الاتحاد

الملحق الثقافي

أوليغ غرابار: الفن الإسلامي سرُّ ثراء العالم

كورين بونيه
ترجمة: أحمد عثمان

أوليغ غرابار، باحث ومتخصص بارز في الفن الإسلامي، ومؤلف العديد من الكتب والمقالات التي اشتهرت في حقله العلمي؛ علاوة على كونه رجلاً ميدانياً؛ أدار عمليات التنقيب عن قصر الحير الشرقي في سوريا، وكلفته اليونسكو بمهمة التفتيش عن عمليات التنقيب الجارية في جبل المعبد بالقدس في عام 2001. من بين كتبه، يمكن الإشارة إلى تلك المكتوبة بالفرنسية، مثل: «الزخرفة، الأشكال والوظائف في الفن الإسلامي»، «التفكير في الفن الإسلامي، جمالية الزخرفة»، «التصوير الفارسي»، «قبة الصخرة، حلية القدس»، «تكوين الفن الإسلامي»، ومؤخراً «الصور في أرض الإسلام»، وله بالانجليزية: «العصور القديمة المتأخرة: دليل الى العالم ما بعد كلاسيكي» (بالاشتراك مع غلين بوفرسوك وبيتر براون، هارفارد يونيفرستي برس، 1999)، فضلا عن ثلاثة وثمانين مقالاً مجمعة في أربعة أجزاء تحت عنوان «بناء دراسة الفن الإسلامي» (آشغات، هامبشاير، 2002-2006).. هنا تفاصيل الحوار.

* في مجال، تاريخ الشرق الأدنى القديم، تحدثنا كثيراً عن «الآركيولوجيا الكتابية»، بمعنى أن المرء يجتهد ليجد من الناحية الآركيولوجية نقاطاً موضوعية عما ذكره العهد القديم. ولكن هذا بات اليوم محل نزاع، وثمة اقتراح بأن تحل محلها تسمية «الآركيولوجيا الفلسطينية». كيف يمكن التفكير في «الفن الإسلامي»، التقليدي، كما أتخيل، في إطار اللغة الأكاديمية؟
** ليس هناك شك في أن مفهوم الفن الإسلامي الذي يعتبر تقليدياً، ولكنه غير قديم البتة، إذ ظهر فقط خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، على وشك التلاشي؛ بيد أن هذا ليس له أي معنى، ولا يرتبط بواقع اللفظة «إسلامي»، التي تحتوي على تعددية الوحدات المختلفة، وكل وحدة تتصور فنها، ماضيها، ثقافتها بطريقة مختلفة. ولست متأكداً أن هناك ضرورة لتغييره إلا إذا وجدنا شيئا ما أفضل، وحتى اليوم لم يصل شخص إلى هذا الشيء الأفضل. من الممكن أن نقوم بدراسات إقليمية، إذا أخذنا في الحسبان الأندلس، تركيا أو إيران.
* وقت اشتقاق هذا التصنيف «الفن الإسلامي»، هل كانوا واعين بأن ما يحتويه متنوع بصورة كبيرة؟
** هذه مشكلة مثيرة للاهتمام. في الواقع، كانوا واعين، ولكن عصرذاك، كانوا يشتغلون على الفنون القومية: كان هناك فن عربي، فن تركي، فن فارسي، فن موريسكي... وهذا التنوع إثني، وإلى حد ما، عرقي بالتعريف. ولكي نتجنب كل هذا ـ قالوا- إن هناك عاملاً مشتركاً يربط بينها جميعاً، وهو الإسلام. لقد جرى هذا التوليف في نهاية القرن التاسع عشر، وأول من كتب عنه، على ما أظن، صالادان، المعماري الذي كتب أول كتاب موجز عن الفن الإسلامي (1).
