صحيفة الاتحاد

ثقافة

الإماراتية وعت مسؤولياتها قبل دخول الحداثة

تتخذ مناسبة اليوم العالمي للمرأة هذا العام طابعاً خاصاً، ونحن نحتفي بمئوية المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في عام نتوقف فيه لتأمل المنجزات الحضارية التي تحققت في إماراتنا الحبيبة، حيث دفع والدنا المؤسس المرأة لتأخذ دورها في المجتمع منذ بدايات تأسيس الدولة، طارحاً ثقته في إنسان المكان من دون التفريق بين رجل وامرأة، فأخذ بيد الجميع إلى ميادين التعليم والعمل من دون استثناء.
هذا العام، حددت الأمم المتحدة الموضوع الرئيس لهذا اليوم الدولي لتقييم التقدم الذي أحرزته عموم النساء، والأدوار الاستثنائية التي يلعبنها في صنع تاريخ بلدانهن ومجتمعاتهن، وتسريع جهودهن الشجاعة في التغيير، تحت عنوان «حان الوقت: الناشطات من الريف والحضر يغيرن حياة المرأة»، وهذا يذكرنا بحقيقة راسخة تتعلق بمسيرة المرأة في الإمارات، والتي يُوَثق لها قبل قيام اتحادنا المجيد عام 1971، فلم تكن أدوار المرأة في المجتمع القديم تقليدية في صميمها، أو أنها كانت خجولة في الحضور العام كما يعتقد، فقد كانت مساهماتها العامة واضحة من نظام تقسيم الأدوار الذي كان سائداً، في تكاملية متبادلة لتحمل المسؤوليات والاضطلاع بالمهام الحياتية في مجتمعات البدو والحضر، والواحات والجبال، على حد سواء، وربما التذكير بالأدوار التي اضطلعت بها النساء أثناء الغيابات الطويلة للرجال في مواسم الغوص على اللؤلؤ خير دليل على إرادة المرأة ووعيها بأهمية مساهمتها في الحياة العامة حتى قبل دخول الحداثة إلى المنطقة.
تستجيب الأمم المتحدة هذا العام لحركة عالمية واسعة لدعم حقوق المرأة والمساواة والعدالة، تنامت مؤخراً في مناطق مختلفة من العالم، بما فيها دول متقدمة، وتصنف بأنها كبرى، وشهدت نضالاً نسائياً مريراً لنيل الحقوق، في حين مهدت سياسة تمكين المرأة التي انتهجتها الدولة قبل نحو 47 عاماً الطريق أمام المرأة لتنال حقوقها المدنية كاملة، وتعطيها الحق في التنمية على قدم المساواة مع الرجل، كما حُدد ذلك بشكل دقيق في الدستور، وبالتواؤم مع حجم المشاركة المجتمعية للمرأة على أرض الواقع، فيما شكل دعم سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة «أم الإمارات»، سنداً حقيقياً لنساء الإمارات، فقد ساهمت سموها إلى جانب المغفور له، بإذن الله الشيخ زايد، في مواجهة التحديات أمام تعليم البنات في المراحل الأولى من التحولات الكبرى التي عاشتها البلاد، فكان العلم هو أول سلاح في يد المرأة لتحقق رسالتها وتترك بصمة معبرة على واقعها، حتى أصبحت نسبة خريجات الجامعة من الإناث تفوق نسبة الذكور، وهن الأكثر إقبالاً على التعليم العالي أيضاً، فيما تشكل نسبتهن الأعلى أيضاً في قوة العمل العام، ويتشاركن مع الرجل في وضع الخطط والسياسات، واتخاذ القرارات الحاسمة لقيادة شؤون البلاد، في واقع يترجم الرؤية الثاقبة لتأسيس الدولة، والقائمة على بناء الإنسان وتمكينه.
وتكريماً للدور الذي تلعبه سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك لتمكين المرأة ودعم النمو الاجتماعي، يخصص مهرجان «أم الإمارات»، الذي تنظمه دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي من 22 إلى 31 مارس الحالي على كورنيش أبوظبي، جناحاً، يأخذ الزوار في رحلة عبر الزمن للتعرف إلى نساء الإمارات وإنجازاتهن الخلاقة، ويعرض كيفية تجسيد قيم التمكين والمحافظة والتعاون والاستدامة التي عملت على تكريسها سمو الشيخة فاطمة في المجتمع، ومنها أصبحنا نجني ثمارها، ونحن نفخر بإنجازات ابنة الإمارات في كل الميادين، والمبادرات الخلاقة التي تقودها لتجاوز التحديات والصعوبات التي تقف أمامهن، بما فيها الذهنيات المنغلقة والحذرة من التقدم، وإذا كان اليوم العالمي للمرأة قد انبثق عن الحركة العمالية في أميركا الشمالية وأوربا في بدايات القرن العشرين، فإنه يتوج لدينا جهود النساء في كل المراحل التي مر بها مجتمعنا، حيث شاركت المرأة في صنع الحياة منذ أن كان الواقع يحتم صنع كل شيء يدوياً ومن موارد شحيحة، وإلى ذلك الزمن الذي سيحرك فيه الذكاء الاصطناعي الأشياء، إذ تساهم ابنة الإمارات دوماً في تحسين الواقع.

* مدير عام دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي