الاتحاد

تقارير

كينيا··· 250 ألف نازح بعيداً عن جحيم النزاع

نازحون كينيون بعيدون عن ديارهم بعد أن طاردهم شبح الفتن القبلية

نازحون كينيون بعيدون عن ديارهم بعد أن طاردهم شبح الفتن القبلية

في الوقت الذي انهارت المحادثات بشأن حل النزاعات العرقية التي أعقبت الإعلان عن النتائج الرسمية للانتخابات الرئاسية التي أجريت مؤخراً في كينيا الثلاثاء الماضي، بلغ عدد النازحين من جحيمها نحو 250 ألفاً؛ كان بينهم المواطن ''جيفري كارانجا'' الذي أدرك أن خيوط الدخان التي رآها كانت صادرة من منزله، بينما رأى من بعيد مجموعة من المحتجين الغاضبين المدججين بالأسلحة التقليدية البيضاء والسهام، وهم يرقصون طرباً أمام بيته الذي كانت تلتهمه النيران·
كانت زوجته لا تزال داخل المنزل المحترق، بينما لم يعد في وسع أحد الدخول لإنقاذها، بسبب منع المحتجين لأي كان من مجرد الاقتراب من المنزل، فكان مصير السيدة ''كارانجا'' الحرق حتى الموت، شأنها في ذلك شأن حوالي 500 من الكينيين الذين لقوا مصرعهم جراء النزاعات العرقية التي اندلعت على امتداد البلاد كلها، إثر الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت في السابع والعشرين من شهر ديسمبر المنصرم·
على رغــم تراجــــع موجــة العنف الآن، إلا أن العداءات العرقية انتشرت مثلما تفعل النيران في الهشيم، في الدولة الأكثر استقراراً وازدهاراً اقتصادياً في منطقة شرقي أفريقيا، وفي الوقت الذي تتصاعد فيه جهود الدبلوماسيين لإبرام مصالحة سياسية بين الرئيس ''مويي كيباكي'' وغريمه السياسي ''ريلا أودينجا''، في مسعى منهم لحل الأزمة الراهنة، إذا بالآلاف من أفراد قبيلة ''كيكويو'' المسيطرة سياسياً واقتصادياً في البلاد، وهم يلوذون بالفرار من جحيم العنف العرقي الذي يتعرضون له من قبل المجموعات العرقية الأخرى، فلم يمر يوم منذ إعلان نتائج الانتخابات الأخيرة، إلا وشوهدت فيه الحافلات والشاحنات وهي تكتظ بأفراد قبيلة الـ''كيكويو'' وتشق طريقها خارج القرى والضواحي الواقعة في منطقة الوادي المتصدع الغربي، حيث بلغت موجة العنف العرقي أشدها، لتتجه بهم إلى أقصى شرقي البلاد، حيث مناطق إقامة أسلافهم التقليدية؛ وتشير تقارير وإحصاءات الأمم المتحدة، إلى تشريد نحو 250 ألفاً من ديارهم وقراهم بسبب الأزمة الأخيرة حتى الآن·
في أثناء ذلك انهارت الجهود السياسية التي بذلت لإيجاد حل للأزمة، على إثر رفض ''أودينجا'' الجلوس مع ''كيباكي''، متهماً إياه بسرقة نتائج الانتخابات علناً، ومصرا على أنه لن يكون طرفاً في أي محادثــات ثنائيــة من هــذا النوع، ما لم يكن الوسيط فيها ''جون كوفور'' -رئيس الاتحاد الأفريقي الذي كــان قد وصــل إلى كينيـــا بالفعـــل يــوم الثلاثـــاء الماضي- ولكن ما حدث أن ''كيباكي'' لم يدع ''كوفور'' لحضور المحادثـات تلك بزعم انتفاء الحاجة لوساطته، على رغم ترحيب الكثير من الدبلوماسيين بها، باعتبارها تمثل تقدمــاً مهماً نحو حل الأزمة·
ومن جانبه كان السيد ''أودينجا'' قد دعا إلى وقف التطاحن العرقي على نطاق البلاد كلها، على أمل إتاحة الفرصة لعملية الوساطة الأفريقية والدولية، غير أنه حذر من استئنافها في حال فشل هذه الجهود·
ومع اشتداد موجة العنف الطائفي، ليس أمام المواطنين العزّل المسالمين من أمثال ''كارانجا'' سوى مواجهة مصائرهم وأقدارهم بأنفسهم، حيث يقيم بالقرب من أحد مراكز الشرطة بضاحية كيريشو بمنطقة الوادي المتصدع، مع المئات غيره من المنتمين إلى قبيلة ''كيكويو'' جراء العنف القبلي· وعلى رغم استعداده للرحيل من مكان إقامته الحالية، إلا أنه لا مجال أمامه للتحرك مطلقاً، بسبب المخاطر الكبيرة التي تهدد حياته، إذا ما ابتعد عن الحماية التي توفرها له قوات الشرطة· غير أن من رأي نازح آخر من القبيلة نفسها ''صمويل سانجولو'' -من بين الذين خسروا بيوتهم واستثماراتهم- أن أفراد قبيلته ظلوا يتوقعون كارثة كهذه منذ مدة ليست بالقصيرة، وعليه فإن الانتخابات الأخيرة لم تكن سوى ذريعة لشن حملة العنف القبلي ضدهم، وكما يقول فإن أفراد القبائل الأخرى لا يريدون لأبناء الكيكويو، الإقامة ولا الاستثمار في أي مكان آخر غير موطنهم الأصلي في شرقي البلاد، ويرغموننا على ذلك·
وعلى رغم الهدوء النسبي لموجة العنف التي استهدفتهم دون تمييــز، إلا أن الشائعــــــات لا تزال تنتشر حول تجدد الهجمات، خاصة في المناطق الجبلية التي يزرع فيها محصول الشاي؛ وتشير تقديرات منظمة الصليب الأحمر الدولية إلى تشريد 10 آلاف مواطــن مـــن تلــك المناطـــق حتى الآن·
بقي أن نقول إن الدافع الرئيسي وراء حملة الهجمات القبلية هذه ضد أفراد قبيلة الـ''كيكويو''، هو شعور المواطنين المنتمين إلى القبائل والمجموعات العرقية الأخرى بالغبن، نتيجة لهيمنة القبيلة المذكورة تقليدياً على الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد؛ وبترشيح ''أودينجا'' للمنصب الرئاسي، فقد لاح لهم أمل جديد في كسر هذه الهيمنة والقضاء عليها، والاتجاه بالبلاد نحو سياسات أفضل، توفر العدالة المنشودة في توزيع الثروة والسلطة· ومما زاد من مشاعر الغبن هذه، ما أثير من اتهامات لحكومة الرئيس ''كيباكي'' بتزوير نتائج الانتخابات الأخيرة، التي يعتقد الكثيرون أن الفوز بها كان من نصيب منافسه ''أودينجا''·


ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا