الاتحاد

الملحق الثقافي

أنطونيوني.. ملك اللقطة الطويلة

أنطونيوني في موقع تصوير (الصور من الأرشيف)

أنطونيوني في موقع تصوير (الصور من الأرشيف)

حسام نور الدين

كيف مرت ذكرى رحيله دون أن يتذكره - في الغالب- أحد؟! فهو من القلائل في العالم، الذين أضافوا آفاقاً أصيلة للتعبير الفيلمي، وهو من ترجم الأفكار الذهنية، إلى صور حية فاتنة المبنى، تشي بأكثر من معنى، وهو من تتهافت على أفلامه الأجيال لدراستها عشقاً وبحثاً، وإن كان هذا لا ينفي اختلافنا الجذري مع بعض منطلقات أفكاره الفلسفية، من واقع ثقافته، وبيئته، لكن تبقى في أفلامه مساحة إنسانية مشتركة، نتفاعل معها، ونظل نتذوقها.

يتميز المخرج الإيطالي/‏ مايكل أنجلو أنطونيوني (1912- 2007 م) بأسلوبه الخاص، وهو الواقعية النفسية. وأبرز مثال هو رباعيته: (المغامرة- 1960، الليل- 1961، الكسوف-1962، والصحراء الحمراء- 1964)، والتي لا تخلو منها قوائم أعظم الأفلام في تاريخ السينما، بالإضافة إلى أفلامه التي تلتها والتي واصل فيها تجريبه الإبداعي، كفيلمه الشهير (تكبير الصورة) 1966، وحتى آخر أفلامه الذي قام بإخراجه، بعد أن أصابه الشلل، وفقد القدرة على النطق، ضمن ثلاثية (ايروس-2004)، وكان عمره وقتها يربو على التسعين عاما. وسنقتصر هنا على أهم جماليات اللقطة الطويلة (Long take) عنده، وإضافاته لها (1).
لكن قبل الدخول إلى عالمه، لا بد من القول بأن اللقطة الطويلة هي التي يدور فيها شريط الفيلم، في دورة تصوير طويلة دون توقف، سواء تحركت الكاميرا، أو بقيت ثابتة، ليس من منطلق الاستسهال، أوالبهلوانية، وإنما لبلورة الإحساس الواقعي، ودلالاته، عند توحد المكان/‏ الزمان مع الشخصيات، دون إقحام (مونتاجي) على حرية تلقي المتفرج.

