الاتحاد

الملحق الثقافي

فيلم بطلته وزيرة الثقافة المغربية

الممثل محمد المزواري الذي أدى دور الشاب رشيد

الممثل محمد المزواري الذي أدى دور الشاب رشيد

افتتح الأسبوع الماضي العرض التجاري للفيلم المغربي أركانه للمخرج حسن غنجة، بعرضه في عدة قاعات سينمائية بالمغرب، ويتميز الفيلم بكونه آخر عمل درامي شاركت فيه الممثلة ثريا جبران قبل تعيينها وزيرة للثقافة، في أكتوبر الماضي، حيث انتهت من تصوير دورها قبل صدور قرار بتعيينها في الحكومة الجديدة التي شكلت بعد الانتخابات بأيام قليلة·

تأخر عرض الفيلم تجاريا لإفساح الفرصة أمام مشاركته بالمهرجانات السينمائية، ومنها على الخصوص مهرجان السينما المغربية، حيث كان طاقم الفيلم يمني النفس بفوز الوزيرة البطلة بجائزة أحسن ممثلة، لكن لجنة التحكيم قيمت أداء ثريا جبران كممثلة في المقام الأول، فذهبت الجائزة للممثلة سناء العلوي عن دورها في فيلم ''عود الورد''، وقد تم عرض فيلم ''أركانه'' في افتتاح الدورة السادسة للمهرجان الدولي للفيلم الفرانكفوني بـ ''أسفي'' بداية الشهر الجاري·
يحمل الفيلم اسم شجرة ''أركانه'' التي تحظى بأهمية كبيرة في المغرب، وترمز في الموروث الشعبي المغربي الى الأصالة والصبر والثبات والتشبث بالأرض· وتتماهى بطلة فيلم ''أركانه'' مع الشجرة في تعلقها بالأرض وثباتها على المبدأ، فكما تواجه الشجرة تهديدات مستمرة من الانسان والتأثيرات المناخية بالاقتلاع، تواجه البطلة سلطة ونفوذ اقطاعي مستبد يتحكم في قرية من قرى الأمازيغ، ويملي القرارات على أهلها· وبهذا المعنى يكيّف الفيلم رسالته، مستفيدا من انشغال المخرج حسن غنجة بحكاية التعلّق بالأرض، ورفض الماديات التي تسلُب الحياة معنى الحياة·
لكن توظيف الصور الوثائقية فتح على المخرج باب الانتقادات، حيث اعتبر النقاد أن البعد الوثائقي منع الى حد ما تعميق الفعل الدرامي للفيلم، الا أن المخرج دافع عن أسلوبه نافيا تأثير الصور الوثائقية في الحس الدرامي للأحداث، وقال إنها وُظفت أساسا في لحظات لافتة من لحظات الفيلم مثل اقتلاع شجر الأركان، حيث تم اختيار فضاءات جميلة لمنطقة جبال الأطلس لتصوير هذه المشاهد· وعن الخطابات المباشرة التي تضمنتها بعض مشاهد الفيلم، أشار المخرج حسن غنجة الى أنه لم يستطع حذف أو إعادة كتابة المشاهد التي كتبتها المؤلفة الراحلة فاطمة شبشوب، احتراما لما تركته الراحلة، ووفاءً لإنسانيتها وإبداعها، رغم أنه كان يناقشها قبل وفاتها في سيناريو الفيلم الذي كتبه بالاشتراك معها·
واعتبر المخرج أن المشاهد التي تحضُر فيها الخطابات المباشرة، قليلة جدا، مقارنة مع نقط الارتكاز الجمالية التي استند إليها فيلم أركانه وهو يفيض بلغة السينما، وتطفح مشاهده بتقنيات الاشتغال السينمائي·
الأرض والماديات
الفيلم صٌور بجنوب المغرب الذي يعتبر الحاضن الوحيد في العالم لشجرة الأركان، ومخرجه حسن غنجة يخوض تجربة الإخراج السينمائي للمرة الاولى بعد ثمانية عشر عاما من الاخراج التلفزي، وتعاون غنجة في كتاب الفيلم مع الشاعرة الراحلة فاطمة شبشوب، ويقوم بأدوار البطولة في الفيلم الذي تستغرق أحداثه ساعة و45 دقيقة، ثريا جبران وحميدو بنمسعود ويونس ميكري وأسماء الحضرامي ومحمد مروازي· وتدور أحداث الفيلم حول قرية أولوز النّائية بالجنوب المغربي التي ترزح تحت وطأة شخصية إقطاعية، تحاول جاهدة استغلال خوف وسذاجة السكان لطمس معالم وهوية القرية، وبين محاولات حمو الذي أدى دوره باقتدار الممثل حميدو بنمسعود ومقاومة رشيد (الممثل محمد مرزاوي) تبرز شجرة الأركان التي يهددها الزوال، حيث حاول المخرج ربط هذا الصراع الذي يجري في القرية بواقع الشجرة مستغلا المكانة التي تحظى بها شجرة أركان عند قبائل الأمازيغ، لتمرير رسائل حول أهمية التشبث بالأرض والدفاع عنها والبحث عن عوامل التحدي والمقاومة لكي تستمر الحياة التي نريد· وأدَّت وزيرة الثقافة ثريا جبران دور البطولة متقمّصةً شخصيةً قروية أمازيغية صعبة المراس، لن تتردد في إطلاق النار على كل من يحاول تغيير معالم قريتها، ومحو آثارها من النبل والشهامة والعزة عن أهلها·
الخير والشر
تتقاسم أحداث الفيلم شخصيتان محوريتان هما القروية تدعى تامغارت لعبت دورها ثريا جبران، وغريمها الطاغية والمستبد الذي أدى دوره حميدو بنمسعود، بجموح حاد وملتهب في الأداء معتمدا على طبقات الصوت وحركة الجسد، حيث تحاول تامغارت مواجهة غطرسة حمو ومن معه مستعينة برشيد، ذلك الشاب الذي يعود إلى قريته بعد سنوات قضاها في الجامعة بأوروبا، وأثمرت حصوله على دكتوراه في علم النبات، هذا التخصص رسخ يقينه بأهمية شجرة ''أركانه''، فعاد الى قريته مشحونا بالطموح والطاقة لحماية أشجار الأركان، وعلى الأخص تلك الشجرة المعمرة التي تنتصب منذ زمن طويل وسط قريته· يبدأ رشيد مشروعه لحماية هذا النوع النادر من الأشجار بانشاء معمل متواضع لاستخلاص زيت الأركان، ويقوم مشروعه على حماية الأشجار الموجودة والمحيطة بالقرية، وجني ثمارها لاستغلالها في استخلاص زيت مفيد له مزايا صحية وجمالية، ويحقق المشروع نجاحا كبيرا حيث يطلبه المستوردون بأوروبا، وتقبل على شرائه شركات عالمية متخصصة في التجميل، غير أن هذا النجاح سوف يفجر حقدا أسود وضغينة مقيتة لدى حمو، الذي أغاظه نجاح هذا الشاب والتفاف الناس من حوله· ويزيد من حدة الصراع بين الرجلين مشروع شق طريقه تبناه حمو بصفته منتخبا من قبل السكان رئيسا لمجلس القرية، لكن الحقيقة أنه لم يكن يوما حريصا على مصالحها، بل متآمرا عليها ومستغلا سلطته للاستفادة من خيراتها، فحين أدرك أن وجود شاب طموح وواع يشكل خطرا على مصالحه في القرية، أبرم صفقة مشبوهة لشق طريق يخترق صلب القرية، لأن انجاز هذا المشروع سيأتي على المئات بل الآلاف من أشجار الأركان، ومنها تلك الشجرة المعمرة وسط القرية التي يعشقها رشيد·
وبين ليلة وضحاها يتطور الأمر إلى صراع علني بين الرجلين، كل منهما مقتنع برأيه ويبحث عن موآزر من أهل القرية، لكن نفوذ حمو وحديثه المتواصل عن الطريق الذي سيفك العزلة عن القرية، ويساعد على التنقل بسهولة إلى باقي القرى والمدن المجاورة، طغى على حديث رشيد ودعوته سكان القرية الى الانتفاضة والتمرد على مشروع حمو دفاعا عن شجر نادر الوجود· وفي خضم هذا الصراع، لم يجد رشيد سوى دعم شخص واحد من أهالي القرية، وهي المرأة تامغارت التي تحمل حقدا دفينا لحمو وتعتبره استعمارا من نوع آخر، استعمار يستغل سلطة المال والجاه لتحقيق أغراضه·
يواصل رشيد حثّ سكان القرية للتصدي لمشروع الطريق مستنهضا هممهم لمواجهة طبقة إقطاعية غير مبالية وغير مدركة لقيمة الشجرة، لكن أشغال بناء الطريق استمرت رغم حملة رشيد وبدأت تقترب من القرية كل يوم، فلم يجد رشيد حلا في نهاية الفيلم سوى التوجه صوب ورشة الأشغال، حيث وقف منتصبا ومتحديا الجرافات الضخمة التي تدوس وتحطم كل ما تصادفه في طريقها، وهنا تقوم تامغارت التي قاومت الاستعمار الفرنسي لبلادها مع زوجها الشهيد، بقتل حمو بدم بارد مستعينة ببندقية قديمة ورثتها من أيام المقاومة·

اقرأ أيضا