الدين والفن* بالنسبة لما تقوله حالياً عن توجه الفنون القومية إلى الفن الإسلامي، حينما نختار مصطلح «إسلامي»، ألا يوحي، ضمنياً على الأقل، بوجود علاقة مقننة نوعا ما بين أنماط الفكر الديني وأنماط التعبير الفني؟
** نعم، أعتقد أن الناس الذين قاموا بتطوير المصطلح فكروا فيه. غير أن معظم هؤلاء العلماء كانوا مؤرخين ومعماريين، وبالتالي كانت معطياتهم ترجع دوما إلى المساجد. وحينما يرجعون إلى القصور وإلى المدن أو الموضوعات، لم يكن الأمر يسيراً. كانت هذه المعطيات صالحة للمساجد وربما لتنظيم المدن: هناك عقيدة فنية تطورت في فرنسا من خلال مارسيه (2) وآخرين بأن هناك مدينة إسلامية، وفي منتصفها فضاء مشترك، مسجد، قصر، وغيرها. هذا أسطوري نوعا ما، ربما تشكل شبكة من القراءة المفيدة، ولكنها أنتجت طريقة للنظر إلى الأشياء غير المرتبطة بالواقع. بالتأكيد، من الممكن القول إنها طريقة للعمل تتعلق بعصر آخر. اليوم «نعيد بناء»، نقسم الكل إلى أجزاء صغيرة، ننظر إلى كل شيء بانفصال عن الآخر ولكننا لا نحب هذه التعميمات الكبرى. لا نمتلك نظرية، ولكن هذا سيأتي يوماً ما، لأننا في حاجة إليها لكي نفهم لماذا لا تتشابه المعطيات التاريخية لهذه البلاد الإسلامية، أيا كانت، مع المعطيات التاريخية لغيرها من البلاد، تاريخياً. في الوقت المعاصر، من الدقة القول بأنه لا يوجد اختلاف حقيقي بين فنون العالم الإسلامي وفنون البلاد الأخرى. ولكن هذا تاريخ آخر...
* أحب أن أفهم بشكل أوضح وبمعاونتك الطريقة التي قام الفن الإسلامي بها لدمج وإعادة تأويل ورفض، أي امتلاك التقاليد الفنية للعصور القديمة، إذ تكمن التعددية هنا في الدقة. غالباً، ما نلاحظ أن العصر الأموي، خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين، أسس نوعا من «النقل» بين العصور القديمة المتأخرة والإسلام. ولكن المتخصصون في التاريخ تجنبوا شراك المصطلح الموجه. يرسم مفهوم العصور القديمة المتأخرة رمزاً فرعياً ينكره الكثيرون. بينما أن تصور «النقل» لا يشير بعدالة إلى الإبداعية التي مثلت كل عصر. كيف يمكن لنا إدراك الحوار الذي يربط بين الفن الأموي والعصور القديمة؟ وكيف يمكن تفسير أن – في بعض البلاد كسوريا ومصر- كانت القابلية للتأثر أكبر من بلاد أخرى؟
** هنا، أيضاً، يلزمني أن أقول: أنه خلال الخمسين أو الستين عاماً التي أمضيتها منشغلاً بهذه الموضوعة، أرى أنه سؤال غيَّر الإجابة والسؤال نفسه تغيَّر. في البداية، لنقل قبل ستين عاماً، حينما كنت طالبا، كان يقال وكنا نقرأ أن هناك عصور قديمة، يتم النظر إليها من خلال سلطة جديدة، سلطة الخليفة، التي غيرت هذه العصور القديمة، ولكن ليس بسرعة ولا في كل النواحي. الآن، أعتقد أننا على وشك إعداد ورسم مختلف تماماً يرى أن التغيرات الكبرى تحققت خلال القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، وليس منذ البداية. مثل الإسلام نفسه، وتكوين العوالم الإسلامية جزء من التغيرات التي جرت مع نهاية العصور القديمة. لقد بلور الإسلام إلى جانب المانوية والمندائية والبوذية والمسيحية وكافة صور الحركات الدينية والسياسية أوروبا وآسيا حتى القرنين التاسع والعاشر الميلاديين. وبالتالي، تبدى هذا الشكل في مظهر مختلف. إذن، نحن لا نتكلم عن تحول القديم