الاتحاد

الملحق الثقافي

موسيقا الأقوام

رقصات هنغارية (أرشيفية)

رقصات هنغارية (أرشيفية)

رعد خلف

مع نهاية القرن التاسع عشر، ظهرت (القومية) في الموسيقا كمرافق أساسي للمرحلة الرومانتيكية التي أغنتها بشكل أو بآخر بإرث موسيقي إنساني مهم. وقد واكبت الموسيقا القومية الكثير من حركات التحرر السياسية وعبرت عن الشعوب التي بحثت فيها عن تأكيد لهويّتها الثقافية أيضاً، مما استدعى وجود مثل هذا النمط الموسيقي. ومع إنجازات القرن العشرين الموسيقية وتطوراتها المتسارعة كان للموسيقا القومية وقع مهم ومؤثر على الشعوب والثقافات، بعيداً عن مراكز الثقل الموسيقي الغربية وانتشارها.
لقد برزت الموسيقا القومية كأساس متين ذي علاقة وطيدة بالإرث السمعي المحلي الذي ذهب عميقاً في البحث عن ذاته، وخلق هويته وسط زحام المراحل الفنية الموسيقية، خاصة مطلع القرن العشرين، حيث تشابكت الأطوار والألوان الموسيقية، وبذلك أوجدت الموسيقا القومية لنفسها حيزاً مهماً ومؤثراً في العالم أجمع، الأمر الذي جعل منها مدرسة ذات أساسات حيوية، أكاديمية ومدروسة.

البحث عن الهوية
كان البحث عن الهوية السمعية أحد أسباب بروز الموسيقا القومية في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، ولأول مرة في بوهيميا وروسيا وبعض الدول الاسكندنافية والمجر وبريطانيا وإسبانيا. وأسست لهذا النمط الفني الموسيقي مدارس عدة لا تستند لمفهوم القومية المتعارف عليه في الأطر السياسية الحديثة، بل فعلت ذلك بحثاً عن صيغ سمعية وتأليفية جديدة ومتجددة. أما بالنسبة للمدارس الموسيقية الأساسية والكبيرة في ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، على سبيل المثال، فشكلت الموسيقا القومية تحولاً مهماً وكبيراً في مسارها الموسيقي والبنيوي؛ فقد خلقت النمطية الموسيقية الجديدة، لدى المؤلفين الرومانسيين في تلك الحقبة، نوعاً من الحنين والشوق إلى البساطة والريف والطبيعة وحب الوطن، فلاذوا بها هرباً من الواقع المصطنع والمفرط في التحديث.
لقد شكلت هذه الموسيقا لوناً يمزج بين الرومانسية والبيئة السمعية ما جعل منها فريدة في بعض الأحيان ضمن عالم التأليف الموسيقي، والذي كانت بداياته مع المؤلفين (سميتانا، دفورجاك) في تشيكوسلوفاكيا السابقة، و (بورودين، كورساكوف، غلينكا، بالاكيريف) في روسيا، والمؤلف الشهير (غريغ) في النرويج، والمؤلفين (ألبينيز، غراداوش) في إسبانيا، و(إلغار) في بريطانيا ، والشهير (ليست) في المجر وبالطبع (شوبان) في بولندا.

