الاتحاد

الملحق الثقافي

المنفى في قلب الضّياء

ديميتريس كرانيوتيس
ترجمة - أحمد حميدة

«يبدأ الشّعر حيث لا يكون للموت الكلمة الأخيرة»
(إيليتيس)



إنّ الابن الذي قد يتحدّر من اقتران سافو (شاعرة لسبوس) ببول إيلوار، يمكن أن يكون أوديسّوس إيليتيس. غير أنّ إيليتيس هو أكثر من ذلك بكثير، فخياله السّاطع والمعقّد لا يزال يحوّم فوق اليونان، وكلماته التي تنهل من معين صاف، لا تزال تغمر بطراوتها كلّ المترحّلين في دروب الشّعر. بعض من نصوصه تظلّ محلّ تحليل معمّق من قبل الدّارسين، إذ هي في تلمّسها للمعنى تحيل على أكثر من تأويل. وحين نلج بعض تلك النّصوص، ينتابنا إحساس بالرّهبة، كما لوكنّا على وشك الدّخول إلى كاتدرائيّة. أحياناً ما نشرد في متاهاتها، مأخوذين بالمدّ السّاحر لتقلّباته، وبالمشتبه من كلماته. فكم كان يودّ العثور على الوجه الحقيقي لليونان، الذي لا يتعرّف عليه بيسر، بعض القرّاء اليونانيّين، ممّن ينشدون الصّور الشّائعة، لخلوّ نَفَس إيليتيس التّجديديّ من كلّ توشية أو تزويق زائف.
فهل بإمكاننا الإقرار بأنّ التّماثيل القديمة كانت مطليّة بطريقة فجّة.. قبيحة، لا بذلك الأبيض النّاصع النّقاوة.. الذي يُقدّم لنا؟
لذلك فإنّ سيفريس بقدر ما يحظى بالإعجاب، بقدر ما يظلّ أحياناً محلّ جدل. فسيفريس وكفافي، بجلاء كتاباتهم ووضوحها، لا يطرحون مثل هذه الإشكاليّات، فيما يستعمل إيليتيس مِشرط الواقع، وإضاءة رموز متحدّرة من حضارات أزمنة غابرة. إنّه رجل العقل، الشّغوف بالعلوم، ولكن تلك العلوم التي تكون قد مرّت عبر المصفاة المطلقة للخيال. وهو أيضاً الرجل التّائق للكونيّ.
عبر «ميتافيزيائه الشّمسيّة» وأنواره المنبثقة من أمواج بحر إيجه، وبشرة الصبيّات، كان يلهث وراء الفردوس المفقود للجمال، ولكنه كان يبحث أيضاً عن سيمفونيّة حقيقيّة، على غرار غوستاف ماهلر في سمفونيّته الثالثة الذي انطلق من الطّبيعة ليجعل الكواكب تدور.
في اليونان يتموضع السرّ في قلب الضّياء، فيما ينطوي هذا السرّ في الظّلمة في بلدان الغرب، وإيليتيس هو ذلك الذي أسَرَ السرّ في رحم الضّياء.
فهو يعرّف الشّعر بكلّ بساطة، قائلاً: «الشّعر هو فنّ الاقتراب ممّا يتجاوزنا». ولن تكون جميع أعماله سوى رسم لمسالك تفضي إلى ذلك الجزء المغمور فينا، والتي تحاول لغة غريبة ترجمة علاماته السريّة.
ليس من السّهل تماماً قراءة إيليتيس، إذ تظلّ كتابته غالباً، صعبة ومغلقة، وأحياناً تصبح قراءته تفكيكاً لرموز كلمات خبيئة، كلمات عبور نحو بوّابات أخرى تفضي إلى ما هو جوهريّ في القدر الإنسانيّ.
يبدو الرّجل كما لو أنّه يرسم على شواطئ الحياة، كلمات سرعان ما تمحوها مياه البحر، لتظلّ محفورة في ذاكرة هذا البحر الذي طواها.
وتلك النّهضة، بمعنى النّهضة في نهاية العصر الوسيط، التي كانت تنشد استلهام إرث العالم الإغريقيّ، لن تقوده إلى كلاسيكيّة مجمّدة، وهو رجل الصّور الأكثر جموحاً وهوساً. لقد كان رجل زمنه وشاعراً متمرّداً.