لقطات مدروسة
تميز عدد كبير من المخرجين في السينما العالمية في توظيف هذه التقنية (اللقطة الطويلة) بمهارة، وفي مقدمتهم أنطونيوني، الذي قدم إرهاصات جيدة بهذا الأسلوب، منذ فيلمه الثاني (المنهزمون-1953)، كما في مشهد الطلبة داخل الحافلة بالقصة الأولى، فرغم أن الكاميرا ثابتة قلما تتحرك، استطاع أنطونيوني باقتدار أن يقوم بعمل مونتاج ضمني داخل اللقطة، دون الحاجة للقطع الميكانيكي العادي، واعتمد في ذلك على إدارة أوضاع الممثلين، وتغيير حركاتهم، ومستوياتهم داخل الكادر، وفق الحوار المسترسل بينهم، وانفعالاتهم الداخلية، حيث يقترب وجه الممثل من الكاميرا، وهو يتحرك من مقعده إلى جوار صديقته، وينتحي آخر في مقدمة الصورة، بزميله يناجيه في خبث، ثم يعودان للجلوس في الخلفية، باتجاه مغاير، وهكذا تدور (اللقطة – المشهد) في انسيابية، وبلا تكلف. وقد ذاع اسم مخرجنا عاليا بفيلمه الموسوم بـ المغامرة، حيث بنى لقطات الفيلم على الإيقاع النفسي، لذلك عندما شاهد الجمهور الفيلم كان يصرخ من الضجر (2): اقطع.. اقطع. فمثلاً نجد أن اللقطة التي تسير فيها البطلة‏ «مونيكا فيتي» في ممر الفندق باحثة عن حبيبها، تظل ثابتة لمدة طويلة نسبياً، بعدسة واسعة تجسد الفراغ الروحي، في لحظتها المأزومة التي تمر بها، وتستمر في لقطات أخرى طويلة، تفتش داخل قاعات الفندق، وأبوابها الموصدة، كي تعثر على رفيق حياتها الجديدة، أو بمعنى أدق تعثر مثل كل أبطال‏ أنطونيوني على خلاص، أوعلى.. يقين، فتجد به معنى لوجودها في الحياة.
ومن هذه اللقطة الطويلة، إلى لقطة أخرى من فيلم الليل، مع البطل «ماستروياني»، تبدأ اللقطة في إضاءة خافتة، وفضاء واسع لقاعة بيت داخلية، تحاول فيها «مونيكا فيتي» اختراع لعبة، وعلى زجاج باب القاعة نرى وجه البطل - في بداية علاقتهما- يتأمل محاولتها للعب وحيدة في صمت محسوس، فيظهر وجهه منعكساً على الزجاج مع ظل لبقعتي ضوء، ومع ظل جسد البطلة المحدود في فضاء المكان، يبدو ظله وهو يتقدم نحوها، كأنه طيف يخترق فراغها، ثم تتحرك الكاميرا حركة (أفقية - Pan) قصيرة، لنكتشف البطلين في موضعهما، ومكانهما الحقيقي، بعيداً عن خداع الظلال. وطالما استخدم أنطونيوني حركة (البان) في لقطة واحدة، لينقلنا من حالة إلى حالة، من تشكيل بصري تعبيري إلى صرامة واقعية حياتية، من غموض التساؤل إلى إجابة تلوح دون أن تبوح، من سكوت مشحون بحركة الخطوط، وحوار التكوينات فائقة الجمال إلى حركة حسية تشدها جاذبية السكون... وهكذا، فكلها إيحاءات شعورية، نجدها مع غيرها، في لقطات طويلة مختلفة، فأنطونيوني باستعماله طول اللقطة غير المألوف، وعناصرها التشكيلية، والصوتية المتداخلة، ينكش وعي المتفرج المتعجل، والخَمول، كأنه يهمس له: انتبه، وتأمل! فلعله يلمح شعوراً ينسرب من الطبقات التحتية في دراما اللقطة، فيستمتع شيئاً فشيئاً.

