صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

«سبِكتاتور»: قطر تطبق نظام «الفصل العنصري» بحق العمالة الوافدة

دينا محمود (لندن)

«العمال المهاجرون في قطر يعانون من فصل عنصري»، وصفٌ مدوٍ أطلقته مجلة «سبِكتاتور» البريطانية المرموقة على ما تخضع له العمالة الوافدة، التي شاء لها حظها العاثر الذهاب للبحث عن مستقبلٍ أفضل في الدويلة المعزولة، فلم تلق هناك إلا انتهاك حقوقها، وربما فقدان حياتها في نهاية المطاف كذلك.
ففي مقالٍ شديد اللهجة للكاتب البريطاني «نيك كوهِن»، أبرزت المجلة الأسبوعية العريقة - التي أُسِست عام 1828 - الوضع المهين الذي يعاني منه العمال الأجانب الموجودون في الأراضي القطرية، في ضوء أنهم يُعاملون كفئة دُنيا.
واتهم الكاتب الدويلة المعزولة - المنبوذة عربياً وإقليمياً في الوقت الراهن - بأنها «تسعى باستماتة لتعزيز مكانتها»، ويستعرض في هذا الشأن تبديد حكامها أموالهم على أنشطةٍ رياضية في الظاهر بهدف تحقيق مآرب سياسية، من خلال إتباع أساليب التلاعب والرشوة ومحاولات شراء الذمم، قائلاً إن السعي لتحقيق هذا الهدف هو ما دفع النظام القطري إلى «الإنفاق بسخاء على الاستحواذ على بطولة كأس العالم لكرة القدم، وشراء فريق باريس سان جيرمان» الفرنسي.
وفي فضحٍ من جانبه للازدواجية المزمنة التي تتسم بها السياسات القطرية، قال كوهِن إن النظام القطري روج لـ «إدخال إصلاحاتٍ» على قوانين العمل لديه، يندرج في إطار محاولات الدوحة لـ«تغيير صورتها» القبيحة على الساحة الدولية، دون أن يغفل التأكيد على فشل مثل هذه المحاولات قائلاً إن التغييرات التي أُدْخِلت على قوانين العمل القطرية كانت «في نهاية المطاف تجميليةً أكثر منها حقيقية وفعلية».
ويستشهد الكاتب هنا بما قالته منظمات حقوقية بارزة من أن العمال المهاجرين «لا يزالون يخضعون لسيطرة أرباب عملهم» القطريين. وينسب المقال إلى هذه المنظمات قولها: «يدفع العمال (الأجانب) عادةً رسوم توظيف باهظة. ويتحكم أرباب العمل بانتظام في جوازات سفر العمال عندما يصلون إلى قطر. ويشكو كثير من العمال من أنهم لا يحصلون على رواتبهم في مواعيدها، وأحياناً لا يحصلون عليها على الإطلاق».
وفي تجسيدٍ للأوضاع البائسة التي تكابدها العمالة الوافدة في قطر، قال الكاتب البريطاني، إنه أراد ذات مرة وصف أحوالهم بالقول إنهم «أشبه بطبقة العبيد في أسبرطة القديمة».
ويتطرق كوهِن في مقاله إلى حالات الوفيات الكثيرة والمروعة التي تقع في صفوف العمال المهاجرين المشاركين في تشييد المنشآت التي يُفترض أن تستضيف مونديال 2022، وغالبيتها الساحقة من العمال القادمين من دول آسيوية فقيرة مثل بنجلاديش ونيبال، بجانب استثناءات لا تُذكر لغربيين، مثل حالة العامل البريطاني «زاكري كوكس» الذي لقي حتفه مطلع العام الماضي، لدى مشاركته في مشروعٍ لتجديد استاد خليفة الدولي في الدوحة.
واعتبر الكاتب أن وفاة كوكس (40 عاماً) تشكل أكثر من مجرد حادث مروع وقع خلال العمل لشخصٍ ما، وإنما هي «تشبيه يُصوِّر عالم الرياضة المعاصرة، ونطاق الفساد الذي تنطوي عليه»، في إيماءةٍ - على ما يبدو - إلى التورط المستمر للنظام القطري في ممارسات تلاعب واحتيال لكي يحقق لنفسه مكانةً مزعومة على الساحتين الرياضية والسياسية الدولية.
