الاتحاد

الملحق الثقافي

الحب.. سلاح المواجهة

    أمبيدوقليس: الحب والكره سرّ الكينونة البشرية (أرشيفية)

أمبيدوقليس: الحب والكره سرّ الكينونة البشرية (أرشيفية)

حنا عبود

منذ أيام أمبيدوقليس، بل قبل أمبيدوقليس بفترة طويلة جداً، لا يبدو أن الحياة السياسية والأخلاقية تغيّرت كثيراً، أو تحسنت قليلاً. وعلى الرغم من بزوغ علوم جديدة كعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم الإحصاء وعلم السكان وعلم البيئة وعلم الفضاء... فإن الجانب الآخر، الجانب الحياتي، أو الأخلاقي لا يزال كما كان، أو لنقل إنه لم يبتعد كثيراً عما كان. فالجشع والزهد لا يزالان كما كانا في القديم، فنسبة الزهاد ونسبة الجشعين... مثل نسبة الذكور والإناث في المجتمع الواحد... تكاد تكون واحدة، وما يدعو إلى الدهشة أن الجشِع يكثر مما عنده، وما أكثر ما عنده، ولا يكترث بكثير من منتجات الأدب والفن... فلا الذوق يغدو أرهف، ولا الرغبة في الاقتناء تتقلص، فلا عتبة لكفايته، كأنه حُوْت السماء لا يشبع من ابتلاع الأقمار، مهما قرع البشر على قدور مطابخهم بمغارف الطعام وحجارة الطريق.

منذ أيام الطاغية ديونيسيوس وحتى اليوم، لم تتغير ميول العدوان ولا شهوة الامتلاك. حتى أسلوب العمل ظل انتهازياً، فقد دخل هذا الطاغية المدينة رافعاً تمثال الربة فينوس، زاعماً في عرض ضخم مع أنصاره في شوارع المدينة، أنه سيحمي الأرض والعرض ويسترجع الحقوق المغتصبة... كما هو خطاب غلمان الانقلابات العسكرية في النصف الثاني من القرن الماضي، وحتى اليوم، وربما إلى الأبد...
ولم يجد فوكوياما في كل أحداث الشرق الأوسط، ولا الأدنى ولا الأقصى، ولا الشرق بكامله، ولا أفريقيا ولا أميركا اللاتينية، ما يؤيد نظريته، بل عاد الطاغية ديونيسيوس، بنسخة واحدة وإنْ اختلف الشكل واللغة والجنس، إلى مسرح الأحداث، لنجد أنفسنا أقرب إلى نظرية أستاذه هنتنغتون. إن الديمقراطية التي يدعو إليها لم تحل المشاكل الجديدة ولا أجابت عن الأسئلة القديمة.
ولا تزال القضايا مطروحة، كما كانت منذ القديم: هل الطاغية خلقة وتكوين أو تخلّق واكتساب؟ بل هل ظواهر الكون والنبات والحيوان والإنسان صالحة أم طالحة، وكيف نميز بين الصالح والطالح، وكيف نوفر للبشر بيئة من السعادة في حدها الأدنى؟... إلخ. ويمكن أن تطرح أسئلة أخرى عن الأرض والنباتات والحيوانات، فلماذا تظهر نباتات شبيهة بالطغاة، تبتلع كل ما يقع بين أغصانها؟ وما الفائدة من هذا النبات القاتل وجشعه الأبدي، وأي حكمة تقبع وراء ذلك؟... إنها أسئلة تطرح في مجالات أخرى أيضاً...
وهذا المخلوق «الإنسان» الذي جعله بروتاغوراس مقياس كل الأشياء، لو كان الطغيان تجربته الأولى لقلنا حاول ففشل، ولكنها تتكرر باستمرار، فهل هي قانون «من شيم النفوس» كما قال المتنبي، مع أن التاريخ يؤكد فشلها وضررها البالغ على الفرد والمجتمع؟. ترى هل يخضع الكون والخليقة للأهواء، أم أن له قانوناً لا يتغيّر؟ لماذا لا يكون الطغيان حرفة موروثة، فيكون الطغاة سلالة وراثية مثل بقية السلالات المهنية والحرفية التي تتوارث «المواهب» عن الأسلاف، فيكفي القضاء عليها بطريقة ما حتى نتجنب المآسي؟ لماذا لا يزال الناس إما قابيل وإما هابيل؟

