الشارقة (الاتحاد) «المسرح والقيم بين الشرق والغرب»، تحت هذا المسمى جاءت الجلسة الثانية في الملتقى الفكري لأيام الشارقة المسرحية، في دورتها الـ«27»، وهو الملتقى الذي نظم منذ يومين في فندق هيلتون، وقد عرف الموضوع نقاشاً واسعاً بين المشاركين، عبر «3» أوراق رئيسة، قدمها كل من حاتم التليلي، ومحمود نسيم، وكمال فهمي، حاول من خلالها المشاركون مقاربة العلاقة بين القيم الشرقية والغربية وتجلياتها في المسرح. ولما كان مفهوم القيم نفسه إشكالياً ومثيراً للجدل، انطلقت ورقة الباحث التونسي حاتم التليلي، الموسومة بـ«المسرح وحركة الهوية من تقويض التمركز الفلسفي إلى تشغيل مونادة ليبنتز»، (في إشارة إلى مفهوم الفيلسوف ليبنتز)، في محاولة تفكيكية جدلية، لمعالجة زوايا النظر المختلفة للقيم في الشرق والغرب مسرحياً، عبر النظر من زاوية الهوية، باعتبارها تعني الحوار والسلام والتفاعل، الأمر الذي يجعل منها ضرورة لا تقوم على طمس حضارة باسم نزعة التفوق لحضارة أخرى، مشيراً إلى إدلاء الغرب ببيانات تزعم أنه الأكثر تفوقاً وتقدماً ومحبة للسلام، إلا أن هذا الخطاب تهزمه الحروب التي يقوم بها في الشرق، ما يعني أنّه في ظلّ انفتاح العالم، ليس ثمّة تفاعل بقدر ما أن هناك ما يسميه التليلي بـ «هشاشة المشترك»، مشيراً إلى أن مجموعة من الدراسات والبحوث ذهبت إلى نفي إمكانية وجود مسرح آخر غير المسرح الغربيّ، من حيث خصوصيته، وإن بدا هذا الزعم صحيحاً نوعاً ما، فإنه يحجب عدة حقائق تجعلنا نشكك في ما ذهبت إليه تلك الدراسات، فمنطلقها المعرفيّ كانت بداياته ما بعد التكوّن والتمركز الإغريقي فالأوروبيّ، ثم تصدير مسرحهم بوصفه في نظرهم النموذج الأوحد، وهو ما غذى من فكرة التراتبية والأصل، وهو ما يستدعي تفكيك الخطاب الفلسفي الذي يجعل التاريخ الفلسفي مرتبطاً باليونانيين وحدهم، وهو أمر يقوض فكرة البحث في الأساس. ويخلص التليلي في ورقته، إلى أنّ الأسئلة التي طرحها، لا تمثّل دعوة إلى بناء مستقبل المسرح العربي عبر بوابة المشي إلى الخلف، كأن تكتفي إقامته بمسرحة القديم من التراث واستنطاقه، ولكنّها، بشكل أو بآخر، تمثّل صرخة غضبيّة من شأنها التحريض على معرفة كنهنا وماهيتنا من جديد. وهذا ما يؤكده راهننا الحاليّ، بوصفه مرتبطاً أيضاً براهن العالم برمّته، مشيراً إلى أنّ ما يجري اليوم، ما هو إلا منعطف دمويّ، تسكنه الأصوليات والتعصب والتطرّف والإرهاب وانهيار القيم، حتّى إنّ السائد صار لا إنسانيّاً بامتياز. وبدلاً من أن يعترف الغرب بمسؤوليته إزاء ذلك، ذهب إلى اتهام الشرق وإلصاق تهمة التوحّش به. وعلى الرغم من أن المسرحي المغربي كمال فهمي عالج في ورقته مسألة القيم، باعتبارها التصورات الخاصة بكل مجتمع لما هو حق وخير وجميل، التي تحدد هوية كل مجتمع وتعمل في اتجاه المحافظة على وحدته واستقراره وتعايش وتضامن أفراده، فإن مقاربته اقتصرت على معالجة هذه القيم في المسرح الغربي، بدءاً من المسرح الإغريقي، متخذاً من مسرحية «أنتجون» لسوفوكليس التي