الاتحاد

ثقافة

«دبي أوبرا».. وقف على أيدي الشعـراء عندما اهتزت القصيدة عشقاً

الشعراء المشاركون في لحظة أخاذة بجانب فضاءات دبي أوبرا (من المصدر)

الشعراء المشاركون في لحظة أخاذة بجانب فضاءات دبي أوبرا (من المصدر)

نوف الموسى (دبي)

الرحلة بدأت باهتزاز خفيف للأرض بسبب صوت النافورة الصغيرة، يخرج منها الماء دفعة واحدة، مثل امرأة تولد من الصخر، وقُبولات تلقي بنفسها على ظلال خطوات أقدام المارين نحو بوابات اللؤلؤ، تجسدها سفينة ضخمة تشبه «البوم»، تسري وسط المدينة، وتحول فيها كل الشوارع إلى أغنيات. بين الممرات يخرج الضوء كالمرايا ويعكس بعضاً من المزايا، فالنار تتحول إلى ضوء، والمحيط ينحسر في قلب عاشق اختار أن يكتب قصيدة، تصل إلى مسامع الشعراء على مسرح «دبي أوبرا». فيها جلس الجميع بأناقة الليل المعتق برائحة اللحظة، السارية كريح جامحة تضرب أشرعة القاعة الضخمة، وتحمل صلوات «الحب في الكلمات»، وتطلب من الرب أن يتجاوز الشعر نفسه، ويصل إلى منافي الانسجام والقبول بالاختلاف وتقدير التفاصيل في عمق الإتلاف، والسماح لكل التجريد أن يسمو ويخرج الجميع لإلقاء السلام.
ظاهرة أدبية؛ آمن بها مهرجان طيران الإمارات للآداب منذ البداية، وشكل تحالفاً معرفياً بين وزارة التسامح والمجلس الثقافي البريطاني، هادفاً إلى تعزيز التعاون، بتكثيف جرعة البوح الشعرية، حيث يصبح التلاقي الإنساني، فعلاً طبيعياً لإنارة الطريق، وانقشاع الضباب، الذي ما أن قرر التكتل بين الأرواح، حتى تسبب بالضياع، لذلك تأتي المحبة على أكتاف جمهور العشق، امتداداً لديمومة القصيدة، الناجية من كل شيء، حتى من الموت. وعبر ابتسامات رائعة، شارك بتقديم التظاهرة الشعرية كل من الإعلامي إبراهيم استادي والأديب بول بليزرد.
المدهش أن رحلة الأمسية الشعرية، اتسمت بمفاجآت عديدة، أبرزها الحضور اللامتناهي للشاعرة الإماراتية عفراء عتيج، إنها المرة الساحرة التي تتخلد فيها ذكرى الماضي، في عنفوان الحس اللحظي، بلغة إنجليزية تتسرب منها لطافة اللهجة المحلية، عندما قالت عفراء عتيج عبر قصيدة «النوخذة»، كلمة «منقوش» وأتبعتها بشعور عارم كثيف لعلاقتها مع جدها وأبيها. يصعب وصف الإيقاع الصوتي لإلقاء عفراء عتيج، لمدى ما يمتلكه من جموح قادر على إيصال المعنى، بعد أن يربت على قلوب المستمعين، ليدخل فجأه في روح الحالة بين القصيدة والحقيقة، تمتلك نفساً طويلاً كما أوضحت في القصيدة، فإيصال الجمال بتناقضاته يحتاج إلى متسع كبير من الحب، والأخير هو الأقدر على توسيع كل مسارات الهواء في العالم. ولأنها تمتلك قلب الكتّاب، ترى أن الحاجة إلى الحظ والثقة والمثابرة مهمة ليكون الكاتب في المكان المناسب في الوقت المناسب ليقول الجملة المناسبة للشخص المناسب، في الحالة الذهنية المناسبة. مستخدماً دائماً الكلمات التي قد تغير الناس، وتغيره هو إذا سمح لها بذلك.
الخوف؛ جاء يمشي على أطراف أصابعه، بين قصيدة وأخرى للشاعرة الإماراتية نجوم الغانم، بعد أن تحدث الشاعر الإماراتي خالد البدور عن الساحل الذي يعرفه جيداً، إلا أن نجوم الغانم طرقت باب الليل في قصيدتها «ماء المساء»، وقالت: «لنطرق باب الليل، فإن أجابت أرواحه فلأنها مستيقظة، ولأنها مستيقظة، فستصغي لخوفنا الذي يشبه صراخ الطيور المهاجرة في العتمة»، وبعد صلوات الجدات ليموت النفط، في قصيدتها «قلب العالم»، جاءت قصيدة «معلمتي»، هامسةً نجوم في آذاننا المستغربة: «لكن لا تثقي بالحب لا تأمني على نفسك من الغدر، فكل يد يمكن أن تقتل وحتى يد المحبة». لتنتزع منّا في قصيدتها «حكمته» ما تبقى منّا من عنفوان: «يدعوني للمبارزة ويعرف أنني عزلاء، أملك يداً بلا أصابع، وأخرى قطعها تواً».
كل الضحكات امتدت إلى ما شاء الله، عندما قرأ الشاعر سايمون أرميتاج قصيدة بدأت بشكر على الانتظار، ولكن بدخول الشاعر هاري بيكر، امتزجت الأرواح بين انتظار فعلي لما سيقوله وبين ما يود هاري بيكر إيصاله عبر الكملة التي يعتبرها مرحلة اكتشاف، فالكلمات حاضرة لنا، ولكن تحتاج منا الذهاب إليها ودفع الحدود، وهذا يحدث في لحظات عبقرية وأحياناً أخرى تكتمل في لحظة نقاء، وأفضل لحظة عندما تأتيك الكلمات في حالة حب، حيث استمع الجمهور لقصيدته «ربما». المذهل في ما أبدعه الشاعر ليم سيساي، هو حضوره الأدائي مع القصيدة الشعرية، يكتب بنفس مسرحي، يلقي أدوار الشخصيات، بإتقان تقوده لغة الجسد الحساسة جداً تجاه الكلمة وإسقاطاتها في الحياة، عندما قرأ قصيدة «قبلات غير مرئية».
وأُسدل الستار.. وقرر الجميع أن يتركوا العالم أفضل مما كان.

اقرأ أيضا

"المملوك جابر".. مغامرة مسرحية لمخرج واعد