الاتحاد

الملحق الثقافي

الخروج في النهار.. كتاب الموتى

اسم الكتاب: الخروج في النهار... كتاب الموتى
الناشر: المركز القومي للترجمة... القاهرة
المؤلف: نصوص مصرية قديمة
المترجم... شريف الصيفي

يبقى هذا العمل الفكري البديع شهادة حية على الفكر الإنساني الذي حاول الوصل بين الأرض والسماء، قبل عدة آلاف من السنين، وفيما لم تكن الأديان التوحيدية قد ظهرت بعد، فقد وقر لدى المصريين القدماء «الفراعنة»، أن هناك حياة أبدية تتجاوز عالمنا الأرضي، وكان لسان الراحل في أرض مصر القديمة عبر كتاب الخروج إلى النهار يقول: «بالأمس أنجزت حياتي واليوم أعود في النهار»... ما هي قصة هذا السفر الكبير، والذي يحوي نحو مائتي فصل من الأدب الجنائزي واللاهوتي الفرعوني الذي يندر أن تجد نظيره في عالم الأدب القديم أو الحديث؟

يضم هذا الكتاب فصولاً ظهرت ابتداءً من عصر الدولة الحديثة وحتى سقوط الأسرة السادسة والعشرين التي حكمت من سايس (من 1554 تقريباً بعد تحرير البلاد من البدو الساميين (الهكسوس) بقيادة أحمس إلى 525 ق.م تقريباً نهاية الأسرة السادسة والعشرين) وبسقوطها ماتت محاولة إحياء الدولة الفرعونية الكلاسيكية، ووقعت مصر فريسة للاحتلال الفارسي الأول.


القراءة السطحية والساذجة لنصوص الأدب الجنائزي تفترض أن المصري قدس الموت، لذا أفرد له صفحات وصفحات في إنتاجه الأدبي، ومن قبل اهتمامه الزائد بتطوير معمار المقابر من مصاطب الأهرامات ودهاليز المعابد الجنائزية، لكن من يتعمق يدرك أن المصري لم يعترف بالموت كنهاية للحياة ونقيض لها، وإنما هو جزء من صيرورتها، ورفض أن يكون الموت موتاً، فمثلاً من مسميات «الموت» في اللغة المصرية نجد الكلمة الأفروآسيوية «موت» لم يستخدمها إلا في صيغة النفي، أما للتعبير عن الموت في النصوص استخدم تعبيرات أخرى منها: «وني» بمعنى يذهب ويعبر ويسرع، و «دجا» بمعنى الذهاب إلى هناك، و «باجي» ينام، و«حتب» يذهب للراحة.
كان تصور الفراعنة وليد البيئة، فالشمس تغرب عندما تبتلعها «نوت» ربة السماء في الجهة اليمنى لنهر النيل (الغرب) وتصارع للميلاد من جديد صباحاً في الجهة اليسرى لنهر النيل (الشرق)، كذلك دورة القمر يولد صغيراً فيحتفل بأسبوع القمر ثم احتفال آخر منتصف الشهر عندما يصل لذروته ثم يختفي ثم يولد من جديد، ولا عجب إذ تخلو أدبيات المصري من أية مقولات حول فناء العالم أو نهاية للزمن.
ورغم وعي المصري بأن الموت انفصال عن العالم فقد قرر ألا تقف علاقته بالعالم عند لحظة الرحيل من العالم فكانت هناك الرسائل المدونة على جدران المقابر، وحرصه على تقديم نفسه للمارين على القبر بتدوين سيرته الذاتية... وبرغم وعيه أيضاً بكون القبر مكاناً موحشاً لا هواء ولا ماء فيه ولا ضوء، واعترافه بذلك في سياق فصول كتابنا هذا، فقد قرر محاربة عزلة القبر، بتذكارات من عالمه فامتلأت المقبرة بالرسومات المعبرة عن النشاط والحركة ونزق الحياة.