مقام إيليتيس
قبل حصوله على جائزة نوبل للآداب سنة 1979، لم يكن إيليتيس معروفاً خارج بيت ميلاده.. اليونان. وهو إلى حدّ اليوم، الكاتب اليونانيّ الثّاني والأخير الذي يحصل على هذه الجائزة، وبالتّالي على مثل هذا الاعتراف. وقد أسندت له نوبل «لارتكاز شعره على الإرث الإغريقيّ، للزّخم العاطفي الذي يثيره ذلك الشّعر، ولعمق صفائه في تناول قدر الإنسان المعاصر». أما الفضل في جعل إيليتيس معروفاً في بلده فهو كتابه الشّعريّ الكبير «أكسيون إيستي» أي (نشيد ثناء) «الكتاب الصّرح» كما ينعته أفضل مهرّبيه إلى اللّغة الفرنسيّة.. كسافييه بورداس.
هذا النّشيد الطّقوسيّ، المبنيّ على طراز الصلوات العتيقة، بمزاميره وتراتيله وتضرّعاته، سوف يمجّده الشّيوعيّ ميكيس ثيودوراكيس الذي أدرك الرّسالة الكونيّة التي ينطوي عليها هذا النصّ المؤسّس للشّعر الإغريقيّ الحديث الذي يلامس فيه إيليتيس الكونيّ، وهو المبحر «في المركب الجامح لليونان»، وكان يقول في هذا الصّدد أنّه يريد «الثّأر للأحلام».
غير أنّ شهرة إيليتيس تبقى حديثة، فحتّى سنة 1948، لم تنشر له خارج اليونان سوى قصيدة وحيدة. ومعرفة إيليتيس، أو بالأحرى الاعتراف به، في «وطنه الثّاني» فرنسا، مردّه خاصّة إلى المطربة أنجيليك إيوناتوس التي جعلت هذه اللّغة الرّائعة والرّهيبة في آن، التي كتب بها إيليتيس أشعاره، تطقطق حدّ أعماقنا السّحيقة.
و... إيليتيس هو قبل كلّ شيء.. رجل لغة:

من بين اللّغات.. وهبت اللّغة اليونانيّة لأتحدّث بها
إنّها بيتي المتواضع على الشّواطئ الرّمليّة لهوميروس
وهاجسي الوحيد هو أن أجعل منها على تلك الشّواطئ
سمكة القاروس وسمكة ذنب البحر
أن أدع الكلمات عرضة لجلد الرّياح
وأخْضَر التيّارات المزْرَوْرِقة
وكلّ ما رأيته متوهّجاً في أحشائي
إسفنجات، قناديل البحر
ورخويّات ورديّة بارتجافاتها المبهمة الأولى.

من ذلك الملجأ البائس سوف يشيد إيليتيس بيتاً مستعراً ينبعث منه الضّياء، وسوف يأوي إليه بحر إيجه ليسترخي بداخله. إنّه موصول مشيميّاً باللّغة اليونانيّة، بالبحر المتفيّض من داخلها، وبالضّياء المتدفّق منها: «إنّي ترجمان الضّياء والصّفاء». فكلماته ومفرداته التي «تنبض في وجه الرّيح» تنسكب فوق اللاّزورد. ومعه.. لن يكون الشّاعر هو الذي يتشكّل في العالم، وإنّما العالم هو الذي يتشكّل في الشّاعر.
ولكنّه أيضاً رجل متمرّد، يطلق عواصف كلماته مدمدمة في وجه اللّغة اليونانيّة.
ولطالما تساءل مثل هولدرلين: «أيّ جدوى للشّعراء في هذه الأزمنة المعتّمة والمتجهّمة؟»
وكانت له هذه الإجابة: أن نشهد في الوقت ذاته الأسرار والضياء. وهو يرى أنّ «الشّعر هو الفضاء الوحيد الذي تغدو فيه سلطة الأرقام بلا فائدة». فلا جدوى للشّعر غير أنّه يجعلنا نعيش.. نعيش بملء صفائنا.
إنه رجل قِيَمٍ.. منتصب بملء قامته.. وينبغي لنا أن نلتقي كلماته، وهو الذي صاح قائلاً: «الفردوس ليس حنيناً ولا مكافأة، وإنّما حقّ».