عدوى النجاح
ولّد الاتجاه الموسيقي القومي حماسة كبيرة لدى مؤلفين من جنسيات أخرى لكتابة نمط موسيقي قومي لدولهم، وقد كان النجاح كبيراً في بعض الأعمال كما في (رقصات هنغارية) للمؤلف الألماني (برامز)، وأعمال الفرنسي (بيزيه) الإسبانية، و(تشايكوفسكي) الإيطالية.
ومع دخول القرن العشرين أصبحت الموسيقا القومية (حقيقة واقعة) ضمن الإرث الموسيقي العالمي بكل تفاصيلها الكتابية والتأليفية والقالبية والحيوية البنيوية، ما أضاف للنمط الموسيقي المعاصر وقت ذاك ملامح جديدة عززت من قدرته وتجديده وأسلوبية كتابته.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف تمكن هؤلاء المؤلفين الموسيقيين من خلق نمط جديد في الموسيقى من خلال بحثهم عن هذه الصيغ الجديدة؟!
لقد أمعن كثير منهم في البحث ضمن الموروث الشعبي الغنائي أو الفلكلور الموسيقي أو الزوايا الترتيلية الدينية المتأصلة في عمق التراث الغنائي البسيط الشعبي، بالإضافة إلى البحث في خاصية الرقصات البيئية المناطقية وأغاني الفلاحين الطقسية ضمن المواسم، علاوة على البحث في القصص والأساطير المحكية المحلية وتقاليدها الموروثة منذ القدم، وقد ألهمهم ذلك كله خطوطاً موسيقية عميقة تستنطق لهجات موسيقية سمعية جديدة وصادقة في التعبير والأحاسيس.
ومن هذا الموروث الثرّ، وتلك المنابع الحية الأصيلة، استلهم المؤلفون الموسيقيون ألحانهم ونغماتهم والمقامات المركبة والإيقاعات المبتكرة والأحادية الميزان، رغم اختلاف كل هذا مع الأساس الأكاديمي للموسيقا الأوروبية الفنية. واستنطقوا من الآلات الشعبية ألواناً ذات ميزة فطرية عميقة وبسيطة في آن، لتلوين التكوين الموسيقي العريض (خاصة الأوركسترالي)، وقد خلق هذا التزاوج الفني نوعاً موسيقياً فريداً في سمعه، محلياً في تكوينه، قومياً في روحه، يستطيع أي مستمع في أي مكان في العالم أن يميزه ويعطيه تفسيره المكاني والقومي.
بيد أن النقطة الأهم في موضوع الطبيعة المباشرة للموسيقا القومية، يكمن في أنها استطاعت وبكل بساطة أن تخرج هذا التزاوج (الديمقراطي) في الموسيقا من عباءة القصور والنبلاء وأجوائها لتقترب أكثر من الإنسان البسيط ومن الطبقتين الوسطى والدنيا، لهذا كان نجاح الموسيقا القومية باهراً اجتماعياً وفكرياً وسياسياً وموسيقياً بالطبع.