علاقة جدلية
بغربلة الفكر المصري القديم وتنقيته من الشوائب الأسطورية الدخيلة، سنجد أنفسنا أمام محاولة جادة لطرح تصور فلسفي عن العلاقة الجدلية بين دوائر الوجود الثلاث أي: الإنساني، والإلهي، والعالم، فلم تشر النصوص إلى الإنساني والعالم بوصفها وجوداً مؤقتاً، بل شرطاً لتجلي الإلهي في الفعل الإنساني وأبدية النظام الكوني.
ويلاحظ القارئ أن النصوص تنفي المسافات بين دوائر الوجود الثلاث بأنسنة الإلهي وبتأليه الإنساني، أما العالم فلم تكن له طبيعة واحدة فهو مجال مفتوح مشترك بين الإلهي والإنساني، وليس معنى ذلك غياب الاغتراب الديني، لكن هذه النصوص، على الأقل، قربت المسافات بينهما، وأبقت التواصل مفتوحاً وخاضعاً للإنسان المرجع الأساسي في الموضوع كله.

رحلة الكتاب
كيف وصل لنا هذا العمل الخالد وترجم من الهيروغليفية إلى بقية لغات العالم الحديثة اليوم؟
كان علماء الحملة الفرنسية أول من قام بنسخ نصوص الكتاب، وفي العام 1842 درسه «لبسيوس» عالم الآثار الألماني، وهو أول من قرأ الكتابة الهيروغليفية بشكل صحيح، وهو أول من رقم الفصول من واحد إلى 165.
ثم جاءت أول ترجمة لنصوص الكتاب على يد «إميل بروجش» عالم المصريات الألماني، الذي ترجمه إلى الألمانية، وفي العام 1886 أصدر عالم المصريات نافيل ثلاثة مجلدات تحتوي على 71 فصلاً، وفي العام 1890 قام العالم الإنجليزي «بدج» ببحث مخزون المتحف البريطاني من هذه النصوص ونشر ترجمة لبردية «أني» في العام 1898، وبعدها توالت الترجمات والأبحاث ولم تتوقف حتى الآن.
تتكون النصوص في هذا الكتاب من صلوات وابتهالات ومدائح وتعاويذ مصرية سحرية مصحوبة برسومات، ووصلتنا نصوص الكتاب مدونة على الجلود والأكفان والتوابيت وحوائط المقابر والمعابد وأوراق البردي.
أطلق على النصوص في البداية اسم «إنجيل المصريين» أما الاسم الشائع للنصوص حالياً هو «كتاب الموتى» وهو من ابتكار لبسيوس، ولكننا نفضل التسمية التى أطلقها أجدادنا على هذه النصوص، وهي: «برت أم هرو» أي «الخروج في النهار».

حفاظ على السحريَّة
حرص كهنة الفراعنة على عدم إفشاء محتويات برديات الكتاب بحجة عدم سقوط قدرتها السحرية، لكن الهدف الحقيقي كان احتكار بيع البردية بثمن باهظ، حيث يخبرنا نص من عصر الأسرة العشرين بمعلومة مهمة عن سعر البردية، وهو نحو 90 جراماً من الفضة، وهو مبلغ يوازي سعر بقرتين، وهو مبلغ فاحش بتقديرات ذلك الزمان، لم يقدر عليه إلا علية القوم من كبار موظفي الدولة، وظل الحصول على نسخة من نصوص «الخروج من النهار» بعيداً عن قدرات الفلاحين، فقد كان الكهنة يكتبون النص تاركين مكاناً للرسم المصاحب واسم المتوفى لحين بيعها، وفي الغالب يقوم رسام متخصص برسم الرسومات المصاحبة.
كتبت النصوص بالخط الهيروغليفي البسيط والهيراطيقي، أما لغة النص نحوياً فهي «المصري الوسيط»، ولكل فصل عنوان كتب بالمداد الأحمر.