مدار إيليتيس
انتحل اسم أوديسّوس إيليتيس، فيما كان اسمه الحقيقيّ أوديسّوس ألبيوديليس، اسم بحّار تائه، حكيم منبوذ، أطلقه عليه والداه: بناجيوتيس أليبودوليس وماريا فنّا. والجزء الثاني الذي تخيّره يحيل على مفاهيم أخرى حسب المختصّين في اللّغة الهيلينيّة، إذ تمتزج فيه إشارات كثيرة إلى بلاد الإغريق القديمة، إلى الأمل، إلى غريزة الحبّ وإلى البطل، إلى هيلين طروادة.. خاصّة إلى الحريّة. إذن لم يكن اسماً فحسب، وإنّما إعلان.. مبدأ عقدي.
ولد في هيراكليون بكريت في 2 نوفمبر 1911 – كما نيكوس كزانتزاكيس –، في أخدود عظيم وقديم يمتدّ من لسبوس، جزيرة سافو. آخر الأبناء الستّة للعائلة، أمضى إليتيس طفولته وشبابه على شواطئ بحر إيجه.
ثمّ انتقلت العائلة لتستقرّ بأثينا، حيث بدأ إيليتيس دراسة الحقوق، ليعمل بشكل مواز في مصنع الزّيوت والصّابون الذي افتتحته العائلة هناك. وحينها، وكغيره من شباب جيله، اكتشف السّورياليّة، وأصدر سنة 1935 ديوانه الشعريّ الأوّل، بتحفيز من جورج سيفيريس. ثمّ كانت الحرب العالميّة الثّانية واحتلال الألمان لليونان، فالتحق سيفيريس حينها بالمقاومة. ثمّ شغل رتبة رقيب في الحرب ضدّ ألبانيا ما بين 1940 و1941.
وكانت التّجربة المريرة للحرب ضدّ ألبانيا، ومشاهد العنف والموت، قد خلّفت بداخله جرحاً بالغاً لن تلملمه الأيّام أبداً، وسوف تغيّر رؤيته «الديونيسيّة» للعالم.
«لقد غدا العالم مجالاً للقهر، ونحن بداخله نحاول فقط البقاء على قيد الحياة، ومع ذلك يظلّ على الأرض ما يستحقّ الحياة».
وبعد مشاركته في تحرير بلده، انصرف إلى النّشاط الأدبي، فأصدر عديد الدّواوين وتولّى مهمّة تسيير الإذاعة الوطنيّة والمسرح. ومتجنّباً الحرب الأهليّة الطّاحنة التي باتت تمزّق بلده، سافر سنة 1948 إلى باريس، حيث أصبح صديقاً لبيكاسّو، ماتّيس، جياكوميتّي، إيلوار، ريفردي، شار.
وفي سنة 1953 عاد إلى اليونان، حيث تولّى مسؤوليّات ثقافيّة عديدة، وأثمرت فترة صمته المديدة نشره ديوان «أكسيون إيستي» الذي صدر سنة 1959، ديوان حمله بداخله على امتداد أربع عشرة سنة، والذي سيكون صدوره حدثاً مدوّياً في اليونان. كلّ التّاريخ الماضي والمستقبليّ يتجمّع بهذا الدّيوان. وهذا الخليط من النّشيد الوطني على طريقة والت وايتمان ومن الطّقوس التعبّديّة البيزنطيّة، سوف يعتبر عملاً مؤسّساً للشّعر اليونانيّ الحديث، أو ما يشبه إنجيلاً حديداً.
وأمام انقلاب 1967، سيُدفع إيليتيس مرّة أخرى إلى حياة المنفى، ليستقرّ بفرنسا إلى غاية 1972.
مُؤثِراً حياة الوحدة، معرضاً عن الزّواج، انغلق إيليتيس على نفسه بأثينا إلى غاية وفاته على إثر نوبة قلبيّة في 18 مارس 1996، بعد أن كابد المرض لسنوات.
ولم يخل هذا المنشد للشّمس من زوايا مظلمة.