الآداب القديمة وأمبيدوقليس
لا نجد سوى موقف واحد في الآداب القديمة، الميثولوجية أو الفلسفية، وهو أن الأمر راجع إلى الخلق والتكوين، ولا سبيل إلى الخلاص. وما شذّ عن القاعدة اخترع له القدامى ما يسمى «المصادفة»- أو «الطفرة» كما يقول علماء اليوم- و«الضرورة». ومن أبرز الأدباء والفلاسفة القدامى، العلامة والجيولوجي وعالم الميثولوجيا والفيزيائي والكيميائي والجغرافي والأنثروبولوجي... أمبيدوقليس، الذي لو اطلع القارئ اليوم على آرائه لاعتقد أنه يقرأ لعالم أو شاعر أو فيلسوف معاصر. وسيرى أن نظريته لا تقل عن نظريات أعلام العصور الحديثة من ديكارت وكانط ويونغ وفرويد وأنشتاين...إلخ ويعتبر أمبيدوقليس مقدماً حقاً على كل القدامى، أو فلاسفة ما قبل سقراط، بسبب نظرته الشمولية التي احترمت تفاعل الواحد والكثرة، وجدلية التداخل المتواشج في قلب العملية الواحدة.

نظريته في الكون
يعتقد أمبيدوقليس أن الكون عبارة عن كرة تدور حول نفسها، وكل دورة تقدر بـ 30 ألف سنة، يعود الكون فيجدد نفسه. ولو كانت الكرة مصمتة لما أمكن أن يجري فيها تطور، ولكنها كرة متفاعلة، يعمل فيها التراب والهواء والنار والماء. أمبيدوقليس جعل لعناصر الأربعة كلها مكونة ولم يقتصر كغيره على عنصر كأساس للخلق والتكوين. ومن هنا فسّر الاختلافات الكثيرة والمتنوعة في كل من الخلق والتكوين. والخلق يقوم على العناصر ذاتها التي يقوم عليها الكون، فالمخلوقات، ومنها الإنسان، ليست غريبة عن الكون، إنها منه تنشأ وعليه تعيش وفيه تموت.
الشيء المدهش في هذا الكون الأمبيدوقليسي أنه يشبه الكون الأنشتايني، فالنسبية ترى أن الكون يتمدد ويتقلص مثل القلب البشري، ولكن أنشتاين لم يحدد الدورة بثلاثين ألف سنة كأمبيدوقليس. وهكذا نرى أنفسنا أمام نظرية الكرة أو فرضية الكتلة الغازية والانفجار الكبير، سوى أن أمبيدوقليس يضيف عنصرين إلى العناصر الأربعة، وهما الحب والكره. وبتفاعل هذه العناصر الستة يتطور الكون ويكمل دورته. قبل دخول العنصرين الأخيرين كانت النسب تقتصر على العناصر الأربعة، وبحسب هذه النسب تتكوّن الأشياء، ولكن بدخول الحب والكره اختلفت الأمور. في البداية، دخل الحب فتألفت عناصر الكون، ولكن فيما بعد دخل الكره، فأعاد الترتيب وبدأت العناصر المتآلفة تتصارع مع غيرها، كما حلّ التفكك فيها وأخذت تتغيّر هي نفسها، في عملية أبدية تذكرنا بنظرية هيراكليت. وهكذا يتداخل الموت في الحياة والحياة في الموت عن طريق العنصرين المذكورين، الأول: الحب، الصداقة، الانسجام، أفروديتي (ربة الجمال والحب) العاطفة، الفرح... وكل ما شابه ذلك. والثاني: الكره، الشقاق، الخلاف، أريس (رب الحرب)، الغريزة الفجة، الحسد، الخصام، الغيرة... وكل ما شابه ذلك. وهذان العنصران أو هاتان القوتان لا تدركان بالحواس بل يستشعرهما المرء روحانياً، أو نفسياً، ومن هنا نفسر سبب غلبة التكوين على التدمير، فهناك قوة من الحب الزوجي (عشق بين عنصرين) يحفظ الكون من الدمار. لا تعرف ماهية الحب الزوجي، ولكن من النظر في الكون يستنتج المرء أنه لولا الفرح الزوجي، حب قوة لقوة، أو حب عنصر لعنصر، أو حب شيء لشيء آخر... لما ظل الكون متماسكاً، وهذا لون من ألوان الحب الانتقائي، وليس العفوي التي تجلبه المصادفة.

