صحيفة الاتحاد

ثقافة

3 صاعدين بأجنحة الشعر للمرحلة الثانية

أبوظبي (الاتحاد)

الحلقة الخامسة من «أمير الشعراء» لم تكن كما يشتهي الشاعر المغربي نوفل السعيدي، والذي لم يمكّنه التصويت من الانتقال إلى المرحلة الثانية من المسابقة بموسمها السابع، وبينما حصل على أقل درجات التصويت؛ استطاعت الشاعرة أفياء أمين من العراق الحصول على 75%، فيما انتقلت إباء الخطيب من سوريا إلى المرحلة التالية بـ52%، لتنضما إلى مجموعة الشعراء الذين صعدوا على أجنحة قصائدهم المتميزة إلى المرحلة الثانية من «أمير الشعراء» بموسمه السابع خلال الحلقات الأربع الماضية.
المقدمان د. نادين الأسعد ومحمد الجنيبي، وبعد أن هنآ الأمهات بعيدهن، والشعراء بيوم الشعر العالمي؛ أعلنا عن أسماء الشعراء المشاركين في أمسية ليلة أمس، وعن تأهل الشاعر عمر عناز من العراق بـ47 درجة منحته إياها لجنة التحكيم إلى المرحلة الثانية، فيما بقي بانتظار تصويت الجمهور حتى الحلقة القادمة كل من إياد الحكمي من السعودية الذي حصل على 44 درجة، وهندة بنت حسين من تونس التي أعطتها اللجنة 42 درجة، ومرام النسر من سوريا التي حصلت على 39 درجة.
ليلة مليئة بالشعر عاشها جمهور مسرح شاطئ الراحة، ومتابعو البرنامج عبر قناتي بينونة والإمارات، بما حفلت من قصائد فصيحة ونبطية ومغناة، ومجاراة الشعراء للشاعرين الراحلين نزار قباني ومحمد مهدي الجواهري، إلى جانب مجاراة بين النبطي والفصيح، وكل ذلك جاء مترجماً بلغة الصم والبكم.

لبردى وقاسيون
استهلالية أمسية الحلقة الخامسة كانت مع مرام النسر التي ألقت قصيدتها (سحرٌ عانقَ الأبَدَا)، وقالت في الأبيات الأولى: (للهِ درُّكَ مِن حُلمٍ أضاءَ غدا/‏‏ واستعذبَ العيشَ في أرضٍ تموتُ سُدَى/‏‏ للهِ درُّكِ مِن بوابةٍ عَرجَت/‏‏ منها دمشقُ إلى العلياءِ ذاتَ مَدَى).
من أوجاع الوطن في قصيدة مرام إلى آراء أعضاء لجنة التحكيم، حيث قال د. صلاح فضل للشاعرة: أنت غضة الوجدان، طرية العود، والقصيدة عادية وبسيطة، وتقصُر عن درجة الإحكام الضرورية، لذلك حاولي أن تقولي ما لم يُقل من قبل، كي ترقي إلى مستوى أفضل.
د. علي بن تميم، أكد أن نص مرام لا يقدم تجربة خاصة، وكثيرة هي العبارات والكلمات المكرورة جداً، ولو غيرنا اسم دمشق لاستوى الأمر. ودعا مرام - أصغر شاعر تتقدم إلى أمير الشعراء - إلى البحث عن عوالم أكثر خصوصة في نصها الذي تضمن بعض اللمحات الجمالية.

الشاعر الماكر
ثاني شعراء الأمسية إياد الحكمي الذي ألقى (عَيْنَانِ فِي عَتْمَةِ الدَّم)، وقال في مطلع نصه:(هُنَاكَ/‏‏ وَالأُفْقُ أَحْجَارٌ مُسَوَّمَةُ/‏‏ وَالأَرْضُ صَفْحَةُ صَلْصَالٍ مُطَهَّرَةُ/‏‏ هَبَّ الكَلَامُ سَـمَاوِيّاً/‏‏ وَثَمَّ دَمٌ/‏‏ مُعَلَّقٌ بَيْنَ مَنْ ضَجُّوا وَمَنْ سَكَتُوا/‏‏ مَنْ شَيَّدُوا قُبَّةَ الظَّمْآنِ مِنْ لَـهَبٍ/‏‏ مَنْ مَزَّقُوا غَيْمَهُ/‏‏ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَتُوا).
د. علي بن تميم قال بداية: إن نصك هو وجهة نظر مليء ومتفجر ويفيض بالشعر، وهو نص بديع من أوله إلى آخره، بدءاً من العنوان، إذ يرسم فضاءً على حافة الأسطورة، ويعبر عن الجريمة الأولى، ويرسم الواقعة، ويصور تعاليم السماء، أما لغة النص، فهي تقدم صورة الإرهابي وكيف يُصنع، وما الفكر الذي يكونه، ومجمل القول إن الرؤية عميقة لدى الشاعر.
د. عبدالملك مرتاض أشار إلى أن إياد قدم قصيدة كبيرة، والبيت الحادي عشر هو قمة الذروة الشعرية في النص بما فيه من تباين، أما سيميائية اللغة فهي مزيج من الحزن والقسوة، وقد برع إياد في تقديم قصيدة حديثة جداً، بديعة ورفيعة.