مفهوم الشّعر عند إليتيس
«الشّعر عندي، شبيه بمعين من البراءة مترع بقوى ثوريّة. مهمّتي، هي أن أركّز تلك القوى على عالم لا يقبل إحساسي، بشكل يجعلني، وعبر تحوّلات متتابعة، أحمل إلى العالم، التّناغم الحقيقيّ لأحلامي. وأعود في ذلك إلى ما يشبه السّحر الحديث، الذي تؤدّي آليته إلى اكتشاف حقيقتنا الجوهريّة. لذلك أعتقد، بشيء من المثاليّة، أنّني أسير نحو وجهة لم يبلغها أحد البتّة. إنّي لأطمح إلى الظّفر بحريّة متحرّرة من كلّ قيد، وعدلاً قد نرى فيه الضياء المطلق» (أثينا، مارس 1972).
وكان إيليتيس يرفض دائماً أن يُنظر إليه على أنّه ابن للسرّياليّة الفرنسيّة ولبلاد الإغريق العتيقة، أو نتاج تفاعل بين سطوة بحر إيجه في حياته ومعاشرته لبول إيليوار وأندريه بروتّون. لقد رفض إيليتيس هذا الخلط بشدّة وعلّل ذلك في أكثر من مناسبة:
«يقولون أنّي شاعر ديونيسي، خاصّة في بداياتي، وأنا لا أعتقد ذلك، أنا أنشد في كتاباتي الوضوح والصّفاء، وقد كتبت ذلك في إحدى قصائدي: (لقد بذلت نفسي من أجل الصّفاء)، ولي موقف نقديّ تجاه العقلانيّة الغربيّة، كما أنّي مرتاب من اتّباعيّتها، وأعتبر أنّ الثّغرة التي أحدثتها السّورياليّة، قد أفسحت المجال لتحرّر حقيقيّ على مستوى الانفعالات العاطفيّة وعلى مستوى الخيال. ولكنّني لم أكن يوماً من أتباع المدرسة السّورياليّة، لأنّي أحمل مكوّنات وراثيّة خاصّة بي في الإضاءة الخاصّة باليونان. الغرب يهتدي إلى الأسرار في الظّلمة، أمّا نحن اليونانيّون، فإنّنا نعثر عليها في قلب الضّياء».
وفي الواقع، أنّ هذا الأمر ليس بالبداهة التي يعلنها إيليتيس، إذ سيصرّح بعد ذلك، أنّ السّرياليّة مكّنته من «التغلّب على فزعه الطّبيعيّ». ويقينا أن الأمر أوشج من ذلك، إذ أنّ السّورياليّة فتحت أمامه أيضاً أبواب اللاّوعي. وبالإضافة إلى كلّ ذلك، فإنّ السّورياليّة غيّرت تماماً الشّعر اليوناني، حين دمّرت الفكر الأكاديميّ السّائد، وبشّرت بالمحبّة الجامحة وبالحياة المغتبطة. هذا ما لا يمكن لإيليتيس، ولا لبقيّة شعراء اليونان، إنكاره.
يتحدّث إيليتيس، كما عدد كبير آخر من الشّعراء اليونانيين، عن «السّماء والبحر، عن الشّمس والقمر، عن الأعشاب، عن الفتيات والحبّ»، وكابن لإييولي، إنّه يعيش في صميم جسد ذاك العالم، بملء كيانه وصفائه.
إنّ إحساسه بالانتماء العميق لأرضه، جزيرته ليسبوس، بحر إيجه الذي تنحدر منه أسرته، تجعله يعيش من جديد، ويعبر في كلماته صورة البطل وغريزة الحبّ (إيروس)، وتمكّنه أيضاً من إعادة صياغة قصائد سافو دي ميتيلان، ابنة عمّه بعيدة القرابة، وجعلها نابضة، سافو، السّمراء، الشّهوانيّة، التي يكون إيليتيس، ومنذ ألفين وخمسمائة سنة، قد لعب معها في البساتين نفسها، واستحمّ معها تحت النّافورات نفسها، ومضى معها عدواً، ليمرح في عرض الجزيرة نفسها.
إنّ سرّ الضّياء الذي يتغنّى به إيليتيس، قد يجده في رقصة سحليّة فوق حجارة وهي تحتفي بالشّمس، أو في رقصة الدّلافين في عرض البحر، أو في فراشة تحطّ سهواً على العنق الرّخوة لفتاة صغيرة، أو في نافورة الحديقة الهامسة، أو في السّاعة الحائطيّة التي تخطئ دوماً تحديد التّوقيت...