نظريته في الخلق
يؤمن أمبيدوقليس أن الخلق والكون شيء واحد، ما دام الاثنان يتكوّنان من العناصر الستة (العناصر الأربعة، بالإضافة إلى الحب والكره) فلا فرق بين الوعي الحسي والوعي الفكري والوعي الروحي والوعي النفسي... فأنت تدرك أمامك عن طريق ما هو موجود فيك، فلو لم يكن فيك تراب لما أدركت التراب، وكذلك لو لم يكن فيك هواء وماء ونار، لما أدركت الأحلام والتطلعات الروحانية الهوائية والنارية...
أشرنا من قبل إلى أن الحب والكره عنصران دخيلان على العناصر الأربعة. وحتى يثبت أمبيدوقليس ذلك عاد إلى المراحل التاريخية السابقة للخلق، فوجد أن المخلوقات البدائية كانت نتيجة المصادفة، وليس الضرورة، فقد تجد الرأس لا يرتكز على عنق، وتجد العيون في غير الجباه، قد تكون في الذيل أو الصدر أو القفا أو في أعلى الرأس، وقد تجد أذرعاً من دون أكتاف، وتجد عنقاً في الأسفل وذيلاً في الأعلى... وما الروايات التي صوّرت القنطورات (كائنات نصفها الأعلى إنسان، ونصفها الأسفل حصان، أو فرس) أو الكائنات العملاقة التي حاربت ضد الأوليمب، ذوات الخمسين رأساً ومئة الذراع.... سوى جيل من الخلق سبق دخول الحب والكره. في هذه المرحلة لعبت المصادفة لعبتها العشوائية، لكن بدخول الحب والكره تغيّرت تجمعات العناصر، فلم يعد البطن- مثلاً- يقبل ذراعاً أو رأساً، صارت الذراعان على الكتفين وصار الرأس فوق العنق... وهكذا.
وهنا يقدم لنا تفسيراً طريفاً، لا يقل إقناعاً لنا من نظريات دارون وسبنسر في التغيّر والتطور والارتقاء. فهو يرى أن ما ظل على قيد الحياة من أجيال الخلق السابقة، اختاره الحب، وما فني اختاره الكره، ويضع قاعدة عامة تقول إن الذي لا يجد من يحبه لن يكتب له البقاء ولا الخلود. ألا ترى كيف لا نزال نتكلم ونتحادث مع من نحب، رغم أنهم غادروا قبل مئات السنين أو القرون؟ ولا ندري إن كان الشاعر نقولا فياض التقط الفكرة من فيلسوفنا أم خطرت على باله عندما قال:

ما نجوم الليل إلا مقل ترنو إلينا
مقل الأموات ممن ذكرهم غال علينا.

فالحب خلق الجمال، والجمال عاد وخلق الحب، وبذلك تكتمل دائرة الخلود. أما الكره، فإنه إبادة وقتل وتدمير، بدافع تكويني ذاتي، لا يحتاج إلى سبب ولا إلى مسبب. فالديناصورات التي رأى الداروينيون أنها انقرضت بسبب أنها لم تعد تصلح للحياة، أو بسبب الاصطفاء... هكذا من غير أي حجة مقنعة... إنما انقرضت من الداخل، من التكوين، كما انقرضت من الخارج، بالعامل نفسه، ففي الداخل ليس بين أعضاء جسدها حب، بل كره، وفي الخارج لم تجد من يحبها فلا يتم التزاوج وتنقرض هذه الأنواع. وخير مثال على هذه المخلوقات «الخنثى» التي لا تزال تنتجها بعض الطفرات. إنها لم تجد من يحبها فانقرض نوعها، وبقيت آثار من تكوينها تظهر كل بضعة آلاف من السنين، وهي في طريقها إلى الانقراض. ولكن ما دام الأمر هكذا، فكيف تتم الدورة الكونية، ويتجدد الخلق؟... إنه «النوس» أو العقل أو اللوغوس الكوني المشرف على كل هذه الأمور.... كما يعتقد أمبيدوقليس.

أعلى من العرش
كان أمبيدوقليس محبوباً جداً، التف حوله الناس، وسمعوا تعاليمه، وعرضوا عليه العرش فرفض، ووجد نفسه أنه خالد بنفسه، وليس بحاجة إلى عرش وتاج، وهو بهذه المحبة التي يلمسها سينضم إلى الآلهة الخالدين. وقد حلا لبعض الشعراء أن يركب قصة تظهر غروره بنفسه فزعم أنه جمع الناس ليثبت لهم أنه إله خالد، ورمى نفسه في فوهة البركان. إنها قصة مركبة، مستنتجة من تعاليم هذا الفيلسوف المحبوب، الذي اكتسب الحب فخلد مثل تيسيوس محارب قطاع الطرق، وهرقل محارب الطغاة، وبيلريفون محارب الوحوش.
ولو طبقنا تلك المبادئ لحق لنا أن نفسر بقاء المخلوقات المشوهة من بشر وحيوانات بأن هناك من يحبها أو يستخدمها أو يخدمها أو يستغلها. ولكن كيف نفسر بقاء أشجار غير مثمرة، بل نباتات تلتهم كل من يقع وما يقع بين أوراقها؟ هل هناك من يحبها؟ وكيف نفسر استمرار الطغاة والمستبدين يعتقلون ويقتلون ويقصفون ويدمرون ويبيدون ويهجّرون...؟ هل هناك من لا يشيح بوجهه كلما رأى صورهم وتماثيلهم ملصقة ومنصوبة في المراقص والملاهي، كما في الشوارع والأزقة المسدودة...؟... نعم، يبدو أن المصلحة تغلب الحب... والمصلحة أم النفاق والغش...إلخ وحتى لا يقع أمبيدوقليس في التناقض استنجد بـ «الضرورة» و«المصادفة» و«اللوغوس» لتفسير كل ما شذّ عن قاعدة الحب.
نحن اليوم في حالة من انعدام الوزن، فلا نملك، سوى الحب والحلم الجميل نواجه بهما العام الجديد، وكل ما يأتي من «المصادفة» أو «الضرورة».

...........................................
* الكون تطور بالحب والكره وليس بعناصر التكوين الأربعة فقط
* هناك قوة من الحب الزوجي تحفظ الكون من الدمار
* القنطورات أو الكائنات المشوَّهة وجدت قبل دخول الحب والكره
* ما اختاره الحب من أجيال الخلق السابقة ظلَّ.. وما فنيَ اختاره الكره
* الحب خلقَ الجمال والجمال عاد وخلقَ الحب وبذلك تكتمل دائرة الخلود
* الكره إبادة وتدمير بدافع تكوينيّ ذاتيّ لا يحتاج إلى سبب أو مسبِّب
* «الضرورة» و«المصادفة» و«اللوغوس» تفسّر كل ما شذّ عن قاعدة الحب
* البشرية تطوَّرت علمياً لكنها لا تزال ثابتة أخلاقياً
* الجشِع مثل حُوْت السماء لا يشبع من ابتلاع الأقمار
* هل الطاغية خلقة وتكوين أم تخلّق واكتساب؟
* ثمة نباتات شبيهة بالطغاة تبتلع كل ما يقع بين أغصانها

معاصرة
لو اطلع القارئ اليوم على آراء أمبيدوقليس لاعتقد أنه يقرأ لعالم أو شاعر أو فيلسوف معاصر. وسيرى أن نظريته لا تقل عن نظريات أعلام العصور الحديثة من ديكارت وكانط ويونغ وفرويد وأنشتاين...الخ.
ويعتبر أمبيدوقليس مقدماً حقاً على كل القدامى، أو فلاسفة ما قبل سقراط، بسبب نظرته الشمولية، التي احترمت تفاعل الواحد والكثرة، وجدلية التداخل المتواشج في قلب العملية الواحدة.

من لا يحبّ ينقرض
الديناصورات التي رأى الداروينيّون أنها انقرضت بسبب أنها لم تعد تصلح للحياة، أو بسبب الاصطفاء... هكذا من غير أي حجة مقنعة... إنما انقرضت من الداخل، من التكوين، كما انقرضت من الخارج، بالعامل نفسه، ففي الداخل ليس بين أعضاء جسدها حب، بل كره، وفي الخارج لم تجد من يحبها فلا يتم التزاوج وتنقرض هذه الأنواع. وخير مثال على هذه المخلوقات «الخنثى» التي لا تزال تنتجها بعض الطفرات. إنها لم تجد من يحبها فانقرض نوعها، وبقيت آثار من تكوينها تظهر كل بضعة آلاف من السنين، وهي في طريقها إلى الانقراض.

اقرأ أيضا