الاتحاد

تقارير

سودان ما بعد الاستفتاء... كيف تمنع أميركا الانفجار؟

لدى تأمله فترة رئاسته، كثيراً ما عبَّر كلينتون عن ندمه على فشل إدارته في وقف الإبادة الجماعية التي وقعت في رواندا عام 1994 وحصدت أرواح 800 ألف شخص، بل إنه يذهب إلى حد الإشارة إليها باعتبارها "فشلًا شخصياً" من جانبه. ومن جهته، عبر بوش الابن، الذي وصف أعمال القتل في دارفور عام 2004 بـ"الإبادة الجماعية"، عن شعوره بالإحباط على خلفية عجزه عن إقناع الأمم المتحدة وآخرين بالتدخل على نحو أقوى. واليوم، ها هو أوباما يحاول تجنب الاضطرار إلى الإعراب عن ندمه الخاص.
اختبار أوباما هو في السودان، الذي يفترض أن ينظم استفتاء في التاسع من يناير الجاري حول ما إن كان جنوب البلاد سينفصل عن الشمال. ففي حال صوت "الجنوب" لصالح الاستقلال مثلما يتوقع أن يحدث بعد عقود من التهميش والحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، فإن أعمال عنف يمكن أن تندلع بسهولة، كما أن من شأن الانفصال أن يجلب إلى الواجهة توترات لم تحل حول ثروة السودان النفطية وترسيم الحدود الجديدة.
هذه المرة، يبدو أن الولايات المتحدة قد تعلمت أخيراً درسها. فخلال الأشهر الأخيرة، عقدت إدارة أوباما اجتماعات متعددة لكبار المستشارين قصد مناقشة موضوع السودان، وأوفدت مبعوثاً إلى المنطقة أكثر من 20 مرة، وعرضت على الخرطوم حزمة من الجزرات والعصي بهدف تجنب العنف. وإذا كانت الإدارة ترفض التعامل بشكل مباشر مع البشير، فإن المسؤولين الأميركيين استعانوا بالرئيس المصري وجيران السودان لإرسال رسالة قوية مفادها أن الاستفتاء يجب أن يجرى بشكل سلمي وفي موعده.
وفي هذا السياق، قالت لي "سامنتا باور" في حوار معها "هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها الحكومة الأميركية تسخِّّر كل هذا الكم من الموارد لتجنب العنف قبل أن يحدث بدلاً من الرد عليه بعد حدوثه". ويذكر هنا أن باور – التي رصد كتابها الصادر في 2002 بعنوان "مشكلة من الجحيم" فشلَ العالم في التعاطي مع جرائم الإبادة الجماعية في القرن العشرين والمذابح الجماعية من أرمينيا والمحرقة اليهودية ورواندا والبوسنة – هي مستشارة لأوباما حاليا.
غير أن هذه الجهود والموارد قد لا تكون كافية، صحيح أن العالم يراقب ما يجري: فإضافة إلى حملة واشنطن الدبلوماسية، يحاول الاتحاد الأفريقي رعاية جهود السلام؛ والدول الأوروبية تبعث مساعدات اقتصادية؛ و10 آلاف جندي من قوات حفظ السلام يوجدون في جنوب السودان لمراقبة الوضع. ولكن الوضع المحزن أن المجتمع الدولي، ورغم انخراطه القوي، قد يعجز عن تجنب أعمال عنف جماعية خلال الأشهر أو الأعوام المقبلة.
والواقع أنه ليس ثمة تقريباً حد للسيناريوهات المحتملة التي يمكن أن تؤدي إلى تجدد القتال في السودان: انقلاب، أو تطور نزاع حول مناطق رعي الماشية إلى عنف قبلي، أواتخاذ قائد ميليشيا منشقة قراراً ببدء حرب جديدة في منطقة حدودية هشة، إلخ... وأغلب المؤشرات تشير إلى أن التوترات الإثنية والاقتصادية، واستعداد الزعماء السياسيين للتلاعب بها، وإمكانية الحصول على الأسلحة بسهولة ، ستستمر في جعل البلاد عرضة لإمكانية اندلاع أعمال عنف.
