الاتحاد

دنيا

المرأة الإماراتية·· بعيـون سينمائية

تحقيق - خورشيد حرفوش:
لم أكن اتوقع ان أجد 72 مخرجة اماراتية شابة من بين 138 عملا سينمائيا محليا ضمن مسابقة أفلام من الإمارات 2005 ، أي ما تصل الى نسبة 52,17%· وتجاوزت الافلام الاماراتية الروائية، والتسجيلية، والوثائقية التي تناولت المرأة الاماراتية، وواقعها، وهمومها، ومشاكلها، ومعاناتها وأحلامها 25 فيلما، وبنسبة مئوية تصل الى 18%، والنسبتان لهما دلالتهما، ويكفي الاشارة الى ان عدد المشاركات قد تضاعف عن العام الماضي ثلاث مرات، كما تضاعفت الاعمال التي تتناول قضايا المرأة اكثر من اربع مرات، وهذا التطور الملموس يجرنا الى تساؤل أهم: كيف تناولت افلام من الإمارات المرأة وقضاياها؟ وما هي صورة المرأة التي طرحتها السينما الاماراتية الوليدة وهي في دور الحبو الى عالم الفن السابع، بقوته، وتأثيره· فمما لا شك فيه ان السينما ، كأي اداة أو وسيلة اعلامية تتأثر وترتبط بشكل مباشر بالوعي المجتمعي السائد، بل وتعد واحدة من العوامل الفاعلة القوية في هذا التشكيل، ودورها لا يقل أهمية، بل يأتي موازيا للدور الذي تلعبه أجهزة التعليم والثقافة الأخرى التي تتولى صياغة الوعي المعرفي للمجتمع، وترتبط وتسير جنبا الى جنب صياغة اعراف المجتمع وعاداته وقيمه وسلوكيات افراده المرفوضة أو المستحسنة، وانماط السلوك الاجتماعي السائدة بشكل عام·
وتجدر الاشارة هنا إلى ان السينما- كأداة اعلامية- لا يمكن لها ان تبث رسائل معينة عن المرأة بشكل ايجابي، إلا اذا كانت الدولة التي تمتلك هذه الاداة المؤثرة مؤمنة بقضية المرأة، وتتبنى تنميتها، وتسلم بشرعية حقوقها ومكتسباتها ودورها التنموي الفاعل في حركة المجتمع، فإذا آمنت الدولة، والمجتمع بقضية المرأة، ورعت في استراتيجيات عملها المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة، وازالت كل اشكال المعوقات التي تحول دون ذلك، فان كتابها، ومبدعيها ومثقفيها سرعان ما يعبرون عن هذه الحالة وهذا التوجه في رسائل ايجابية من شأنها تصفية الاذهان من الشوائب السلبية العالقة· وها هم كتاب السينما الاماراتية، ومخرجوها الواعدون يقدمون للمشاهد العاشق لهذا الفن، رؤى، وأمكاراً، ولغة سينمائية مؤثرة تعالج هموم المرأة، وواقعها، وطموحاتها· فماذا طرحوا؟ وكيف كانت رؤيتهم ومعالجتهم؟ وماذا قالوا؟
ويمكن استعراض الافلام الاماراتية المشاركة في مسابقة أفلام من الامارات 2005 والتي عالجت وتناولت قضايا المرأة ودورها في المجتمع في فيلم: جدران للمخرج سعيد سالمين المري، و خيط وراء خيط للمخرجة ميسون صقر القاسمي، و سجاير للمخرج محمد الطريفي، و قهوة وبرتقال للمخرج أمجد أبو العلا، و الكمال للمخرج ياسين فواز، و اشاعة للمخرجة فاطمة سيف محمد، و اصوات الألم للمخرج خالد المحروقي، و أغمضي عينيك للمخرج احمد عبدالمجيد بلوكي، و أقنعة متعددة للمخرجة اميرة محمد حسن، و إمس الحق للمخرج عبدالله الشامي، و الامل و الصمت للمخرجة وجدان محمد رمضان، و أيام للمخرجة أمينة المزروعي، و جاين دو للمخرج براناق آريا من الجامعة الاميركية بالشارقة، و الحب يتحدى الموت للمخرج محمد نبهان، و حبي الأبدي للمخرج سعيد خميس السويدي، و الحجاب بعيون اماراتية للمخرجة ندى محمد الكريمي، و سيدتي العزيزة للمخرجة سامية عايش،· و غير مؤمن للمخرجة منيرة الدوسري، و الفأر للمخرج آني فاهديبور بالجامعة الأميركية بالشارقة، و لاندروفر للمخرجة دارين السراج، و نايكي للمخرجة عائشة القاسمي، و هي للمخرجة لمي العسكري، و ولادة جديدة للمخرجة ريف الخاجة، و الوهم للمخرجة شيرين هشام حسين، و يوم آخر للمخرجة عائشة القاسمي، وأخيرا فيلم انت عارف ليه؟ للمخرجة سلمى الطرزي·