شديد الخصوصية في العالم الإسلامي، وإنما عن تحول القديم كسيرورة تحققت في جميع الأقاليم، ولكل إقليم طريقته، بتماثلات قوية. هذا لا يتبدى فقط في العمارة وأعمال البناء، التي تتشابه نتاجاتها نوعاً ما في العالم الإسلامي، وإنما أيضاً في الموضوعات. تتشابه الموضوعات كثيراً من إقليم إلى آخر، ومن الممكن تناول نفس الموضوع في الهند أو في دول البحر المتوسط بسهولة. هناك أشياء مثيرة للفضول في المكتبة الوطنية في باريس، على وجه الخصوص، عانينا أكثر مما ينبغي لتعيينها. تحمل توقيعاً عربياً، ولكنها هندية. هل صنعت من أجل عربي أو هندي؟
لا يمكن تفسير تأسيس العالم الإسلامي من دون الاهتمام بالتشابهات بين الأقاليم التي كنا نراها في وقت سابق مختلفة عن بعضها البعض. لو كانت مختلفة بهذه الصورة لما أصبحت جميعها مسلمة. ولكننا لم نحلل جيداً طبيعة الاختلافات. هذا أمر صحيح بالنسبة للفنون، ولكن الأمر لا يقتصر عليها، فقد تم تغيير الملابس، وطريقة تناول الطعام، وغيرهما. من المثير للاهتمام مقارنة ما جرى بعالمنا المعاصر: الآن، تشابهت الملابس بصورة كبيرة في كل مكان. في الهند مثلاً ما يزل هناك من يرتدي ملابسه بطريقة مختلفة. والصينيون الآن غيروا ملابسهم، ولم يكن هذا حالهم قبل عشرين عاماً تقريباً.

قبة الصخرة.. حالة استثنائية
* هل تسمح التطورات الآركيولوجية تزويدنا اليوم بفكرة أكثر وضوحاً عن هذه المراحل التي تسمى انتقالية؟ هل يمكننا التوقف للحظة عند القدس، التي نشرت عنها كتابا مؤخراً (3)؟ قبة الصخرة، التي درستها بدقة في عام 1997 (4)، أحد الأمثلة الاستثنائية عن العمارة الإسلامية الأولى. طوبوغرافياً، ننغرس في ساحة المعابد، أسلوبياً، شكلها يستدعي عصر الشهداء في العالم المسيحي، يتجلى هذا الأثر كشيء من التوليفة. ولكن الزخارف التي تجمله تعرض خصوصيات جذابة تشير إلى هم الإبداع. هل من الممكن أن تعاوننا على فك شفرات مختلف هذه العناصر؟
** ينبغي النظر إلى عاملين؛ بداية تطور تطور الآركيولوجيا التي ظلت طويلا محصورة في سوريا وفلسطين، أي في المكانين اللذين جرت كثير من عمليات التنقيب فيهما. اليوم، ومع كل الأشياء التي اكتشفت في آسيا الوسطى وإيران- بالأخص في آسيا الوسطى-، ينفتح عالم جديد أمامنا. ولكن أعتقد بوجود شيء آخر: الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء. أي منذ خمسين عاماً، رأينا أن اكتشافات الفن الإسلامي شيء مختلف عن العصور القديمة، واليوم، يقال أنها العصور القديمة المعدلة. تلك سمة أخرى. قبة الصخرة، في القدس، حالة مثيرة للاهتمام في هذا البعد. في البداية، من الممكن القول أن لا جديد في قبة الصخرة، ولكن لا شيء يماثلها أيضا في أي مكان. كيف يمكننا القول أن الشيء جديد وغير جديد في آنٍ معا؟ نحن هنا أمام شكل ثماني الأضلاع كاملاً. ومع ذلك، لم تعرض كنيسة مسيحية هذا الشكل الثماني الأضلاع الكامل. إجمالا، تم الحصول على شكل قديم وتقليدي وتم تكييفه حسبما حاجة جديدة. ما هي بالضبط هذه الحاجة؟ ليس لدينا أي فكرة! لا نعرف لماذا بنيت قبة الصخرة. نعرف أن المكان له قيمة تاريخية. أحد ما بنى هذا البناء تحت هذا الشكل ليس فقط للمسلمين وإنما أيضاً لكي يفهمه غير المسلمين!.
* كانت نفس الشيء وشيء مختلف آخر في آنٍ واحد...
