الاتحاد

تقارير

روسيا.. جيل جديد من الأسلحة النووية

تشير وثيقة «استعراض الوضع النووي» للرئيس دونالد ترامب إلى أن الولايات المتحدة تقوم بإنشاء سلاحين نوويين جديدين – رأس نووية ذات قوة تدميرية منخفضة للصواريخ الباليستية الأميركية التي تطلق من الغواصات وصاروخ كروز جديد يطلق من البحر. لذلك، وبطبيعة الحال، فقد طلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من الجمعية الاتحادية الانصياع لأوامره.
وفي حديثه أمام الجمعية الاتحادية، والذي يعد إلى حد ما المعادل الروسي لخطاب «حالة الاتحاد»:، أعلن بوتين عن سلسلة من أنظمة الأسلحة الجديدة، وهي تتضمن أربعة نظم جديدة للأسلحة النووية تهدف إلى هزيمة الدفاعات الصاروخية الأميركية. وقد تم استعراض كل من هذه النظم مصحوباً بفيلم قصير تتخلله لقطات حقيقية بالرسوم المتحركة. وتمثلت الأجزاء الممتعة في:
- صاروخ باليستي جديد عابر للقارات يعمل بالوقود السائل ويطلق عليه «سارمات»، وقد عرض بوتين فيلماً بالرسوم المتحركة لهذا الصاروخ، وهو من القوة بحيث يستطيع التحليق فوق القطب الجنوبي وضرب الولايات المتحدة، وهو المسار الذي من شأنه أن يتهرب بسهولة من أي دفاعات صاروخية.
- مركبة إعادة دخول للقيام بمناورات والتي من شأنها أن تسلح الصواريخ الباليستية الأخرى العابرة للقارات في روسيا، ما يسمح لها باختراق منظومات الدفاع الأميركية.
- طائرة من دون طيار تعمل بالطاقة النووية تحت الماء وقادرة على السفر آلاف الأميال، قبل أن تنفجر في أحد الموانئ الأميركية، بينما تكون طوال الوقت مغمورة تحت الماء، حيث لا يوجد دفاعات صاروخية.
- وأخيراً، وبالتأكيد ليس آخراً، فإن صاروخ كروز عالمي النطاق ويعمل بالطاقة النووية، وهو مطابق تماماً لصاروخ كروز إكس – 101 الروسي.
وفي تطور ساحر، أوضح بوتين انهم لم يختاروا بعد أسماء صواريخ الكروز التي تعمل بالطاقة النووية، والمركبات التي تعمل من دون طيار تحت الماء، طالباً من الجمهور تقديم اقتراحات. واقترحت «مارتي فايفر»، وهي طالبة تدرس للحصول على درجة الدكتوراه، اسم «مكميسيل -فيس» للصاروخ. وبإمكان أي شخص تقديم اقتراحاته على موقع وزارة الدفاع الروسية. كنا بالفعل على علم ببعض من هذه الأنظمة، بما فيها«سارامات» و«طوربيد يوم القيامة»، الذي يعمل بالطاقة النووية. وكنا نعرف، بشكل عام، أن روسيا كانت تطور مركبة مناورات إعادة دخول لاختراق الدفاعات الصاروخية. ومع ذلك، فقد قدم بوتين تفاصيل أكثر عما كان متاحاً من قبل.
وهناك أيضاً صاروخ كروز مزعج يعمل بالطاقة النووية! فقد طورت الولايات المتحدة صاروخ كروز يعمل بالطاقة النووية في الستينيات، لكنها قامت بإلغائه لأن هذا كان يعد جنوناً. فقد كان المحرك النفاث الذي يعمل بالطاقة النووية يصم الآذان وهو على الأرض ويترك خيطاً من النشاط الإشعاعي. ولم تتمكن الولايات المتحدة حتى من إيجاد مكان مناسب لاختبار هذا الوحش في القتال. وحذر المسؤولون من أنه إذا انطلق من موقع نيفادا للتجارب النووية، ربما يتحطم في لاس فيجاس.
يقول بوتين، إن روسيا قامت بالفعل باختبار نسختها من هذا الصاروخ. وفي المقابل، يقول مجتمع الاستخبارات الأميركي إن الصاروخ الروسي قد تحطم أثناء الاختبار. ربما كان الروس طوروا محركاً نفاثاً مروحياً جديداً يعمل بالطاقة النووية والذي يسبب مشاكل أقل من المحرك النفاث الذي طورته الولايات المتحدة. كل هذه النظم الروسية سبقت الرئيس دونالد ترامب ووثيقته الخاصة باستعراض الوضع النووي.
وفي الواقع، فإن كل هذه النظم كانت معروفة لإدارة باراك أوباما -حتى صاروخ «كروز»، الذي أدرك الآن أن بعض المسؤولين الأميركيين قد سبق أن أشاروا إليه لبعض الوقت.
إن التكوين الحقيقي للجيل الجديد من الأسلحة النووية الغريبة في روسيا بدأ بعد قرار إدارة جورج دبليو بوش في عام 2001 الانسحاب من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، والفشل الحزبي من قبل إدارتي بوش وأوباما في الانخراط بشكل هادف مع الروس بشأن مخاوفهم من الدفاعات الصاروخية الأميركية. وقد ذكر بوتين هذا في تصريحاته.
وأوضح بوتين قائلاً: «خلال كل هذه السنوات منذ الانسحاب الأحادي الجانب للولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، كنا نعمل بشكل مكثف على المعدات والأسلحة المتقدمة، ما سمح لنا بتحقيق طفرة في تطوير نماذج جديدة من الأسلحة الاستراتيجية». وهذه الاختراقات التكنولوجية هي موجودة هنا الآن. وللأسف، ليس لدينا الاختراقات الدبلوماسية التي كنا بحاجة إليها.