رؤى·· وقضايا
تتناول الشاعرة والروائية والفنانة التشكيلية ميسون صقر القاسمي مخرجة فيلم خيط وراء خيط وجوه المرأة في المجتمع التقليدي الذي يعاني من سيادة الثقافة الذكورية، والقيم التقليدية المحافظة، بل والمتخلفة في أحيان كثيرة، ما بين الغواية، والتأخير، والتهميش، وانكار واهمال دورها الاجتماعي في الحياة، وانحصارها في زاوية النظرة الضيقة التي عفا عليها الزمن، في لغة سينمائية جريئة، ورشيقة، تنم عن فكر عميق، وقناعة ذاتية بأهمية تحرر المرأة من مثل هذه القيود، وهذه الأطر البالية، لتأخذ دورها الذي تستحقه في الحياة إسوة بالرجل·
أما المخرج الشاب محمد الطريفي، فيطرح واحدة من اهم القضايا الشائكة في المجتمع الاماراتي، في كيفية سيادة التقاليد والاعراف القديمة، ومدى سطوتها وصعوبة الفكاك منها حتى ولو لم نكن قانعين ببعضها، وكيف ينظر المجتمع نظرة سلبية الى الفنانين والفنانات والاعلاميات اللاتي يظهرن على شاشات التليفزيون وكأن عملهن عار، ولا يجب الاقتران بهن، وذلك من خلال رواية بسيطة بطلتها اعلامية شابة قامت بتمثيل الدور فيه الفنانة اشجان، وحققت نجاحا وشهرة واسعة، ومن ثم تقع في حب أحد الشباب احمد حتى اصبح كل منهما وطنا للآخر، وترفض اسرته زواجه منها لأنها تظهر في التليفزيون ويراها الناس، ويفشل في اقناع اسرته، ولا يستطيع اتخاذ قرار بالزواج منها، الى ان يمرض، وتتبرع له باحدى كليتيها لتهبه الحياة، وانهت دراستها، وانتظرته، ولم تتوقف عن النجاح أو الشهرة، ولم يثنها انتظارها عن التمسك بحبها، وانتظرته طويلا، وعندما عاد من دراسته بالخارج، بدأت دوامة التهرب والمماطلة والهروب من جانبه، ورضخ أخيرا لرغبة أمه، ولم يستطع اقناعها بالزواج من نوال واستسلم لأفكارها، وتزوج من أخرى حسب رغبتها هي، وعرض على نوال ان تكون زوجة ثانية له، فصدمت بموقفه وتخليه عنها، فانهارت، واصبحت اسيرة الأمراض النفسية، وادمان السجائر التي التهمتها بشراهة وكأنها تنتقم لنفسها·
وعن الفيلم ودورها فيه تقول الفنانة الشابة أشجان: هذه البطولة تمثل بالنسبة لي نقطة انطلاق حقيقية بعد أفلام الفستان و غروب الشمس و جوهرة وقد عشت مع الرواية، وجسدت الدور كأنني اعيشه، واستشعرت معاناة كل فتاة تتعرض لمثل هذا الموقف، واديته باحساس، وأظن الجمهور هو الذي يحكم على العمل، والرواية واقعية، وتمثل جانبا من معاناة الفتاة في المجتمعات التقليدية من مثل هذه الافكار السلبية الخاطئة وأتمنى ان تصل رسالة الفيلم الى الناس·
العنوسة·· والفستان
وتضيف اشجان قائلة: مشكلة أو ظاهرة اخرى ناقشها فيلم الفستان الذي لعبت فيه دور البطولة ايضا، والذي يطول حلم الأم بأن ترى ابنتها وهي ترتدي فستان الزفاف الذي اشترته لها، ودأبت على ان تتغزل فيه، وتحلم بابنتها وهي ترتديه، وعلقته في مكان بخزانة الملابس، وتخرجه من حين لآخر، ويستمر حلمها، وترفض أكثر من عريس لزواج ابنتها منه وتبالغ في شروطها وطلباتها، ويذهب العرسان، وشيئا فشيئا تتقدم ابنتها في العمر، ويطول الحلم، والتمنيات، وتضطر تدريجيا ان تتنازل عن بعض شروطها كلما تقدمت ابنتها في العمر دون زواج، وتزداد حسرتها كلما نظرت الى فستان الزفاف، حتى هبت عاصفة وضاع فيها فستان الأحلام·