** هو ذا! نفس الشيء بيد أنه في الحقيقة ليس لديك الحق في دخولها. تعرفينها، ولكنها ليست خاصتك.

قراءات متعددة
* ألا تمثل هذه المقدرة الثنائية على الامتلاك والاختلاف دعوة لاقتراح قراءات متعددة عن الفن من خلال مستعمليه أنفسهم؟
** نعم، في الواقع. من الممكن القول أنها، حسبما أرى، إحدى كبرى ابتكارات أو إبداعات – لا أعرف إن كانت مبتكرة أو مبدعة عفوياً – الفن الإسلامي الحديث، الذي حقق تأويل المشاهد. بما أنه لا توجد رسالة رسمية، نحقق أشياء جميلة أو نقولها: «عليكم الإعجاب بها وشرح ما تريد أن تقوله». إذن، هذه حالة حديثة للغاية: المشاهد يقرر نوعية الأشياء التي تتحقق ودلالاتها. هو ذا مظهر مختلف تماماً لأن الأمر يختلف تماماً في الكنيسة، في العالم المسيحي، يميل المرء إلى القول «تلك سمته»، «إذا كان علينا التفكير في هذا الأمر، علينا الإيمان به، الخ».
* وبالتالي، هل من الملائم الكلام عن فن «تيولوجي»؟ يفكر مؤرخو الفن في الأعمال المقدسة والآثار «بلاغية» نوعاً ما، مثل المساجد، وإنما أيضا آثار الفن العلماني (قصور، حمامات، الخ)، ثم الفن الشعبي. هل تختلف العلاقة بالتراث القديم جذريا حسبما ترتحل النظرة؟
** في الواقع، لا يتعلق بالأمر بفن تيولوجي. ينبغي أن نعرف، لأسباب معظمها غير جوهرية، أننا نمتلك كثيرا من المعلومات حول الفن الدنيوي للعالم الإسلامي أكثر من الفن الديني. وهنا، نستطيع أن نتفق نوعاً ما أن نفس الفن استخدمه المسيحيون أيضاً. نعرف جيداً قصور المسلمين أكثر من قصور المسيحيين، ولكنهما نفس الشيء على وجه الاحتمال: نفس الزخرفة، نفس التواريخ، نفس التقنيات... في هذا المعنى، يمكن القول: إنه بوساطة الاكتشافات التي تحققت في عالم الإسلام وصلنا إلى صياغة الفكرة التي تحقق ثراء العالم كل يوم، العالم القديم كله وحتى القرنين الثاني عشر والثالث عشر. الأشكال مختلفة، محلية، ولكنها تحققت لأجل جمهور من الممكن أن يكون مسلماً أو مسيحياً. هناك أشياء برونزية شهيرة للغاية، منقوشة بموضوعات اختارها الحرفيون المسلمون، ولكنها تعرض «ثيمات» مسيحية. لم يتطرقوا أبدا إلى طرح موضوعات خلافية بين المسيحيين والمسلمين، كمسألة البعث أو الصلب على سبيل المثال، في هكذا مسائل كان هناك دوما شيء من الرقابة... أما ميلاد المسيح، مثلاً، فالجميع متفق عليه. وبالتالي، كانوا ينتقون الموضوعات والصور التي تتفق مع العالم بأسره لأنهم لا يعرفون المشتري. من الممكن أن نلاحظ هذه الظاهرة أيضاً في كنز سان مارك، الذي سرقه الصليبيون من القسطنطينية؛ هناك الكثير من الأشياء الإسلامية، لأن كثيراً من العملات الإسلامية توجد في كنوز الأباطرة البيزنطيين. وفي كنز بوي، في فرنسا، كثير من التدوينات شبه الكوفية لا تعني شيئاً (7). لقد حاولوا فهمها بيد أن لا تعني شيئاً. وأعتقد أنهم قاموا بعمل شيء لا يفهمونه. لقد نقشوها فقط لأنها جميلة.
على الطرف المقابل، وفي عصر النهضة، هناك لوحة لجنتيل دو فابريانو تسمى «السيدة العذراء»، نقش على هالتها: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله». هنا أيضاً، نسخ الفنان (الشهادتين) حرفيا، ولم يعرف ما يفعله.