اعتبرت من طرف كثير من النقاد والفلاسفة أعظم التراجيديات الإغريقية، مثالاً، مشيراً إلى أن بطلتها «أنتجون» قد نالت إعجاب النقاد والفنانين والفلاسفة، لما تميزت به من سمو وعظمة ونبل في الطبيعة الإنسانية، لدفاعها عن حق أخيها «بولينيس» في الدفن، وتحديها لقرار «كريون». ويخلص فهمي إلى أن الاتجاهات المسرحية الغربية الحديثة، عالجت بأشكال مختلفة على المستوى الدراماتورجي، وانطلاقاً من فلسفات مختلفة في النظر إلى الوضع الإنساني، إشكالية القيم، وهي كلها تعبر عن أزمة الإنسان الغربي في النصف الأول من القرن العشرين، بعد أن فقد بوصلته، وأصبح التمرد على كل شيء من سمات الشخصية الغربية. أما محمود نسيم، فقد غاص من خلال ورقته «المسرح والقيم: انكسار النماذج» في عوالم مسرح الكاتب السوري سعد الله ونوس، ومن بين ما تطرق إليه حديثه عن مسرحية «الاغتصاب»، التي يمكن قراءتها بطريقة تجعل من نصها شبيهاً بالبرنامج السياسي، حيث كانت المسرحية تُقرأ بالمقلوب، أي من المشهد/الفضيحة، الذي تحاور فيه أنا الكاتب، شخصية من شخصيات المسرحية، فيصيحون استنكاراً: «اسمعوا، هو ذا يدعو إلى التعايش والصلح»، وليس هذا الاستنكار إلا دالة إضافية على سوء القراءة، فمن المؤكد أن النص لا يفضي لا مسرحياً ولا فكرياً إلى مثل هذه المقولة، كما أن الحوار الختامي كذلك لا يفضي إليها، لكن كانت هناك محاولة لإيجاد خلاصة تاريخية تتجنب التبسيط، وتتيح إبراز الطابع الجدلي للقضية. توصيات الملتقى: في نهاية فعاليات الجلسة الثانية، اجتمعت لجنة توصيات الملتقى الفكري لأيام الشارقة المسرحية، وذلك لصياغة مقترحاتها، وبعد التحية التي وجهها المشاركون لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، على رعايته للحركة المسرحية في الوطن العربي وفي العالم، وإسهامه الفعال كأديب مسرحي ومحب للمسرح ومؤمن برسالته التنويرية والحضارية، ثمنت اللجنة جهود لجنة تنظيم الملتقى، وحرصها على نجاحه وحسن تنظيمه، مثمنة في الوقت نفسه الحوار البناء الذي ساد خلال أشغال الملتقى. وخلصت اللجنة إلى التوصيات التالية: دعوة النقاد والباحثين العرب إلى الكتابة في موضوع «المسرح والقيم»، بالنظر إلى كشف الملتقى عن قلة الدراسات المنجزة في هذا الباب. ضرورة الاهتمام بالمسرح والفنون لدى الناشئة في الوطن العربي، من خلال إدراج ذلك في البرامج التعليمية، بهدف التأثير الإيجابي على الأطفال والشباب، وغرس القيم الفاضلة لديهم. العمل على الاستفادة من العلوم الإنسانية في الدراسات المسرحية، وتفعيل التعاون مع الباحثين العرب في هذا المجال، بهدف الرقي بالحركة المسرحية والفنية العربية. الاهتمام بالتجارب المسرحية العربية الجديدة، وتثمين جهود المسرحيين الشباب من خلال الاهتمام بأعمالهم ودراستها، إثراء للتجربة المسرحية العربية الراهنة. ضمت اللجنة: حميد علاوي من الجزائر، وعبد الكريم بالرشيد من المغرب، وخلود الرشيدي من الكويت، وعبد الكريم جواد وعبد الغفار البلوشي من عمان، ومفلح العدوان من الأردن.