والفيلم رسالة صريحة الى الآباء والأمهات الذين يبالغون كثيرا في وضع الشروط والمطالب المادية المرهقة امام الشباب، وما يعتري الزواج في مجتمع الإمارات من مظاهر ترهق كاهل الشباب المقبلين على الزواج من ارتفاع المهور والمغالاة في نفقات الافراح، والتفاخر بها حتى تقع الفتيات فريسة العنوسة، والحلم المؤجل الذي يضيع في مهب الريح، ويأتي اليوم الذي يعض فيه الجميع اصابع الندم على ضياع الفرص، وضياع الحلم بعش الزوجية·
وتقول اشجان ايضا: رسالة الفيلم صريحة، وليت جميع الآباء والأمهات الذين يتمسكون بمطالبهم التعجيزية يرون الفيلم، وفي رأيي ان مستوى الأفلام المشاركة بشكل عام هذا العام افضل بكثير من الاعوام السابقة، وانني متفائلة كثيرا بمستقبل السينما الاماراتية ان حظيت باهتمام ورعاية ودعم وكيان يجمع كل هذه الجهود المبعثرة·
قهوة·· وبرتقال
أما فيلم قهوة وبرتقال للمخرج أمجد ابو العلا، فيتناول ايضا واحدة من أهم الظواهر الاجتماعية السلبية السائدة وهي انسياق بعض من افراد المجتمع ولا سيما المرأة خلف الاوهام والدجل والاكاذيب نتيجة الجهل وعدم المعرفة، من خلال قصة عرافة غامضة، وفناجين، وبرتقال، وشخصيات هلامية، وزمن يتوقف عن السير، ورحلة رجل اسمر يبحث عن ذاته في عوالم غريبة استوحاها المؤلف من قصيدة قارئة الفنجان للشاعر نزار قباني، والفيلم دعوة تنبيه وتحذير من جراء الانسياق خلف هذا النمط من الفكر السلبي المتخلف·
بينما نجد المخرجة ياسين فواز النابلسي، تطرق كواليس الحياة الاجتماعية بتعقيداتها وتفاصيلها، وتأثير السعادة والتفاهم الزوجي، والحلم بالكمال والمثالية في لغة سينمائية جيدة، رمزية، وصريحة ايضا، وحالمة في أحيان كثيرة، من خلال قصة بسيطة بين زوجين يبديان ظاهريا انهما في غاية السعادة والتفاهم والحب والمثالية، لكن الحقيقة تختلف كثيرا عما هو ظاهر للناس، وتترك المتفرج يستنتج هذه الحقيقة بنفسه، والفيلم اشارة الى أهمية التفاهم واللغة الوجدانية المشتركة بين الزوجين لاستمرار الحياة الزوجية·
كما يناقش فيلم اغمضي عينيك للمخرج احمد عبدالمجيد مسألة الاستهواء والاثارة والغموض من خلال قصة تجمع بين شاب وفتاة، في لغة سينمائية صريحة، ومعبرة، وسريعة ايضا، لها دلالتها ورسالتها التوجيهية والتربوية والسلوكية، في الوقت الذي يركز فيه المخرج عبدالله الشامي في فيلمه إس·· الحق على قضية في غاية الأهمية، وهي اساءة معاملة الزوجة من قبل الزوج، حتى أنها تسأم هذه الحياة، وتهرب من بيت الزوجية ضجرا وكرها، تاركه وراءها ورقة تخبره فيها هروبها للبحث عن إمس والفيلم يسلط الضوء على هذه الاشكالية التي تعاني منها الكثير من النساء، وتتزايد فيها منظمات حقوق الانسان مطالبة بحقوق المرأة، وحمايتها، والتوعية بكيفية التعامل معها، وتوعية المرأة نفسها بهذه الحقوق، التي تجهلها الكثيرات من نساء العالم الثالث على وجه التحديد نتيجة التخلف والجهل وسوء الحالة الاقتصادية وانتشار الأمية والفقر·