العلاقة مع الإغريق
* في مجال العلوم الموروثة من الإغريق، مع حركة الترجمة الكبرى التي بدأت في القرن التاسع، ورجرجت «استقبال» العصور القديمة. هل هناك علاقة بين سجل الفن وسجل العلوم حول سؤال العلاقة مع العصور القديمة (الإغريقية تحديداً)؟
** هنا، نعرف على وجه الدقة كيف جرى هذا الأمر. في نهاية القرن الثامن وبداية القرن التاسع، ترجم العلماء من اللغة اليونانية إلى السيريانية، ومن السيريانية إلى العربية. وعرفنا جيداً ما جاء من الإغريق. هناك نقوش رائعة في ضريح سمرقند، الذي يرجع إلى القرن الرابع عشر، حيث نقرأ نقشا «لأرسطو» وعدداً من مقولاته. لقد ظل العالم الكلاسيكي حاضراً في كل مكان وكان مقبولا لدى الجميع كإرث مشترك. وبعد فترة، بعد عصر النهضة، ظهرت الاختلافات في استعمالات هذا الإرث. وهذا يعني أنه لم تكن هناك رغبة دقيقة لإنقاذ هذا الإرث. مثلاً، يستخدم في بعض الآثار الإسلامية أحياناً أحجار ذات نقوش إغريقية أو رومانية، بدوافع سحرية، لا نعرف السبب وراء ذلك، من الممكن أن هذا يساعد في شفاء الأمراض أو الإنجاب، لم يكونوا يعرفون أنها إغريقية أو لاتينية، وإنما فقط شيء أجنبي أو غريب. ومن ناحية الأشكال، نجد أنه خلال القرن الثاني عشر الميلادي على وجه الخصوص تم إعادة إنتاج أشكال كلاسيكية قديمة. مع ذلك، لا نستطيع أن نتحدث عن نهضات مقصودة. لقد كانت هذه الأشياء موجودة، أمام أعينهم، ولهذا نسخوها، أعادوا استعمالها، لم يكن هذا مقصوداً ولم تكن هناك إرادة على المستوى الرسمي، إلا في استثناءات قليلة، لإعادة إبداع الأشياء القديمة. حتى في المنمنمات أو المخطوطات، لا نلاحظ نفس الطموح الموجود في الغرب، حيث يوجد برنامج بحث عن القديم والعودة إلى الأصول.
* لسنا في حاجة إلى الرجوع إلى هنري بيرين الذي أشار في كتابه «محمد وشارلمان» الصادر في عام 1937 إلى أن الفتوحات الإسلامية في البحر المتوسط مثلت قطيعة حقيقية بين العصور القديمة والعصور الوسطى. لقد تموضعت أطروحاته أساساً على التحليل الاقتصادي، وانتقده كثيرون، تحديداً جاك لو غوف، لكن هل من الممكن «كنس» قراءته عن هذه المرحلة؟
** أعتقد أن كنس فكرته عن عالمين يتباعدان، ينفصلان، شيء غير معقول، غير معقول أبداً، بالنسبة إلي. ثمّ إن هناك دراسات مثل دراسات بيرين – لم يكن الوحيد الذي فكر في هذا الشأن – لم يهملها الكثيرون؛ الأفكار الكبيرة عن «صدام الحضارات» مثلا، في الوقت الراهن ليست سوى تعديل لهذا النوع من الأفكار التي تتعلق بعوالم مختلفة اجتماعياً ولا يمكن أن تتفاهم. في المقابل، هناك جيل جديد من المؤرخين يرى أنها قادرة على التفاهم. إن قيمة بيرن الكبرى تكمن في أنه أجبر الناس على التفكير في هذا التطور التاريخي، حتى وإن كان تفكيره يبسط المشكلة. الجيل التالي لبيرين، مثل بروديل، اختار العمل على مرحلة طويلة. شيء ما مثل الماركسية التي فشلت في مساعيها التفسيرية، ولكنها قامت بدور مهم ضمن حركة البحث التاريخي. ثمة ما ينبغي قوله هنا: لا يمكن أبداً أن نفهم التاريخ كليا، ولا كيف تعمل الأشياء، ولا لماذا أيضاً، ولكن النظريات تساهم في طرح الأسئلة الجيدة التي تجعلنا نفكر.

