الاتحاد

الملحق الثقافي

كتابة مستأنفة..

عبد السلام بنعبد العالي

«لولا أن الكلام يعاد لنفد»
علي بن أبي طالب

«أعتقد أن ما يحدث في عالمنا الحاضر، والذي يصدمنا بجدته، إنما هو في الحقيقة اتصال بشيء قديم جدّاً كان خفيّاً... وأعتقد أنه علينا أن نحتفظ بتوكيدين متناقضين في الوقت ذاته: إذ نؤكد وجود الانفجارات من جهة، ومن جهة أخرى نؤكد أن هذه الانفجارات تولد الفجوات أو الأخطاء التي يمكن أن يظهر فيها كل الأرشيف المنسي والخفي، وأنها تتكرر وتتواصل عبر التاريخ».
قال جاك دريدا: عاتبني صاحبي.. أراك تطرق الموضوعات نفسها، وتقترح العناوين عينها، وتلوك العبارات ذاتها.
أهو شحّ الكتابة وفقر الواقع وانسداد الآفاق، أم هي قلّة ما يقال؟ لم أستطع أن أنفي مؤاخذة صاحبي تمام النّفي، ولا أن أفنّد ملاحظاته، خصوصاً تلك التي تتعلق بانسداد الآفاق، إلا أنّني أحسست، رغم ذلك، بأنّها تصدر عن مفهوم معيّن عن الكتابة، ربما لم يعد له مكان في الشعرية المعاصرة، بمقتضاه تغدو هاته فضاء منغلقاً ينطوي على إجابات حاسمة تحيط بالإشكال من جميع جوانبه، وتطرق الموضوع في جميع أبعاده فتترعرع داخل زمانية متناهية محدودة الآفاق.
ورغم ذلك، فلم أملك إلا أن أعترف أنني سبق بالفعل أن كتبت في الموضوع نفسه، بل تحت العنوان عينه أكثر من مرة، وأنني طالما عدت إلى عباراتي أنقّح ألفاظها وأحدّد معانيها، وإلى اقتباساتي أستثمرها شتّى أنواع الاستثمار، وإلى ترجماتي أعيد صياغتها وأدقّق ألفاظها وأنقّح عباراتها.
غير أن كلّ هذا لم يتمّ أساساً حبّاً في التّكرار ولا اكتفاءً بالاجترار، أكثر مما كان إحساساً بأن ما قيل ما زال في حاجة إلى إعادة قول، وأن الكتابة طريق مفتوح من جانبيه، فهي امتداد لما سبق، وهي، في الوقت ذاته، انفتاح لا متناه على المستقبل، وذلك ليس لأنّ الأجوبة تظل بالضّرورة غير مستوفية، ولا لأن الأسئلة تظل معلّقة فحسب، بل لأن أغلبها يبقى متوارياً، فهي ما تفتأ تُوَلّد، وهي لن تكشف عن نفسها إلا عبر القول وإعادة القول. أُدرِك تمام الإدراك أن من شأن هذا أن يوحي للقارئ بنوع من الاجترار، وهنا أتفهّم مؤاخذات صاحبي تمام التفهّم.
وربما لا يكفي أن نردّ عليها بالقول مع نيتشه بأن الاجترار هو فنّ التفكير بلا منازع، إذ يلزم أن نضيف، ومع نيتشه أيضاً، بأن التفكير هو الرجوع القهقرى والعودة إلى ما سبق أن قيل.
على هذا النحو تغدو كل كتابة بالضرورة «كتابة مستأنفة»، وهي لا بدّ أن تتمخض عن اقتناع بأن ما سبق أن كتب لم يستوفِ ولن يستوفي الإشكال المطروق، وأن هناك دائماً ضرورة للعودة، وفي هذه الحال يكون التّكرار مولّداً لمعانٍ مغايرة.
وهنا لن يكون الاحتفاظ بالعنوان ذاته إلاّ وسيلة لإشعار القارئ بأن ما سبق أن قيل لم يستوف الموضوع حقه، وبأن كل كتابة هي استئناف لما سبق، وأن كل «الأشياء سبق الحديث عنها». هذه الحركية، وهذا السّيل المستأنف يحول بيننا وأن نطرق الموضوع «دفعة واحدة».
يستعمل الفرنسيون في هذا المعنى عبارة: une fois pour toutes، وهي العبارة التي سبق لجاك دريدا أن وقف عندها قائلاً: «وقعت مؤخراً في عشق هذه العبارة الفرنسية التي لا أعتقد أن بإمكانها أن تُنقل إلى لغة أخرى، وهي تدل بكيفية شديدة الاختصار، على الحدث المتفرد غير القابل للرجوع القهقرى لما لا يحدث إلا مرة واحدة، ولما لن يتكرر بالتالي، إلا أنّها تفتح في الوقت ذاته الآفاق لكل البدائل والكنايات التي من شأنها أن تجرّ الحدث خارجاً.
فسواء شئنا أم أبينا، فإن اللامتوقع لا بدّ أن ينبثق من خلال تعدّد التكرارات.
من شأن كل هذا أن يقضي على التقابل المبسّط بين التقليد والتجدّد، بين الذّاكرة والمستقبل، بين الإصلاح والثّورة».
هنا، وكما يؤكد دريدا نفسه: «لا تعارض بين التكرار وجِدَّة ما يخالف. فهناك دوماً اختلاف يحيد بالتكرار نحو منحى آخر، وذلك بطريقة جانبية مضمرة.
أطلق على ذلك لفظ itérabilité أي انبثاق الآخر (من السانسكريتية itara) في عملية الاستعادة والترديد».
ليس التكرار إذن مجرد إعادة القول، لأنه يحشر المعاني ضمن دينامية «المباينة» Différance فتصبح مرجأة تتوالد «على التراخي»، وتغدو «في بعد دائم عن نفسها»، وهنا لا يمكن للكتابة إلا أن تكون «كتابة مستأنفة»، ولا يمكن للتجديد إلا أن ينبثق من عمق التقليد، ليردّ إلى التقليد غناه وثراءه، ويسمح لنا بأن نردّد القول و«أن نقوله مرة أخرى أوَّل مرة».

اقرأ أيضا