تعاليم
فصول الكتاب تحاول تقديم إجابات على الأسئلة الكبرى التي أرقت أتباع الفلسفة الأفلاطونية، والأفلاطونية الحديثة وباقي المدارس الغنوصية (العرفانية)، فيما بعد، مثل قضية الشر في العالم وعلاقة الجسد بالروح، وقضية الحق والتوحيد؛ فالنصوص تعطي للشر وجوداً مستقلاً ومحدداً بنشاط واحد يومي لا يحيد عنه، وهو محاولة تخريب دينامية العالم، وبالطبع يفشل هذا الشر الذي لا يملك أي سلطان على البشر، ما يعني أنه ليس محرضاً لفعل الشر، وبهذا تحيل النصوص الموضوع برمته للإنسان واختياراته، أي أن الذنوب هي فعل إرادي حر يقوم به الإنسان (العاصي)، وهو المسؤول الوحيد عنها، وعليه أن يبرئ نفسه أمام الآلهة من ارتكابها، وعلى الآلهة التأكد من أن قلب الإنسان يكافئ الحق (الريشة، رمز ربة الحق ماعت) من دون زيادة أو نقصان.
يعن لنا أن نتساءل هل النصوص الجنائزية المصرية هي دعوة انسحابية من العالم أم تقديس للموت؟
الثابت أنه ليس كذلك على الإطلاق، إنها دعوة للتوحيد بين الإنساني والإلهي والطبيعة في منظومة واحدة أبدية غير قابلة للتفتيت، تقود حركتها وتدعم دورتها قوى الخير والحق الموجودة في العناصر الثلاثة، فأصبح الموت عنصراً استثنائياً مثل ساعات الليل، التي تحاول إعاقة هذا النظام الكوني، وكأنه موسم مؤقت تعد فيه الحقول استعداداً لمخاض جديد.
في الفصل رقم 125 من فصول كتابنا هذا نجد قائمة طويلة من المعاصي ينفي المتوفى اقترابه منها وكلها - عند تحليلها - تبلور وجوداً متوازناً، ونمط حياة غير تملكي، وحباً غير زائف للعالم.
يقول المتوفى دفاعنا عن نفسه:
أنا أعطيت الحق لفاعله وأعطيت الظلم لمن جاء يحمله. لم أظلم إنساناً... لم آت باسمي قبل اسم الإله... لم أغضب الرب... لم أبدد ميراث اليتيم... لم أفعل شيئاً مما نهى الرب عنه... لم أترك جائعاً... لم أقتل... لم أعذب أحداً.. لم أغش في مثقال الميزان.. أنا لم أسرق... أنا لم أكذب.. وغير ذلك كثير مما تضيق المساحة المتاحة عن ذكره، وجميعها تدعونا للتعجب والدهشة، بل والتساؤل: «هل كانت الديانة الفرعونية القديمة، المعين الذي أخذت عنه اليهودية تحديداً نصوصها وجذورها الأولى؟
إن التوراة تخبرنا بأن «موسى» عليه السلام تربي في بيت فرعون، كما تعلمنا أنه تهذب بكل حكمة المصريين، ومقاربة بسيطة بين نصوص المحاكمة المتقدمة وبين الوصايا العشر في سفر الخروج، توضح لنا أن ما قاله الفراعنة كان السياق الأوسع الذي أخذ عنه موسى حكمته، وهي قضية فكرية مثيرة وحساسة في كل الأوقات، وإن كانت تكشف عن العمق الفكري للمصري القديم.
وعلى خلاف فصول كتاب العالم السفلي ذات التسلسل التي ظهرت في عصر الدولة الحديثة أيضاً، فإن فصول كتاب «الخروج في النهار» غير خاضعة للترتيب، والرابط الوحيد هو وحدة الموضوع، ولم تظهر جميع الفصول في الوقت نفسه، فمثلاً الفصل رقم 140 لم يظهر إلا في العصر المتأخر، والفصل رقم 128 لم يصبح من مكونات الكتاب إلا في العصر البطلمي، أما الفصول من 162 إلى 165 فلم تظهر إلا في برديات الدولة الحديثة.
أجمل ما في هذا العمل، أنه يضعنا أمام حقيقة أقرت بها الأديان الإبراهيمية لاحقاً، وهي أن الموت ليس النهاية المطلقة للكائن الحي، بل رحلة مؤقتة إلى أرض الأحياء، ولهذا لم تكن العلاقة مع المتوفى تنتهي أبداً بيوم دفنه، بل تقام خدمة دائمة للمقابر ومدها بالقرابين من خبز وبيرة وزهور يقوم بها كاهن متخصص في ذلك نيابة عن أهل المتوفى، وفي الأعياد كان أهل المتوفى يحرصون على زيارة القبر ليشاركهم الاحتفال بالعيد، ومن أمثلة ذلك الاحتفال في شهر «بؤونة» حسب التقويم المصري بعيد «الوادي الجميل» حيث يترك «آمون» معبده في شرق طيبة متجهاً إلى الغرب حيث توجد مدينة الحق (الجبانات) لزيارة المعبد الجنائزي لحتشبسوت في الدير البحري والمعابد الجنائزية الأخرى، يرافقه جمع كبير من أهل طيبة حاملين معهم باقات الزهور وأقفاص الفاكهة ولحوم الشواء مع حشد من الراقصين والعازفين والمداحين ويقضون ليلتهم في المقابر لتتاح الفرصة لأرواح الموتى للمشاركة في الاحتفال بالعيد.
الكتاب هو رسالة تسلمناها من الأجداد، وما زالت هناك فرصة لتعلم مفرداتها بإحداث توازن بين الحياة على الأرض وما ينتظرنا في العالم الآخر، ولن يتم ذلك إلا إذا تخلصنا من الأثقال التي تعوق الوجود الواعي والحركة في واقع متحرك والإحساس الواعي بالآخر.
إذا صنعنا وجودنا وأحببنا وجود الآخرين فلن يهزمنا الموت، ولن ندخل هذه التجربة محملين بالتصورات المرعبة عن القبر، بل ستصحبنا (في لحظة الموت) مشاعر الرضا، لكوننا تركنا خلفنا وجوداً، حاولنا أن يكون جميلاً، وأفسحنا الطريق لوجود آخر أحببناه، نترك نهاراً خلفنا لنخرج في نهار آخر جديد ومغاير، نهار لا غروب لشمسه، نهار الأبدية الكبرى.