عجائز فرنسا * سؤال لبروفسور يعرف العالم الفرنسي كما الأميركي جيداً، ما هي الاختلافات الجوهرية في المقاربة، المفاهيم، الإشكاليات لدى جانبي المحيط الأطلسي فيما يخص الفن الإسلامي؟ هل لنا صلة بهذين التقليدين الأكاديميّين والثقافيَّين المختلفين؟ هل كان الاهتمام بتراث العصور القديمة معيناً؟
** قطعاً. هناك في رأيي ثلاثة اختلافات كبيرة في العالم الأكاديمي، الجامعي. الاختلاف الأول أنه يوجد في الولايات المتحدة طلبة مسلمون، أو من أصول مسلمة، وهذا لم يكن موجودا من قبل، بينما في فرنسا الأمر مختلف، الطلبة في غالبيتهم قادمون من شمال أفريقيا. لهم ماضٍ وذاكرة شديدة الخصوصية. في الولايات المتحدة، قدموا من الشرق الأوسط، وهذه ذاكرة أخرى، إرث آخر. وبالتالي، يطرح هؤلاء الطلبة أسئلة مختلفة، ولهم اهتمامات أخرى. في فرنسا، يطرحون سؤال: «من أنا؟»، و «كيف أنتمي إلى العالم الذي أوجد فيه؟»، إنه سؤال الهوية والاندماج. أما في الولايات المتحدة، في الغالب فالسؤال الرئيس هو: «لماذا لا يتقبلونني بصورة أفضل في هذا المجتمع؟».
لقد انتموا إلى المجتمع واندمجوا فيه، ولكنهم يشعرون بأنهم واقعين تحت التمييز وأن قيمتم بخسة أو تم تبخيسها، كما أن لديهم دوماً توجه قومي. أما الاختلاف الثاني، فيختص بتاريخ الفن؛ لقد تطور هذا العلم في الولايات المتحدة كثيراً عن فرنسا، بسبب العلماء الألمان الذين هاجروا في الثلاثينيات. إضافة إلى أن كبار هواة جمع اللوحات كانوا في الغالب من الأميركيين. مذّاك، أصبح تاريخ الفن بسرعة علماً له قواعده، وطريقته في النظر إلى الأشياء، بينما في فرنسا، درس معظم المهتمين بالفن الإسلامي الفيلولوجيا والتاريخ ومعرفة اللغة، مما أنتج علماء أكثر كمالا، ولكنهم في غالب الأحيان يفتقدون هذه التجربة والمعرفة البصرية الموجودتين في أميركا. ولذلك، نحن نتحدث عن عالمين مختلفين.
وأما الاختلاف الثالث، والذي لم أفهمه بعد، فهو أن العالم الأكاديمي الأميركي، كما يتبدى لي، منفتح دوماً على الجديد بشكل أكبر من العالم الأكاديمي الفرنسي. وبذلك تقبل المجالات الجديدة، والأفكار الجديدة، والمناهج الجديدة مع احتمال هجرها أحياناً أيضاً. هناك نوع من الصرامة في التقليد الفرنسي الخاص بالتعليم وتصنيف المجالات العلمية، التي بدأت تتغير حالياً. بعد مايو 68، كانت هناك محاولات تغيير حقيقية، بيد أن «العجائز» استعادوا السلطة في أياديهم، على وجه الخصوص في هذه المجالات. هنا أيضاً يكمن الطموح لتنظيم الأبحاث في إطار العمل الجماعي، في فرنسا لا يوجد هذا الطموح، كل شخص يعمل لصالحه. أذكر تحديداً اهتمام طلبة شمال أفريقيا بمعرفة ما كان يثير اهتمام أسلافهم وجذورهم، خلال القرنين الأخيرين، في فرنسا عن أي دولة أخرى، ولم يعبؤوا بدراسة العصور القديمة وتراثها، مما ساهم في ظهور أسئلة جديدة وإصدارات جديدة ذات قيمة.

مفارقة
* عودة إلى أولى أطروحات حوارنا، نصل إلى مفارقة تتمثل في أن الفن الإسلامي، أساساً، دنيوي...
** بالقطع، تلك مفارقة تثير قلق الكثيرين لأنها تشوش الأشياء، ولكنها صحيحة. تغيير العنوان ليس سهلاً. ولكن من الممكن أن نتعامل معه على هذا الأساس. وهذا ما جرى مع مصطلح «الغوطي»: كلمة محقرة للإشارة إلى البرابرة في العصور الوسطى، الذين خرجوا من غابات ألمانيا، ثم استخدم للتدليل على فن مرهف، لا علاقة له بالغوطيّين. حتى الفن «الروماني»، لا يعني شيئاً على الإطلاق.
* في نفس الوقت، كانت جميع التسميات الإشكالية مناسبة للتفكير، للتساؤل حول طبيعة العلوم وتقسيماتها...
** مؤخراً، اقترح عدد من المطبوعات تسمية جميع الفنون، بدءاً من إيران إلى هنغاريا، «فنون بلاد الروم» وليس الفنون «العثمانية». شيء جميل، ولكن بالنسبة لأناس لا يعرفون ما تعنيه كلمة «روم»، فالتسمية لا تفيد في شيء. تمثلت الفكرة فقط في عدم استعمال الكلمة «عثمانية»، لأنها تتضمن قوة إيمان الأسرة الحاكمة، ولكننا لا نتحدث هكذا عندما نتعامل مع الفن. هذه الأسئلة الخاصة بالتسمية تدور في رأسي طوال الوقت، وعليَّ أن أجد الوسيلة لكي أكتب عنها، ولكن تطويرها حقاً ليس بالأمر اليسير.
...................
(*) Corinne Bonnet، «Entretien avec Oleg Grabar: L’art islamique et l’Antiquité»، Anabases، 11 | 2010,205-216.
1 - G. Migeon – H. Saladin، Manuel d’art musulman، Paris، A. Picard، 1907.
- أنظر تحديدا:2
G. Marçais، L’architecture musulmane d’Occident، Paris، Arts et Métiers Graphiques، 1955.
3 - O. Grabar & B. Kedar (éd.)، From Heaven to Earth، the Haram al Sharif at Jérusalem، Jérusalem، 2009.
4 - Le Dôme du Rocher، joyau de Jérusalem، photos de Saïd Nuseibeh، Albin Michel/‏‏‏‏ima، Paris، 1997.
5 - C. Vibert-Guiges et G. Bisheh، Les peintures de Qusay’r Amra، Un bain omeyyade dans la bâdiya jordanienne، Department of Antiquities of Jordan، Amman – Bibliothèque archéologique et historique، Ifpo، Beyrouth، 2007.
6 - S. Reinach، Répertoire des peintures grecques et romaines، Paris، E. Leroux، 1922.
7 - X. Barral i Altet، “Sur les supposées influences islamiques dans l’art roman?: l’exemple de la cathédrale Notre-Dame du Puy-en-Velay”، Cahiers de Saint-Michel de Cuxa 35 (2004 = Chrétiens et Musulmans autour de 1100)، p. 115-118.

الإيمان والفن
* سطرت دومينيك شوفالييه في كتابها الأخير، «أبخرة الدم» (باريس، 2008) أن «قوة الإسلام تبدت من خلال الإيمان بالله، الله الواحد، حيث إن الوحدانية غير القابلة للاختزال تعين وحدة العالم». كيف انعكس هذا المشروع على الفن؟ وكيف يمكن أن نمفصل بين هذه الوحدة أو الوحدانية مع المساحة الجغرافية الواسعة التي يغطيها الإسلام؟ هل هناك «فن إسلامي» يتجاوز، استنادا إلى رسالته وشكله و«ذوقه»، الملامح المتعددة التي لاحظناها فيه؟ هل تصبح مفاهيم المركز والأطراف صالحة في دراسة الفن الإسلامي»؟