وبالرغم من ذلك، فإن صاروخ «كروز» و«طوربيد يوم القيامة» اللذين يعملان بالطاقة النووية هما، وفقاً لردود الأفعال على الدفاعات الصاروخية، على القمة. وعندما كان المسؤولون الأميركيون يرفضون المخاوف الروسية بشأن الدفاع الصاروخي، فإنهم كانوا يخبرون الروس بإضافة مساعدات اختراق أو ربما بناء مزيد من الصواريخ. ومن المنصف بما فيه الكفاية قول إن الأمر يأخذ نوعاً خاصاً من الحنين للحرب الباردة، لاستنتاج أنه ما زال من الأفضل الاستثمار في مجموعة من الأسلحة التي هي على شاكلة أسلحة «يوم القيامة» الغريبة.
لذا، لم يكن الأمر يقتصر على انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، أو أن واشنطن فشلت في معالجة المخاوف الروسية. وآخر جزء من اللغز كان يتمثل في انهيار الديمقراطية في روسيا. ومع توطيد بوتين للسلطة، رأينا عودة للكثير من الأنماط والسلوكيات السوفييتية، من النشيد الوطني في عهد الشيوعية إلى البلطجية الذين تشرف عليهم الدولة وهم يقتلون المنشقين. وليس من المستغرب أنه، من بين هذه السلوكيات السوفييتية، فإننا نشهد أيضاً صناعة الدفاع السوفييتية الثائرة، بأولوياتها وامتيازاتها. ومن دون مشاركة سياسية ذات مغزى من قبل المواطنين الروس، الذين سيتشككون بشأن صناعة الدفاع؟ من الذي سيشكو؟ وإذا قام أحد العاملين في الحفاظ على البيئة سيعلق على الإشعاع الناجم عن صاروخ «كروز» الذي يعمل بالطاقة النووية، حسناً، فإننا نعلم ما يحدث لخبراء البيئة المزعجين في روسيا.
إنني أشير إلى هذا لكي أقول إن خيارات واشنطن في هذه النقطة ليست عظيمة. فالحد من الدفاعات الروسية هو الخط الثالث من سياسة الأمن القومي الأميركية، وحتى لو أصبحت الولايات المتحدة فجأة عاقلة للغاية، سيكون الروس منجذبين للغاية باللعبة الجديدة. وإذا قامت الولايات المتحدة فجأة بحل مشكلة الدفاع الصاروخي، فإنني لست واثقاً مما إذا كان المجمع الصناعي العسكري الروسي سيصبح متحمساً للقيام بحملة لجمع الأموال لدفع تكاليف قاذفة القنابل القادمة التي تعمل بالطاقة النووية.
بيد أن هذا أيضاً يعني أن الدخول في سباق تسلح مع الروس لا طائل منه. إن الروس يقومون بسباق تسلح مع أنفسهم. والدخول في سباق تسلح مع المجمع الصناعي العسكري الروسي يشبه المصارعة مع خنزير – أنت تصبح متسخاً والخنزير يحب ذلك. والاستراتيجية الوحيدة المتبقية للولايات المتحدة، كما ذكرت قبل زمن طويل، هي محاولة رفع التكلفة الدولية التي تواجهها موسكو من أجل تطوير هذه الأنظمة الرهيبة. وهذا ما دفعني إلى القول بأن الولايات المتحدة يجب أن تنخرط مع الشعب في الدفع من أجل حظر الأسلحة النووية، لزيادة الثمن السياسي الذي تدفعه موسكو لهذه البرامج. وبدلاً من ذلك، فقد قررت إدارة أوباما أن الحد من التسلح كان أفضل شيء يمكن القيام به مع الروس، أو ربما مع الدول الأخرى التي لديها أسلحة نووية، وأن كل شخص آخر بإمكانه أن يهتم بمصلحته. والمشكلة مع هذه الاستراتيجية هي أنها خلقت انطباعاً من التكافؤ الأخلاقي بين برامج التحديث في الولايات المتحدة وروسيا، ما يشجع حلفاء أميركا على التماس أعذار لموسكو.
وأخشى من أن تكون وثيقة «استعراض الوضع النووي» الأخيرة هي استمرار لهذا الاتجاه. إن لهجة الوثيقة، وكذلك بعض من المقترحات الأكثر إثارة للجدل، تعطي انطباعاً بالحماس لسباق التسلح. والنتيجة هي أن حلفاء الولايات المتحدة، هؤلاء الذين تحتاج واشنطن إلى العمل معهم لاحتواء روسيا، هم قلقون من ترامب مثل قلقهم من بوتين. وهذه حالة فظيعة.
ويبدو أنه من غير المرجح تكوين تحالف يعارض أسلحة بوتين النووية الجديدة، على الأقل طالما أن الرئيس الأميركي يعامل حلفاء الدولة كما لو كانوا مضرب حماية، وفي الوقت نفسه يحسد أسلحة بوتين النووية، ويضمن أن العالم يعرف أن «الزر» الخاص به أكبر من «زر» زعيم كوريا الشمالية كيم جونج اون. وبدلاً من توقع أي إدانة لنظام روسيا الجديد، يمكنني فقط أن أتخيل مدى تحمس ترامب عندما يعرف عن صاروخ الكروز الذي يعمل بالطاقة النووية.

*مدير برنامج منع الانتشار النووي في شرق آسيا، بمركز جيمس مارتين لدراسات منع الانتشار النووي في معهد ميدلبيري للدراسات الدولية - كاليفورنيا.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا