الاتحاد

تقارير

وعلى الأرض السلام

تأتي احتفالات الذكرى الثالثة لتوقيع اتفاقية السلام الشامل في التاسع من يناير -بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والحكومة السودانية- وسط أجواء ونذر خطيرة، تكاد تفسد إحساس البهجة بهذا الحدث التاريخي، الذي يفترض أنه قد وضع حدا وإلى الأبد لحرب مدمرة، عانى وما يزال ويلاتها الشعب السوداني في الجنوب والشمال· تلك الحرب التي اشتعلت شرارتها الأولى بتمرد بعض فصائل ما كان يعرف سابقا بـ''القيادة الجنوبية لقوة دفاع السودان'' في مركز الرئاسة بمدينة ''توريت'' جنوبي السودان عام ،1955 وذلك قبيل اتفاق السودانيين القومي على استقلال بلادهم ببضعة أشهر·
تلك الشرارة التي انطلقت ولم يتمكن مشعلوها من تحريك بقية فرق القيادة الجنوبية، كانت نذيرا للقيادة السياسية السودانية المتمترسة في الخرطوم، لم تحسن الاستماع إليه جيدا، ومن ثم ركنت إلى تحليلات سطحية بسطت الأمر الخطير بالقول: إنه مجرد تمرد قام به نفر محدود من جنود خدعتهم الدعاية المضللة التي تبثها وسطهم بعض ''الجهات الأجنبية'' التي جعلت مهمتها الأولى فصل ''الجنوب عن الشمال''، وهو الخط الذي سار عليه الإعلام الرسمي والمعارض، وبالتالي واعتمادا على هذا الرأي تركت القيادة الوطنية السياسية ''مهمة إخماد التمرد'' للقيادة العسكرية التي لم يكن قد اكتمل عام على تسلمها قيادة قوة دفاع السودان (الجيش السوداني ثم القوات المسلحة لاحقا) من القائد العام البريطاني·
هكذا وكما أثبتت تطورات الأحداث، انطلقت حركة التمرد العسكري من مدينة ''توريت'' لتشعل فيما بعد أطول حرب أهلية شهدتها القارة الأفريقية، إذ استمرت تطوراتها الدرامية والدموية لنصف قرن من الزمان، تعرض فيها البلد وأهله لصنوف من الإنهاك وأشكال من الممارسات اللاإنسانية التي دمرت كثيرا من القيم التي يعتز بها السودانيون وأحدثت شرخا في جدار النسيج الاجتماعي؛ وهكذا استشرى لهيب ذلك ''التمرد المحدود '' لتشمل آثاره المدمرة كافة ربوع السودان الشاسعة، بل من آثار تلك الحرب الملعونة، أنها أيقظت النعرات القبلية وما يصاحبها من عنجهية وتكبر وعنصرية، دفعت البعض إلى أن ينكر على الآخر المختلف قيمته الانسانية، وعادت بالسودان الذي كان رواده الاوائل من الطبقة المستنيرة ''الخريجون'' يدعون قومهم للتخلي عن العنصرية القبلية في ثلاثينيات القرن الماضي، بل كانوا يرفضون أن يكتبوا في شهادات ميلاد أطفالهم اسم القبيلة التي ينتمون إليها ويكتبون في مكانها (سوداني)·
لكل ذلك وغيره كثير، فعندما صدر نداء السلام من ''نيفاشا'' الكينية وتم توقيع اتفاقية السلام، عمت الفرحة كل بيت سوداني وأزاح عن كاهلهم كابوسا ظل يخيم على حياتهم قد آن له أن يرحل والى الأبد؛ إحساس المواطن العادي بإنهاء الحرب لم تفسده عليه ما عرفه من مآخذ وعيوب في اتفاقية السلام، فبوعيه التاريخي كان يعرف أن ما هو ناقص في تلك الاتفاقية، يمكن تداركه بالجهد والعمل السياسي السلمي الصبور، لأن قضية إحلال السلام على الأرض هي الأهم، وهي التي ستفتح الطريق -رغم وعورته لاستعادة الديمقراطية وتحقيق العدل، ومن دونهما لن يخرج السودان أبدا من النفق المظلم الذي أدخلته فيه الحرب اللعينة· طريق السلام الذي يحتفل السودان بذكراه اليوم ليس مفروشا بالورد، إنه طريق السير فيه أكثر مشقة من السير على طريق الحرب، ولكن في نهاية الأمر، فإن الشعب الذي اكتوى بنيران الحرب هو الذي بقوة ووحدة إرادته، سيجعل السلام واقعا على الارض، يعيشه الناس برغم أجواء الغيوم التي تظلل سماوات السودان·

اقرأ أيضا