الاتحاد

غموض بحر الابداع

كان الفنان سلفادور دالي جريئا في الرد على الذين يتهمونه بالغموض حيث قال: لا غرابة ألا يفهم الجمهور أعمالي فأنا لا أفهمها أيضا ·
منذ تخمر الفكرة في نبض التفكير تمر في الذهن جيوش من الخواطر، وأسراب من الكلمات والمعاني، يحدوها الأمل لمعانقة عيون القراء، فيبدأ الكاتب بشحذ همته والتشمير عن مكنوناته، في محاولة منه لنقل الصورة المتعلقة في شرايين تطلعاته وتصويرها على الوجه المرتسم بين أنامله، إنما عملية أقل ما توصف كالسباحة في بحر تتلاطم أمواجه بين حين وآخر، لا تستقر وتيرته على منوال معين، ولا تركن ديناميكيته الى قاعدة محددة، فتجده المتحكم والثائر الهادئ والمستغيث المدمر، تتناقض رؤاه، وتزدوج معانيه، وفي النهاية قد يبخل عليك ما أنت براغب به وتنشده، عالم غريب بغرابة الأطوار التي قد تمنحك فرصة التعرف عليها، وعندما تفصلك عنها خطوة بسيطة ضئيلة تجد روحك معلقة بين أحضان الوهم، وفوق هامات السحب الخيالية، لا تراها الأعين، ولا تبصرها الأفكار الأخرى، فقط أنت من يعيشها، وينسجها يقلبها ويطحنها بين مد البوح وجزر الكتمان، هي المشيئة الالهية العظيمة التي تسمح لنا بالعبور، وتجيز لآمالنا بالتوغل في ثنايا الحبكة، هي النعمة الربانية المحركة لكل متحرك وساكن، فالمتحرك قد ينكمش في أعمق أعماقه، والساكن قد يتأجج حيث يصبح كالتيار الغاضب الذي لا يوقفه سوى شطحة قلم·· أو اندفاع كلمة، كم حاولت الكلمات الخروج من وقعتها والطيران في مدارات الأجواء، المعاشة من لدن أولئك الذين أخذوا علي عاتقهم أمانة التحسين، أو ما يسمى في لغة المشتغلين عليها بـ الابداع ، لم لا وهم يشيدون بين فترة وأخرى بأنهم المستحوذون على ملكات وخيوط، الفشل في الاستحواذ عليها الكثير من المغامرين·· والمتطفلين·· أما الفذة الأولى فإن أحقيتهم في التطويق لا يقل شأنا عن المتعاملين بها، والفئة الأخيرة لا يمكنها التفاعل مع التيارات المتقلبة، والانسجام معها، والإبحار وسط لآلئها·· كون الاشتغال الذي يحدوها لا يتصف بالجدية، ولا يتغلغل في دوائر التمازج، لذلك فإن الزمن قد وضع حداً لكل فئة، وأعطى أحقية الاندماج كعربون يقدمه لكل من وضع قلمه على سطر الاجتهاد والارادة القوية، وعلى هذا الأساس فإن الجوانب الفكرية تحمل بين طياتها رسالة صريحة ومعبرة الى أبعد الحدود في وضع النقاط الرئيسة، على جدية المعنى الصائب، وتركت جانب المعايشة على الجهود التي يجب ان تبذل بكل اخلاص في سبيل انعاش روح التميز، حتى وان كان بعد حين، ثم انه يجب علينا ان نميز بين ما هو معبّر و معبر الأولى بالتشديد على العين والثانية بفتحها، الأولى تنقل بطبيعتها الى الهدف الذي نرمي للوصول اليه، والثانية فإننا نحاول جزافا ان نجعل من هامتها متكأ، أقل ما نسميه بـ المجاملة التي تترك آثارها قبل وبعد فوات أوان انقاذ الفكر من شطحات الانهيار المعنوي·
وهذا الأخير لا نستطيع ان ندعيه بذلك، إلا جزافا في محاولة منا لتعزية النفس، بعد ان تكون قد أخذت حقها وزيادة، في مجاراة الطموح الحقيقي والجهد المخلص، اننا نتوغل هنا في التفريق بين الغث والسمين بين الادعاء بالانتماء الحقيقي المنافي للإدعاء المزيف، نحاول مسايرة الواقع الذي نعيشه بعيدا عن أحاسيس الآخرين، والقريب جدا من أحاسيس الكلمة الصادقة المعبرة عن حقيقة الصراع الذي يعيشه الكاتب وهو في ذروة هيجانه وليس هذيانه الفكري·
البعض يتناوله بصورة قمعية وأعني هنا بالبعض، الذين يتصيدون كل شاردة وواردة، من أجل النيل من ابداع هذا، وطمس المعالم الذهنية الفكرية لذلك، وتبقى في النهاية قوة التحمل لروح التوهج، التي تحدد المسار، الذي عادة ما يسلكه المضحي بهدوئه وسكينته، في سبيل انحباس قوة المعنى للكلمة المعبرة، لأنه كلما كان الصمود أكبر في وجه الرياح·· كلما كان التشييد أرسخ وأجمل في بؤرة الابداع·
* ومضة: علمتني السير المتناقضة لروح الابداع، مبدأ الصبر وكيفية التعبير عنه، علمتني الضوضاء غاية الركون الي مغزى الفكرة، ومعنى النضال لتشكيل المنحوتة الجميلة، المرتسمة كالبرق الجذاب، الساطع فوق شلالات شعرك الثائر، تحت معزوفة ابتسامتك، المطلة على مروج الوفاء الصادق الى آخر نفس من عمر الزمن، الذي أجاز لنا التربع على عرش الود المورد·
عيسى عبدالله العزري - باحث - العين

اقرأ أيضا