ويمكننا، خاصّة في اللّغة اليونانيّة، أن نتشمّم الرّائحة الكاملة للملح في كلماته، رذاذ الحبّ، انحراف الجزر، البريق المتحرّك للرّمل والبحر، الشّمس المبتلعة من ذاتها، جنس النّساء والرّخويّات البحريّة، سرب أسماك تفرّ، بركان تحت الماء..
مقترباً جدّاً من جذور الأشياء ومن الطّبيعة، يتسربل إيليتيس أيضاً بغابة من الظّلال، بغابة من الرّموز. اليوتوبيا والسّحر، الأمل في الوجود البشري.. حاضرة ضمنيّاً في كلماته. أن يحاول الانصهار في تناغم العالم وعناصر الخلق، تلك وجهة ما يسمّيه هو بـ (مهمّته). ولإيليتيس نفسٌ مسيحيّ، وللآخرين يقول: «أنا لا أتحدّث عن نفسي، وإنّما أتحدّث لأولئك الذين يشعرون بالعالم كما أشعر به أنا، ولكنّهم لا يملكون ما يكفي من البراءة للتعرّف إليه».
وسيظلّ هو، الذّئب المتوحّد، المغمور بالمثاليّة، ورغم عنف أزمنة الدّمار، مخلصاً ومنفتحاً على الآخرين، ومع ذلك كان لا يحسن السّباحة إلاّ «في المياه الشفّافة للوحدة، هناك، حيث تنسكب الحقيقة كتمثال جديد في الكأس».
يعتبر أوديسّوس إيليتيس نفسه شاعر «الميتافيزيا الشّمسيّة»، فهو يبحث، لا عن الصّفاء الرّائع للعقل «وإنّما عن الشّفافيّة السّاحرة واللاّعقلانيّة التي تنبض داخل وخارج الأشياء والكائنات، فيكون قد بحث عن قدر هائل من الصّفاء، حتّى غدت كلّ كلمة نصف شفّافة ومشرقة في آن».
قدر كبير من اللاّعقلانيّة يسري في قصائده، وانبثاق اللاّوعي، سماد السّورياليّة، في اليونان، يعود الفضل فيه، وإلى حدّ كبير، إلى إيليتيس. لقد تشكّل شعره في البداية خارج بلده، وبفرنسا خاصّة، قبل أن يستجمع كلّ طاقته على الأرض الإغريقيّة وأساطيرها. إنّه ينطوي بداخله على نحّات للتّماثيل العتيقة ورسّام للأيقونات البيزنطيّة. أمّا حالة التّعالي والتّوق إلى السّماويّ الذي يلمّح إليه، فإنّ إيليتيس يجريه عبر الضّياء والاشتهاء، فثمّة معنى عميق للمقدّس عند إيليتيس، معنى يشبه حبّاً غائراً للمبتذل عند البشر.
إنّه يتماهى وأوليس في رحلاته:
«إنّ رحلة أوديسيوس، الذي كتب عليّ أن أحمل اسمه، لا شيء يشي بأنّها سوف تنتهي، وهذا يسعدني».
وكما ألمح إلى ذلك أحد شعرائنا المعاصرين الكبار: ما يظلّ أساسيّاً، هي ليست العودة إلى إيتاكا، التي معها ينتهي كلّ شيء، وإنّما هو التّيه والتَّطواف والمغامرة من أجل المعرفة، تلك الرّغبة المتأصّلة، الجامحة في الإنسان، والتي تدفع به دفعاً على دروب الاستكشاف، كي يتهجّى ما يتجاوزه، وتلك رغبة قاهرة.. ساحرة ولا تقاوم. كلّنا أُسارى ذلك الظّمأ الّذي يزعجنا إلى التعرّف على «المعجزة»، والاعتقاد في أن المعجزة يمكن أن تتحقّق، شريطة أن نتهيّأ لذلك، وأن نبقى على قيد الانتظار.
وحين تفرّغت بدوري، وعلى امتداد أربعين سنة، للشّعر، لم أفعل شيئاً
غير ذلك. كنت أجوب بحاراً مذهلة، وأن أتعلّم كلّما توقّفت بمرفأ أو محطّة».
تحوّلات وصور، تستفزّ الرّغبة والحسّ، كبساط أرقش مخضّب بأنصع الألوان.. كذلك هي أشعاره. ويمكث إيليتيس مصيخاً لعلامات اللاّمرئيّ، وكما رسّامه الأثير، بول كلي، ينشد جعل اللاّمرئيّ.. مرئيّاً.
ولا ينبغي لنا التّغافل عن حقيقة أنّ إيليتيس كان أيضاً رسّاماً، وكلّ شيء عنده يمرّ عبر الرّؤى، توارد الصّور، وفنّ الملصق الذي كان أثيراً لدى أصدقائه السّورياليين في باريس. ولكنّه كان، وقبل كلّ شيء، شاعر النّفي والضياء، ذلك الذي يبحث عن التّناغم في صلب التوتّرات المتناقضة.

لقد مددتّ يديّ الاثنتين فوق الأوهام
وفوق كلّ المردة السّود الذين لا تُذهبهم التّعاويذ
وحين أشحت بوجهي عن وجوههم القميئة
التحقت بمنفاي في قلب الضّياء

يكون إيليتيس بالنّهاية قد صقل وأعاد صقل بضع كلمات: السّماء، البحر، الأثير، الحجارة، الفتاة، الأزرق المشرق، الشّمس والحريّة... ولا تزال تلك الكلمات نابضة، خارجة من الموج.. وهي مبلّلة.
وعند تسلّمه جائزة نوبل، ختم خطابه بهذه الكلمات:
«أن نمسك الشّمس بأيدينا دون أن نحترق، وأن نسلّمها كمشعل لأولئك الذين سيأتون بعدنا، فذلك عمل موجع، ولكنّني أعتقد أنّه عمل مبارك. وكم نحن بحاجة إلى ذلك. سيأتي لا محالة ذلك اليوم الذي سوف تتلاشى فيه المذاهب المحنّطة أمام وعي يغمره الضّياء حدّ توحّده مع الشّمس، لتمتدّ شواطئ المُثل، المستعيدة للكرامة البشريّة وللحريّة».
هذه ليست رؤية شعريّة وحسب، إنّها تجلّ لوعي إنسانيّ شامخ. والحقيقة، أنّ إيليتيس جمع بين الاثنين في كيانه.