ومما لا شك فيه أن تجنب مثل هذا العنف عبر السبل الدبلوماسية، مثلما تسعى إلى ذلك إدارة أوباما، مفضل على التعاطي معه لاحقا – ولكن الخيارات قد تكون محدودة. ذلك أن الدبلوماسية يمكن أن تكون فعالة فقط عندما تكون مرفوقة برغبة في التحرك في حال فشل جهود الوقاية. وهنا، تقدم تركة لنا أماكن مثل رواندا والبوسنة خلاصة غير مشجعة مؤداها أنه من الصعب الوثوق في أن يكون العالم مستعداً أو قادراً على التدخل لوقف مذبحة جماعية في السودان، وخاصة في الأشهر التي تلي الاستفتاء، عندما سيقل الاهتمام العالمي لا محالة.
ثم إنه من غير الواضح تماماً أن رد فعل مجلس الأمن الدولي على أزمة مازالت تتفاعل سيكون سريعاً، ومعظم الخبراء يتفقون على أن القوات الأممية في السودان لن تكون ذات جدوى كبيرة في حال اندلاع فظاعات. والأكيد أن الولايات المتحدة لديها القدرة على التدخل في السودان عسكرياً، ولكن بعد 10 سنوات من الحرب في أفغانستان والعراق، هل ستكون لديها الإرادة للقيام بذلك، وهل ستكون فعالة فيه؟
إن إدارة أوباما تضم مسؤولين كباراً - نائب الرئيس بايدن، والسفيرة الأميركية إلى الأمم المتحدة سوزان رايس، ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون - يدركون عواقب عدم التحرك من خلال التجارب السابقة. ولذلك، فإن الإدارة تركز حالياً على تلافي الأسوأ؛ حيث ينكب مسؤولون أميركيون على دراسة حالات طوارئ إنسانية محتملة منذ أشهر، كما قام البيت الأبيض بتعيين مدير معني بجرائم الحرب والفظاعات تتمثل مهمته في دفع البيروقراطيين إلى معالجة الأزمات مثل السودان.
غير أن الوضع يظل خطيراً للغاية. فمثلما تشهد على ذلك أمثلة الهند وبنجلاديش ويوغسلافيا السابقة، فإن تقسيم الدول أو تفككها كان في أحيان كثيرة دموياً للغاية بالنسبة للمدنيين. ومن خلال حواراتي مع عشرات الأشخاص في الجنوب، وجدت أن ثمة أملاً حقيقياً بشأن المستقبل ممتزجاً مع إدراك واع بالأخطار المستقبلية: ففي نهاية المطاف، الجميع تقريباً عانوا من أوقات عصيبة جداً خلال الحرب الأهلية؛ وهم غير واثقين من أنهم يستطيعون الاعتماد على العالم لمنع التاريخ من أن يعيد نفسه. كما يرون أن الهجمات وأعمال النهب التي وقعت في جنوب السودان، قبل أن تصبح دارفور معروفة في الغرب بفترة طويلة، لم تحظ باهتمام حقيقي من قبل الحكومات والشعوب الأخرى.
"جوي كويي يول"، مفوض سياسي في مقاطعة أكوبو في الجنوب، يتذكر جيداً صمت المجتمع الدولي عندما وقعت أعمال عنف جماعية ببلاده في الثمانينيات والتسعينيات، فحصدت أرواح أكثر من مليوني شخص وتسببت في نزوح 4 ملايين شخص، إذ قال لي إن العنف كان "قوياً جداً حيث قُتل الكثير من الناس حتى قبل أن يعلم العالم بشأن ما وقع".

مايكل أبراموفيتش
مدير "لجنة الضمير" الرامية لتجنب الإبادة الجماعية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس"

اقرأ أيضا