نزعة تجريبية
بنزعة التجريب نفسها، نجده يوظف حركة (البان- Pan) في فيلم المسافر- 1975، لينقلنا ببراعة من الحاضر الى الماضي في لقطة واحدة مستمرة، بدلاً من اللجوء الى لقطات الفلاش باك المستهلكة، وهي فكرة براقة، يضمن من خلالها في اللقطة الشعور الذي يريد إيصاله وهو تحول البطل جاك نيكلسون في هذه اللحظة من هوية الى هوية، كما ينقل لنا فيها المعلومات الشخصية لجاره بالفندق قبل موته، والذي سينتحل شخصيته بعدها. ولا ننسى النبض الإيقاعي الوئيد، الذي فرضته حركة البان، حيث تنصهر الانفعالات المتناقضة على مهل في وجدان البطل بعد قراره الوجودي، كل ذلك في لقطة واحدة، تضم في استمراريتها لحظة فاتت، مع لحظة آنية، موصولة بزمن قادم تترقبه عيون البطل.
ونصل إلى أوج إبداع أنطونيوني في اللقطة الطويلة، وهي (اللقطة – المشهد)، التي زادت مدتها عن ست دقائق ونصف، وذلك قبل اختراع كل تقنيات التصوير المريحة، والمتاحة الآن، فقد اخترع أنطونيوني خطة لتنفيذ اللقطة مع فريق العمل، لينهي بها فيلمه، نهاية سينمائية بليغة، انحنى لها المختصون، وعشاق السينما، لجلال شاعريتها، وحداثة فكرتها!.
جاءت الفكرة لأنطونيوني- كما ذكر- منذ بداية التصوير، لكنه لم يعرف كيف سينفذها، فبطل الفيلم جاك نيكلسون في أول اللقطة، أحس بعدم جدوى انتحاله شخصية جاره، بل وجد نفسه مهدداً بالقتل، ورقد مهموماً على سريره بالفندق المتواضع. فأراد أنطونيوني أن تكون الكاميرا هي وجهة نظر بطله، فكأنها هو، ولم يشعر- دون أن يدري السبب- بوجوب انفصال الكاميرا عن البطل، وهو يرقد كالميت على السرير، فكان يجب خروج الكاميرا من حاجز النافذة (الحديدي) في الغرفة، الى الشارع المقابل، دون أن يقطع، ويفصل، حضور البطل الدرامي. فكيف ستخرج الكاميرا من الشباك، لتكمل دورتها الطويلة مع حركة الممثلين، والشرطة، ثم تعود للشباك في لقطة واحدة، لنكتشف مقتل البطل في النهاية؟
لندع أنطونيوني، يجيب لنا بنفسه مع عرض تفصيلات المشهد على شاشة، وطاولة المونتاج، في حواره التليفزيوني (3) النادر، الذي ننقله عن الفرنسية (بتصرف):
كانت الكاميرا معلقة على قضيبين بالسقف، يحركها مصور ببطء مهيب نحو شباك الغرفة، ثم نرى عبر الشباك شخصاً- رأيناه من قبل- يحاول منع الفتاة من الاقتراب من مكان الجريمة، التي سيتم ارتكابها، ثم يعلو صوت سيارة نراها أمام الشباك، وفي أثناء ضجة تلك السيارة المتعمدة، نسمع بصعوبة صوت طلقة رصاص، وهي التي انطلقت من مسدس القاتل على البطل فوق سريره، مع مواصلة الكاميرا تقدمها البطيء جداً للأمام (دون أن نرى الجريمة مطلقاً)، حتى وصلنا للحظة الأشد حرجاً، فكيف أُخرج الكاميرا من حاجز الشباك الحديدي، إلا لو قَطّعت الحديد؟! أنا كنت في عربة فيديو مجهزة بأكثر من شاشة تليفزيونية (مونيتور)، لأحدد اللحظة التي تكون فيها عدسة الكاميرا بين عمودين حديديَّين بالضبط، ثم أُعطي الأمر بفتح شبكة حديد الشباك، بعد أن تم إعدادها لذلك من قبل، فتستطيع الكاميرا بذلك الخروج للشارع. وفي البداية أحضرنا خلف الفندق رافعة طويلة جداً، مما يتم استخدامه في أعمال البناء، وقمنا بتجهيز 2 فنيين فوق النافذة على سقالة خشبية، فبمجرد وصول الكاميرا للنافذة، يقومان بخلع الكاميرا من القضيبين المعلقين في سقف الغرفة، ويعيدان غلق شبكة الحديد كما كانت، في حين يستلم مصور ثان الكاميرا عبر سلك طويل معلق في الرافعة أعلى النافذة، ليلف بها، مزوداً جهاز (جيروسكوب) لحفظ التوازن، والاتجاه، فتواصل الكاميرا حركتها، مع الممثلين والشرطة، وتعود للشباك نفسه- من الخارج- بدقة!.
....................................................
1- له إضافات أخرى بديعة في (اللقطات القصيرة، اللون،التكوين،...)
2- كتاب/‏ فهم السينما- لوي دي جانيتي.
3- رابط الحوار كاملاً:
https:/‏/‏www.youtube.com/‏watch?v=MAH80GVCob8

إنتاج رغم التسعين
درس المخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني (1912- 2007 م) الاقتصاد، ثم عمل مساعداً مع رائد الواقعية الإيطالية ر. روسلليني، وكذلك الفرنسي م. كارنيه، وتأثر بالمخرج الفذ فيسكونتي، وبعدها شَرع في أعماله التسجيلية، فالروائية، حتى تكوّن تدريجياً أسلوبه الخاص، وهو الواقعية النفسية، فأفلامه تبحث في غربة أبطاله الداخلية.
وأبرز مثال هو رباعيته: المغامرة- 1960، الليل - 1961، الكسوف -1962، والصحراء الحمراء - 1964، والتي لا تخلو منها قوائم أعظم الأفلام في تاريخ السينما، مع أفلامه التالية التي واصل فيها تجريبه الإبداعي، كفيلمه الشهير تكبير الصورة- 1966، وحتى آخر أفلامه الذي قام بإخراجه، بعد أن أصابه الشلل، وفقد القدرة على النطق، والفيلم من ضمن ثلاثية/ ايروس- 2004، وكان عمره وقتها يربو عن التسعين عاماً!.

اقرأ أيضا