بديل الرومانسية
في ظل القرن العشرين بتطوراته وملامحه الجديدة وتقدمه العلمي المذهل وحداثته، وثوراته الاجتماعية الكبرى وحروبه المدمرة، حدث التخبط الفني والخلط بين توجهات ومسارات فنية موسيقية جديدة وأساليب تعبير غريبة، جعلت من المؤلفين الموسيقيين يبحثون في هذه المناخات والمذاهب عن التجديد، وهنا كان التخبط في إيجاد خط حيوي موسيقي يستمر (بعد الرومانسية) ليحقق هذا التصاعد الفني، لأن المنهجيات الجديدة المطروحة كانت أقرب ما تكون (أحياناً) إلى مسِّ من الجنون كفكرة إلغاء المقام/‏‏‏ إلغاء الإيقاع والعزف كيفما اتفق/‏‏‏ الموسيقا المصّنعة/‏‏‏ الموسيقا الإلكترونية/‏‏‏ الكلاسيكية الحديثة/‏‏‏ الدوديكافونية - الأصوات الاثني عشرية/‏‏‏... إلخ، وفي غمار هذه المذاهب التجديدية والهوجاء أحياناً، وجد بعض المؤلفين الموسيقيين خلاصهم وطريقهم نحو (الموسيقا القومية) التي دُعِمَت جماهيرياً وقت ذاك، فضلاً عن أنها شكلت تياراً رشيداً ومتعقلاً ويستند لإرث يمتد عميقاً في الجذور ويشعر الإنسان به وبحاجته النفسية له.
وسارت الموسيقا القومية في بدايات القرن العشرين على صورتين، أولهما: مرحلة مؤقتة عابرة مارسها بعض مؤلفي المرحلة المعاصرين وتجاوزوها بعد ذلك بفترات متفاوتة عائدين إلى الرصانة الموسيقية وقوالب الفن الموسيقي الأوروبي المعروف، وسعياً منهم للانجراف وراء التيارات التجديدية والتجريب في الموسيقا، وثانيهما: ممن جعل الموسيقا القومية اتجاه أساسي والتزام مبدئي في حياته الفنية، وطوروها باتجاهات ومسالك عديدة مقدمين بذلك فلسفة جديدة معممة ذات أصول جذرية في الموسيقى بل ومستفيدين من المنجزات الموسيقية في القرن العشرين.
الدور الروسيكان الاتحاد السوفيتي السابق يضم أكثر من (150) قومية متناثرة في جمهورياته الخمسة عشر، مما شكل واحداً من أكبر التجمعات البشرية المختلفة العرقيات ضمن إطار دولة واحدة. وهذا ما أثرى التراث الفني بالذات عبر التبادلية والتشاركية التي جعلت منه فريداً من نوعه، وبالأخص موسيقاه القومية. إذ سعت كل جمهورية وأقوامها لتأكيد الأصالة والترابط الداخلي في الجمهورية، ناهيك عن التنافسية التي عاشتها كل جمهورية مع الأخرى ضمن السباق مع الجمهورية الأكبر: روسيا، وقد ساهمت الرعاية (السوفيتية الاشتراكية) في إفساح المجال أمام الجميع لتقديم إبداعاتهم واحتضانها ونشرها بين بقية الجمهوريات، ما ساعد في بناء الشكل الكبير للموسيقا القومية كاتجاه تعبيري ثري يغني الدولة الكبيرة السوفيتية، ويدعم ثقافتها الشمولية ويؤكد على وحدتها السياسية والاجتماعية.
وقد بدأنا حديثنا بأن الكثير من عباقرة التأليف الموسيقي من روسيا أولاً قد ساهموا وبشكل كبير في تأصيل موسيقاهم القومية ونشرها وعلى رأسهم مجموعة المؤلفين الموسيقيين الخمسة الروس الكبار (بالاكيريف، بورودين، موسورسكي، كورساكوف، كوي). وبالتأكيد العبقري (تشايكوفسكي) الذي ذهب بعيداً حتى في كتابه أعمال ذات طابع قومي لشعوب أخرى كعمل (Italian Capriccio)، وفي أوكرانيا، كانت البدايات مع المؤلف الموسيقي (رينهولد غليير)، وفي أذربيجان مع (كاراكارايف، فكرت أميروف) وفي أرمينيا كان الشهير (آرام خاشادوريان) وفي جورجيا كان (جييا كانجيللي) وغيرهم الكثيرون.
لقد سعى هؤلاء المؤلفين وغيرهم لإرساء مفاهيم موسيقية أثرت الحياة الإنسانية بالكثير من التطورات والإبداعات، وساهمت في الحفاظ على الأصالة البيئية والموروث الفلكلوري السمعي ونشره عالمياً، وأكاد أقول إن الكثير من تلك الأعمال أصبحت أساسية في المكتبة الموسيقية العالمية الأكاديمية لما لها من ميزة هامة وتأسيسية عالية تكاد توازي الأعمال الكلاسيكية المعروفة عالمياً.

معايير الحكم
الموسيقا القومية ليست ضد العالمية ولا هي في تنافر معها، بل تكملها وتبني فروعاً إضافية للموسيقا، وتزاوج بين لغات وأحاسيس الشعوب وعالمها السمعي.
أما الحكم على تلك التجارب وتقييمها، فلا ينبغي أن يستند إلى جنسها أو القومية التي أنجزتها، وإنما من خلال الاحتكام إلى الشرط الفني، والجودة، لتلمس مكامن العبقرية هنا أو النجاح هناك.. أو التقليد هنا والضعف هناك.. كل ذلك يمكن أن يتحقق بالاتكاء على المعايير العلمية التي تتوفر عليها، والتي يجدر بالمؤلف الموسيقي أن يتحلى بها، فضلاً عن ثقافته التكوينية الواسعة التي تجعل من تجربته مقبولة أم لا.

تحدٍّ.. وابتكار
من أبرز التطورات القومية في الموسيقا تلك التي وجدت في الشرق الأوسط والأدنى والجمهوريات الشرقية الآسيوية الإسلامية، حيث الميزة الحسية والسمعية للمقامات المختلفة والبعيدة عن الأساس الموسيقي الفني الأوروبي.
لقد ولّد ذلك نوعية موسيقية ثرية في مسمعها، ومشوِّقة، وتتوفر على حالة عالية من الابتكار الفني، وفي بعض الأحيان (التحدّي) في كسر القوالب الفنية المتعارف عليها، بل وخلق نوعاً جديداً من التهجين الموسيقي الذي نجح في حالات كثيرة.

اقرأ أيضا