من جانب آخر تطرح المخرجة الشابة وجدان محمد رمضان واحدة من القصص الانسانية المأساوية من خلال الفتاة الشابة المغرمة بالجري، وكانت مؤمنة بان الله قد منحها هذه القوة، وستتمكن من الفوز في البطولات التي نجحت فيها، وحققت ارادتها اكثر من مرة، والتحقت بالجامعة لتكمل مشوارها العلمي وتفوقها التعليمي الى جانب تفوقها الرياضي، الا ان الصدمة كانت شديدة عليها باكتشافها انها مريضة بورم خبيث في المخ، مما جعلها رهينة التساؤل هل ستستطيع تحقيق النجاح مرة أخرى وتذوق طعم الانتصار من جديد؟ ·
والفيلم انساني، وفلسفي، ويسلط الضوء على معاناة هذه الفئة من الناس، واهمية تأهيلهم النفسي لمواجهة مثل هذه المواقف واحتمالها·
أما فيلم أيام للمخرجة الشابة امينة عبدالله المزروعي، فتطرح قضية من نوع مختلف تماما، ولكنها ربما قضية شائعة بين اوساط الفتيات اللاتي يعانين فراق الحبيب، مما يجعلهن اقل اهتماما بنشاطاتهن وهواياتهن وحياتهن بشكل عام، ولكن الايام كفيلة بأن تحقق النسيان، وترجع كل منهن الى حياتها بشكل طبيعي، والفيلم ان كان حافلاً بالرومانسية من جانب منه، الا انه يدعو الفتاة والمرأة الى الاعتماد على نفسها، وتجاوز مثل هذه المحن العاطفية، فالحياة بها أشياء أهم واكثر جدوى من مثل هذه الأمور، ودعوة ايضا الى اهمية ان تكون المرأة قوية بذاتها، وبإرادتها مهما كانت الخسائر وان كانت على الصعيد العاطفي·
الثلاثي·· والحب·· الحجاب
من جانب آخر نرى فيلم الثلاثي للمخرجة سحر بستان تعالج هموم المرأة من خلال ثلاث فتيات مختلفات في حياتهن، وعملهن، وشخصياتهن في تلميح واشارة سريعتين لابرز الهموم، وكذلك فيلم جاين دو للمخرج براناف آريا، الذي يتناول رحلة ساخنة لسيدة متورطة في علاقة قاسية مع زوجها، وكيف سئمت هذه الحياة، في اشارة الى سوء المعاملة، وما تعانيه المرأة في ظل زوج متسلط·
الحجاب الاماراتي ايضا كان له نصيب من المعالجة السينمائية للمخرجة ندى محمد الكريمي في فيلم الحجاب الاماراتي بعيون اماراتية وتتناول فيه مفهوم الحجاب، وتحاول ان تجيب على التساؤل الذي طرحته على المرأة الاماراتية ماذا يعني ذلك الحجاب ؟ لتأتي الاجابات من أربع جهات مختلفة، هي الدين والتراث والاعلام والموضة في اشارة الى ما يرتبط هذا التقليد بثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده وموروثه الاخلاقي والاجتماعي·
وهناك الفيلم الاماراتي الذي اثار كثير من الجدل حول جرأته وموضوعيته ومضمونه سيدتي العزيزة للمخرجة سامية عايش، ويتعرض لقضية تسليع المرأة، ومعاناتها ومشاكلها من خلال المشاكل التي تتعرض لها سيدة ظهرت صورتها على صفحة احدى المجلات، وتواجه ضغوطا، ومشاكل لا حصر لها·
وعن الفيلم تقول سامية عايش، انها رؤية خاصة حاولت من خلالها التلميح الى هذه الاشكالية التي توجد في المجتمعات التقليدية، ونظرة هذا المجتمع الى المرأة التي تظهر في وسائل الاعلام على انها منحرفة أو غانية أو مستهترة، كما هو الحال في الفيلم الآخر الذي اخرجته ايضا ليه كده بيصير؟ والذي حاولت ان اتساءل من خلاله كيف نغير صورة المرأة في المجتمع، ونقتلع تلك الصور الباهتة أو المشوهة، وجذب الاهتمام الى سلبية تسليع المرأة وضرورة تحررها من هذه النظرة الضيقة·
وهو ما تؤكد عليه المخرجة دارين البو وتقول: إن المرأة ليست جسدا فقط، لماذا لا تستوعب ذلك؟ لماذا لا نحاول ان نفهمها بشكل صحيح؟ وما السبيل الى تغيير هذه النظرة، وما دور وسائل الاعلام ازاء ذلك؟ وكيف ننمي ثقافة المجتمع في هذا الاتجاه·

اقرأ أيضا