حفل في مقابر الموتى
لم تكن العلاقة مع المتوفى تنتهي أبداً بيوم دفنه، بل تقام خدمة دائمة للمقابر ومدها بالقرابين والزهور، وفي الأعياد كان أهل المتوفى يحرصون على زيارة القبر ليشاركهم الاحتفال بالعيد، وكان يحتفل في شهر «بونة» حسب التقويم المصري بعيد «الوادي الجميل» حيث يترك «آمون» معبده في شرق طيبة متجها إلى الغرب، حيث توجد مدينة الحق (الجبانات) لزيارة المعبد الجنائزي لحتشبسوت في الدير البحري والمعابد الجنائزية الأخرى، يرافقه جمع كبير من أهل طيبة حاملين معهم باقات الزهور وأقفاص الفاكهة ولحوم الشواء، مع حشد من الراقصين والعازفين والمداحين، ويقضون ليلتهم في المقابر لتتاح الفرصة لأرواح الموتى للمشاركة في الاحتفال بالعيد.

نهار الأبدية
إذا صنعنا وجودنا وأحببنا وجود الآخرين فلن يهزمنا الموت ولن ندخل هذه التجربة محملين بالتصورات المرعبة عن القبر بل ستصحبنا مشاعر الرضى، لكوننا تركنا خلفنا وجودا، حاولنا أن يكون جميلا، وأفسحنا الطريق لوجود آخر أحببناه، نترك نهارا خلفنا لنخرج في نهار آخر جديد ومغاير، نهار لا غروب لشمسه، نهار الأبدية الكبرى..

اقرأ أيضا