ترجمة إيليتيس.. المستحيلة
«عشرون بالمائة فحسب من شعري يمكن أن تكون قابلة للتّرجمة». والحال أنّ كلّ الخلفيّات والصّور المركّبة، لا تنتقل بيسر إلى لغات أخرى، فيما لا يعرف شعر سيفيريس مثل هذا الإشكال. ورغماً عن ذلك، فإنّ إيليتيس كان مترجماً رائعاً لشعر صديقه بول إيلوار، وكذلك بيار جان جوف، وأشعار لوتريامون ورامبو.. وكما يلمح ذلك إلى ميولاته الأدبيّة.
إنْ كانت قصائد الشّباب، بما فيها «طغراء»، يسيرة التّرجمة، فإنّ «ماري السّديم» الذي تمتزج فيه الوثنيّة بتبجيل العذراء، كما إلماحاته إلى سيرته الذّاتيّة.. تظلّ عصيّة على النّقل إلى لغة ثانية.
يقيناً أنّ إيليتيس أعاد الشّعر اليوناني إلى إرثه الغربيّ، ولكن أيضاً، وبشكل عميق، إلى روحه الشّرقيّة. ولكن كم من الإلماحات تظلّ أمامنا غامضة. فلغته الباذخة، مضمّخة بحكايات وأساطير، بطقوس ميثولوجيّة أو بيزنطيّة، وبخلفيّات، يجعلها حقيقة عصيّة على المحاكاة في أيّما لغة أخرى. ولإيليتيس، شكل محيّر، ولا يمنحنا الرّجل ما يكفي من خيط أريان كي نهتدي به في أجمات كلماته، غير أنّنا نشعر أنّ الضّياء كامن ههنا، حتّى وإنْ كنّا لا ندرك ما الذي يحمله إلينا. ثمّة قدر ما من الفتنة في كتابة إيليتيس، من جذب شامانيّ في الكلمات، تجعلها أقرب إلى الكهانة. فكيف للشّاعر أن يكون ترجماناً لما هو غيبيّ.. لما هو إلهيّ؟
..................................................
* نقل هذا المقال إلى الفرنسيّة كسافييه بوداس


دَمْدَمةُ الهاويات



إيروتاس

(1)

إيروس
الأرخبيل
وجؤجؤ الموج
والنّوارس التي من أحلامها
تصعد إلى ذروة الصّاري
والملاّح الذي يطلق نشيداً مُرَفرِفاً

إيروس
نشيده
وآفاق رحلاته
وصدى الحنين
على الصّخر الأكثر بللاً للخطيبة
ينتظر سفينة

إيروس
وسفينته
والألفة النّاعمة لريحه الصّيفيّة
والشّراع العظيم لأمله
على الموجة الواهنة
جزيرة تتأرجح
عودة.

(2)

المياه المرتجَّة
الرّحلة الظّليلة عبر البحر
تتحدّث عن الفجر الذي يطلّ
وعن قبلاته
أفق

والحمامة البريّة
تجعل الصّوت يرتجّ داخل كهفها
إثارة زرقاء في بئر
النّهار

شمس

ريح الشّمال تمنح شراعاً
للبحر
ومداعبات ضفائر
لأحلامها الهانئة

ندى

موجة في الضّياء
ترمّم من جديد الأعين
حيث تبحر الحياة بعيداً عن السّاحل
حياة
تشاهد من بعيد

(3)

البحر يزحلق بدلال
قبلاته على الرّمل – إيروس
النّورس يمنح الأفق
حريّته الزّرقاء
وتأتي الأمواج مزبدة
مسائلة دون هوادة آذان القواقع

من أخذ الفتاة الشّقراء.. المسمرّة؟
نسيم البحر.. بنَفَسه الرّهيف
يُحني شراع الحلم
وفي البعيد
يهمس إيروس وعده – بحر يتزحلق

