال، على سبيل المثال عدم وجود مصابيح كافية في الشوارع تجعل السيدات لا يشعرن بالأمان، وغياب مرافق رعاية الأطفال في أماكن العمل، كأن كل شيء تقريباً تم تصميمه من أجل الرجل، وفقا لرأيها.
وتعتقد أنّ الأمر ليس متعلقاً بتزويدنا بمصابيح أكثر في الشوارع أو توفير أماكن لرعاية الأطفال في أماكن العمل، بل إنّ تغيير البنية التحتية أمر حيوي، لكن ليس هذا فحسب، علينا أنّ نرى هناك تغيراً في السلوك الفعلي للرجال، حسب قول الكاتبة.
وإذا لم يحدث هذا، تتساءل كارولين: هل علينا أنّ نقبل العيش في مدن بقاعدة أنّ هناك نسبة من الرجال يتعاملون بقسوة مع الجنس الآخر؟ أم أنّه يجب أنّ نطلب من الرجل أنّ يكون أفضل حتى تشعر المرأة بالأمان في كل مكان؟، هل يجب تزويد أماكن العمل بأمور تساعدها للعودة إلى العمل ورعاية الأطفال؟ أم أنّه يجب أنّ تكون هناك مسؤوليات متساوية في رعاية الأطفال بين الرجل والمرأة، وأنّ تكون مشكلة رعايتهم مشكلة للطرفين وليس للمرأة وحدها؟
وتضيف أنه يجب أنّ يكون هناك مزيد من التغيير في عقلية الرجال حيال النساء. موضحة: نحن لا نريد مصابيح إضافية لنشعر بالأمان، يجب أنّ يكون هناك تغيير في العقلية والسلوك والمواقف، هؤلاء الذين يتجاهلون المرأة يجب أنّ يكونوا جزءاً من الحل. المرأة تستطيع فعل أشياء كثيرة وتولي وظائف بشكل بناء، ويجب أنّ يكون لها تمثيل في كل عمل، سواء ذلك داخل المنزل أو خارجه، ويجب أنّ تكون تلك الأمور محصورة في أرقام وبيانات.

المرأة والسيارة
عندما تتعرض امرأة ما لحادث سيارة، فإن احتمال إصابتها بجروح خطيرة يزيد على الرجل بنسبة 47% واحتمال وفاتها يزيد على الرجل بنسبة 17%. ويرجع السبب في هذا إلى أن السيارات مصممة وفقاً لمقاييس الذكر العادي: والدمية الأكثر شيوعاً المستخدمة في اختبار حوادث السيارات يبلغ طولها خمس أقدام وست بوصات، بينما تزن 176 رطلاً. وفي هذه الأثناء، فإن المرأة العادية ينظر إليها باعتبارها سائقاً «في غير مكانه الصحيح»: فمن أجل الوصول إلى الدواسات ورؤية لوحة العدادات، تجلس النساء قريبة للغاية من عجلة القيادة. وقد يحتج البعض قائلاً إن الدواسات، في الواقع، هي التي بعيدة جداً.

* ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سرفيس»

كتاب: «النساء غير المرئيات»
المؤلف: كارولين كريادو بيريز
كاتبة بريطانية وناشطة في مجال مناصرة حقوق المرأة.
دار النشر: أبزامز برس
تاريخ النشر: 7 مارس 2019

اقرأ أيضا

المجلس العالمي للتسامح والسلام يدين تفجيرات سريلانكا