مريمية الهوى
جمهور الشعر كان على موعد مع هندة بنت حسين التي ألقت قصيدتها التي أسمتها (هواءٌ مريميٌّ إلى رئةِ العالم)، والتي افتتحها بأبيات قالت فيها:(أرى وردَ أسمائي وعطراً يحاولُ/‏‏ وحُلْماً هلاليَّ الغناءِ يغازلُ/‏‏ كأنَّ لهذا الليلِ صوتاً يشدني/‏‏ لموجي الذي قد شردتْهُ السواحلُ).
د. عبدالملك مرتاض أشار إلى تمجيد التسامح الأديان السماوية، من خلال النص الذي ألقته هندة، وجاء ليجسد الحب والسلام والعشق والخضرة والماء. أما اللغة السيميائية، فهي جميلة، وليت ما فيها يتحقق، ليعيش الناس أحراراً حالمين سعداء، وعموماً اللوحة الفنية أنيقة، وأبدع الشاعرة بما أنشدت.
د. صلاح فضل قال، إن الشاعرة مسكونة بروح مثالية جداً، محلقة في سماء الشعر، تتماهى مع أيقونة العذراء لتنشد أبياتاً جميلة، وهي توغل في نسج لغتها بطريقة بديعة، وتوظف قصة مريم بشكل بالغ الرهافة، فيما كانت التصورات مثالية منقوعة في الشعر، لكن هندة لم تبلور معادلاً موضوعياً في ذاك النص المريمي.
د. علي بن تميم، رأى أن النص مكون من قسمين، القسم الأول جاء في الأبيات الثمانية الأولى بضمير الأنا، وحملت عناصر غنائية تعود إلى ذات الشاعرة، فيها نزعة نزعة صوفية، وترمز إلى البحث عن الذات، وعن عدم قدرة الأنثى على البوح، وتحتشد عناصر الطبيعة. أما في القسم الثاني، فتشتبك الذات مع الجماعة، لكن حضور مريم كان مربكاً ومخاتلاً، فمرة جاء الاسم ممنوعاً من الصرف، ومرة صرفته الشاعرة، لكن ما معنى أنها – أي مريم - ما تزال تهز بلادها، ولماذا لها ماء العابرين؟ وختم بالقول: لقد خرجت الأنا من لحظة مثقلة إلى لحظة مربكة، ولو أسقطت الشاعرة الجزء المربك لكان أجمل، صحيح أنها أرادت الفلسفة لكنها خسرت الشعر والفلسفة.

خلطة شعرية حراقة
الشاعر عمر عناز بدأ قصيدته (ببيت شعري «مجرم» في جماله، يصل إلى ذروة الفتك). هذا ما قاله د. صلاح فضل. ورأى أن بدء عمر بالذورة يعتبر مشكلة تلقي ظلها على بقية القصيدة، مخافة أن تصبح الألفاظ الفاتنة التالية شاحبة.
غير أن عمر استمر في ما بدأ به، وكان يقترب جداً مما يريد أن يومئ إليه، أي إلى الأنثى، والتي لم يظن د. فضل إلا أنها الموصل. ورأى الناقد أن الشاعر كان كمن ينظر إلى قيس بن الملوح في بيته (تكادُ يدي تندى إذا ما لمستُها/‏‏ وينبت في أطرافها الورق النضرُ)، معتبراً ذلك هو الجمال الشاعري الحقيقي.
ثم عبر د. فضل عن عجبه من البيت (لِلشَّمْسِ تَخْلَعُ ثَوْبَهَا الذَّهَبِي/‏‏ فَوْقَ سَرٍيرِ رُوحِي، لَهفَةً لِلِقَاهَا)، وكيف جمع عمر بين السرير والروح. وختم بقوله: (تصنع خلطتك الشعرية الحراقة البديعة والجميلة، وهي أنثى تصوغها على هواك، تنطلق ظباها وسط غابات الشعر، وفي ذلك تطويع للشعر، وإضافة جمالية لعوالمك).
(مُذْ شَهقَتينِ على حَريرِ رُباها/‏‏ سَكبتْ بقلبي خَمرَ موسيقاها/‏‏ أُنْثى، كَأَنَّ اللهَ مِنْ تَمرٍ عِرَاقِيّ/‏‏ يُقَطِّرُ سُكَّرَاً، سَوَّاهَا/‏‏ أُنثى.. أُقَلِّبُ دَفْتَرَ الأَزْهَارِ فِي روحي لَعَلِّي مُمْسِكٌ بِشَذَاهَا).
من جهته أكد د. بن تميم أن النص رسم صورة مثالية للمرأة، فجمع بين المرأة البريئة والأخرى الشهوانية، لينطلق النص من الأنوثة إلى الجمع بين الوصالين الجسدي والروحي، وجعل المرأة ملهمة للشعر، ويبدو أن عمر مختلف عن الشعراء العذريين والآخرين الذين يغرقون في اللذة، إذ جمع بين حبه للذة والشعر والحياة، وجاء بلغة جميلة وموسيقى لذيذة وعنوان رائع.
د. مرتاض أشاد بالجمالية الضاربة في جميع أبيات القصيدة، وبالانزياح البديع في اللغة التي رسم بها عمر أبيات قصيدته. ووجد د. مرتاض أن لغة الشاعر في معجمها مكونة من ثلاث مجموعات، الأولى مجسدة للألوان، والثانية مجسدة للطبيعة، والثالثة مجسدة للأضواء، كما ألف بين كل المجموعات اللغوية، ورسم لغة شعرية رفيعة الجمال في الصور، وأتحف المستمع بالإنشاد الجميل.