** سؤال مهم لأن هناك حُجَّتين تبيّنان، في الواقع، صحة وجود قوة للإسلام، قوة موجودة في كل مكان. وهو موقف حاضر لدى الأوساط المناهضة للمسلمين في الغرب ولدى الرجعيين والمحافظين من المسلمين في عالم اليوم في آن واحد. من اللافت للنظر أن المتشددين المسلمين يلاقون المناهضين للمسلمين في موقفهم«نحن مختلفون» «إنهم مختلفون». التأكيد على وجود إله واحد... الخ، أمر صحيح، ولكن هذا لم يحقق الفن. بل حقق الشعور بالتضامن بين كافة الناس الذين ينتمون إلى هذا الدين. فقط هناك فن تبدى اصطناعيا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. هناك دراسات عملت على تأسيس فن رسمي لفن الخط، مثلا، ولكن هذا شيء آخر، ولذا من المهم التفكير دوما بصورة تاريخية. خلال عصور معينة ازدهرت فيها المراكز وخلال عصور أخرى كانت الأطراف أكثر أهمية من المراكز. المراكز تتبدل، والأطراف كذلك. في هذا التاريخ، المثير للاهتمام، تبدت الطريقة التي تفاعلت بها هذه الأطراف وهذه المراكز فيما بينها. إذ أن العالم الإسلامي لم يتحصل أبدا على تنظيم ديني واحد. كانت هناك دول قوية، خلال القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، مع العباسيين ثم العثمانيين، ولكن على وجه الإجمال، لم يستمر هذا الحال طويلا، بينما لم تكن هناك دوما كنيسة، ولا شيء مساو لها. وبذلك لا نستطيع اليوم أن نعرف الرأي الإسلامي عن شيء ما، لأن ليس هناك فاتيكان، سلطة. تلك ميزة – لأنها تمنح حرية كبيرة -، ولكنها مثلبة في نفس الوقت، لأنها تسمح بالتخاصم طويلا بكل سهولة.

بوح النقوش
إن النقوش العربية أو الإسلامية، وتحديداً، النقوش القديمة التي لا تزال موجودة، توظف الأشكال القديمة من أجل هدف جديد، وتخاطب على المستوى الفني والمعماري جمهوراً يماثل جمهور الكنائس الذي كان موجوداً في السابق. وهذا واضح بالنسبة لمسجد دمشق، كمثال، وربما أيضاً بالنسبة لمسجد قرطبة، ولكن بدءاً من القرن العاشر الميلادي، بدأت الأشياء تتغير شاقولياً. لنأخذ مثلا «قصر عمرة» الذي يحوي كمية كبيرة من الرسوم التي ترجع إلى القرن الثامن الميلادي، التي اكتشفها تشيكي نحو عام 1900 (تسمى في تقاليد العالم الأكاديمي الكلاسيكي: «رسوم»)، هذه الرسوم لم يفهم المتخصص الكبير في الرسم الروماني، فيخوف، الذي كان عالماً ذا سمعة عالمية واسعة شيئاً منها، حين قيل له: «أنت من سيكتب عنها».. ولذا ذكر الكثير من التفاهات. بالمقابل، نجد أن سالمون رايناخ، الذي كتب في نفس الوقت كتابه «جدول الرسوم الإغريقية والرومانية»، يضيف رسوم قصر عمرة إلى قائمة الصور القديمة، لأنه رآها تمثل جزءاً منه، وهي من نفس مفرداته. وتلك مشكلة مثيرة للاهتمام: كيف نستطيع القول، بدءاً من عصر معين، إن شيئا ما لا ينتمي إلى نفس اللغة؟.

تبسيط
* لسنا في حاجة إلى الرجوع إلى هنري بيرين الذي، أشار إلى أن الفتوحات الإسلامية في البحر المتوسط مثلت قطيعة حقيقية بين العصور القديمة والعصور الوسطى. تموضعت أطروحاته أساساً على التحليل الاقتصادي، وأنتقده كثيرون، تحديداً جاك لو غوف. هل من الممكن «كنس» قراءته عن هذه المرحلة؟
** إن كنس فكرته عن عالمين يتباعدان، ينفصلان، غير معقول أبداً. ومع ذلك، هناك دراسات مثل دراسات بيرين، لم يكن هو الوحيد الذي فكر على هذا النحو، ومع ذلك لم يهملها الكثيرون: الأفكار الكبيرة عن «صدام الحضارات» مثلاً، في الوقت الراهن، ليست في جوهرها سوى تعديل لهذا النوع من الأفكار التي تتعلق بعوالم مختلفة اجتماعياً ولا يمكن أن تتفاهم. بينما يرى الجيل الجديد من المؤرخين أن من الممكن أن يتفاهموا. قيمة بيرين الكبرى، أنه أجبر الناس على التفكير في هذا التطور التاريخي، حتى وإن كان يبسط المشكلة.

اقرأ أيضا