رائع هو وطني

رائع، ولكنّه غريب
هذا الوطن الذي وهبت
إنّه يرمي بالشّباك لصيد الأسماك
ولكنّه لا يظفر بغير الطّيور
إنّه يشيد سفناً على الأرض
ويستنبت الحدائق فوق الماء
رائع، ولكنّه غريب
هو الوطن الذي وهبت
إنّه يقبّل الأرض منتحباً
ثمّ يلوذ بمنفاه
في الطّرقات الخمس يصاب بالإجهاد
ولكنّه لا يلبث أن يستجمع قواه
يهدّد برفع حجارة
وتوّا يمتنع عن ذلك
يتظاهر بصقل تلك الحجارة
فتتحقّق معجزات ومعجزات
رائع ولكنّه غريب
هذا الوطن الذي وهبت
بزورق صغير
يدرك أعالي البحار
يلتمس التمرّد
فيهب نفسه الطّغاة

ينجب خمسة رجال عظام
ثمّ يقصم ظهورهم
وحين يطويهم الغياب
يغدق عليم الثّناء
رائع، ولكن كم هو غريب وطني..

وعد يوليو

محدّد هو حيّز البشر
وكذلك هو حيّز الطّير، ولكن كم هو أرحب..
فسيح هو البستان
الذي بالكاد نكون فيه منفصلين عن الموت
الذي قبل أن يلامسني من جديد.. مقنّعاً
كنت ألهو، وكلّ شيء كان في متناول اليد.
حصان البحر الصّغير..
ومن الفقّاعة ينفلت دويّ التمزّق..
السّفينة الحمراء للتّوتة البريّة
سيل عميق من أوراق الشّجر
والصّاري الأمامي محتشد بالأعلام

ما الّذي يحدث لي الآن؟
ولكنّني بالأمس كنت قد وُجدتّ
ثمّ تلك الحياة المديدة للغرباء، التي تظلّ مجهولة
ليكن.. يكفي أن نتحدّث بظرافة حتّى نصاب بالإجهاد:
كما الجدول الذي من روح إلى أخرى
ينسج المسافات.
فإذا بكَ تتراقص نائماً من مجرّة إلى أخرى
فيما تدمدم من تحتك الهاويات
إيه.. أيّتها الوثبات التي بالكاد
ارتسمت على ملاءات سريري
أيّتها الملائكة التي من الأعلى
تلوّحين لي كي أصعد في كلّ الأشياء
وأنا الذي، حتّى وإنْ وقعت من النّافذة
سوف يكون البحر من جديد مطيّة لي
والبطّيخة الضّخمة
التي أجهل أنّني كنت يوماً أسكن داخلها
وتلك الفتيات اليتيمات ذوات الشّعر المفكوك
اللاّتي.. بفطنة الرّيح،
كنّ يعرفن كيف ينتشرن فوق مداخن المواقد..
مثل ذلك التّناغم بين الخمريّ والأزرق
الذي يربكك حقيقة
وكتابات العصافير التي تدفع بها الرّيح عبر النّافذة
مقتفية أثر المستقبل وأنت تنامين
الشّمس تدرك ذلك، إنّها تهبط فيك لترى.
لأنّ المرئيّ ليس سوى الصّورة
ففي جسدك تمكث الطّبيعة
...
زهرتك أنت.. تكبر
ويسمّيها بعضهم.. الخاطرة
(ورغم أنّتي متنوّر، كنت أصل من جديد.. هناك
حيث كانت دوماً تحملني السّباحة)
...
بلا حدود هو الموت
من دون أشهر ولا قرون
هناك.. لا مجال لتكون راشداً
حتّى أنّك لتعود إلى نفس الغرف
إلى نفس البساتين، وأنت تمسك بالصرّار
وزيوس من مجرّة إلى أخرى
يجول بفصول صيفه.


في الفردوس

في الفردوس.. رسمت علامة جزيرة
جزيرة كم تشبهك
وبيتاً وسط البحر
به سرير عظيم
وباب ضئيل
كيما أراني، حين أنهض كلّ صباح
كيما أراك وأنت تمضين نصف عارية
وأنا لوحدي في الفردوس، أبكيك إلى حدّ ما.
.................................
نقلته إلى الفرنسيّة أنجليك إيوناتوس


اقرأ أيضا