ومما يعزز هذا الاحتمال، الاتهام الصريح الذي يوجهه نيك كوهِن لحكام الدوحة بعدم الاكتراث بوفاة العمال الأجانب على الأراضي القطرية مثلما تبين من طريقة تعاملها مع واقعة مقتل كوكس، الذي هوى من ارتفاع 40 متراً خلال مشاركته في عمليات الإصلاح والتجديد المكثفة التي يشهدها ملعب خليفة، لكي يتسنى له استضافة عددٍ من لقاءات المونديال في نسخته بعد القادمة.
ويسوق الكاتب البريطاني العديد من الأدلة التي تثبت هذه اللامبالاة الصارخة، من بينها عدم تقديم الشركة - التي تتولى عمليات التشييد الجارية في هذا الملعب - تقريراً أعدته بشأن هذا الحادث المأساوي إلى أسرة القتيل، رغم أنه انتهت منه بعد 11 يوماً فحسب من وقوعه.
وفي اتهامٍ خطير آخر للسلطات القطرية حول الحادث نفسه، يشدد كوهِن على أن هذه السلطات «قررت إلقاء اللوم في ما حدث (فيه) على رجلٍ برئ، لتعتقل جراهام فينس وهو صديقٌ لكوكس وزميلٌ له في موقع العمل، إذ اتهمته بالإهمال وهددته بالسجن لفترة تصل في أقصاها إلى ثلاث سنوات».
ويحرص الكاتب على فضح الأسباب الحقيقية التي حدت بالنظام القطري إلى محاولة طمس الأدلة المتعلقة بمقتل العامل البريطاني وتوريط زميل له في القضية، قائلاً إن «حرص القطريين» على ذلك يرجع إلى ما خلص له التحقيق الذي أجراه الطب الشرعي في المملكة المتحدة في الواقعة، من أن الحادث نجم عن الاستعانة بأدواتٍ معيبة وغير مطابقة للمواصفات، وهو ما يعني أن «الملاعب التي ستستضيف مباريات كأس العالم في قطر تُشيّد باستخدام معداتٍ دون المستوى المطلوب، بأمرٍ من مديرين يُفترض أنهم على علم بمخاطر بيئة العمل الخطرة» للغاية، التي تجري في إطارها عمليات الإنشاء.
وبطبيعة الحال، لا يغفل كوهِن الإشارة إلى أن كوكس ليس الضحية الوحيدة لـ«إمارة السخرة والاسترقاق»، مؤكداً أن الارتفاع الشديد في درجات الحرارة وتفاقم معدلات الرطوبة في قطر يؤديان إلى «مقتل عشرات عمال البناء» الأجانب هناك.
وفي ما يشبه دعوةً ضمنيةً لعشاق الساحرة المستديرة في مختلف أنحاء العالم لمقاطعة المونديال القطري المشبوه الذي يقول المقال إنه يستند إلى «أسسِ فاسدة»، يتساءل الكاتب البريطاني عما سيكون عليه رد فعل مشجعي كرة القدم عندما تبدأ هذه البطولة بعد أقل من خمس سنوات، في ضوء ما يحيط بها من ملابساتٍ، سواء على صعيد الكيفية التي جرى من خلالها إسناد تنظيمها إلى الدويلة المعزولة، أو ما شهدته عمليات تشييد المرافق الخاصة بها، من انتهاكاتٍ سافرة لحقوق العمال وتهديد خطيرٍ لحياتهم.
ويأتي هذا المقال في ظل استمرار عاصفة الغضب الشديد التي عمت أوساطاً متعددة في المملكة المتحدة، بعد الكشف أواخر الشهر الماضي عن تقرير الطب الشرعي بشأن وفاة كوكس، والذي أثار مطالباتٍ بريطانية للاتحاد الدولي لكرة القدم الـ«فيفا» للتدخل لضمان حقوق العمال الأجانب في الدويلة المعزولة، لا سيما وأن على عاتق الاتحاد - الذي يحقق أرباحاً كبيرة من بطولات كأس العالم - مسؤولية الضغط على السلطات القطرية لضمان إجراء تحقيقٍ سريعٍ وشامل وشفاف في الوفيات التي تقع بين العمال الذين يلقون حتفهم خلال مشاركتهم في تهيئة البنية التحتية الضرورية لإقامة مونديال 2022.
وقد حذرت وسائل إعلام بريطانية بارزة من إمكانية تصاعد عدد الوفيات التي تُسجل في صفوف العمالة الوافدة إلى قطر خلال الشهور القليلة المقبلة.