صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

هل ولد الأميركيون.. لكي يُقتلوا؟

السلاح المستخدم في مجزرة فلوريدا

السلاح المستخدم في مجزرة فلوريدا

أضحى المجتمع الأميركي في الأعوام الأخيرة فريسة يسيرة لمجتمع الأسلحة المتاحة والمباحة للجميع، ولم تعد مسألة تسليح الأفراد والجماعات مشكلة، بل مأزقاً، ذلك أن المشكلة يمكن للمرء أن يتدبر لها حلاً، أما المأزق فلا حل له، ويجد الإنسان نفسه مجبراً على التعايش معه ومن دون أمل في إصلاح الأحوال.

لماذا تُعد مسألة حمل السلاح «ثقافة/&rlm&rlm مأزق» في أميركا؟

باختصار، لأن المادة الثانية أو التعديل الثاني من الدستور الأميركي ينص على: «على الفرع التنفيذي (أي الحكومة)، ألا يتعدى على حق الشعب في حيازة الأسلحة، وألا يستولي على منازل تستخدمها الميليشيا (الحرس الوطني) بصورة تعسفية، وألا يقوم بالتفتيش عن الأدلة واحتجازها دون إذن من المحكمة معزز باليمين أو التوكيد بوجود جريمة محتملة».

وقد صدر هذا التعديل ضمن 10 تعديلات في وثيقة الحقوق الأميركية عام 1791، وجاءت تلك التعديلات في أعقاب اصطراع المشرعين الأميركيين حول صدور وثيقة للحقوق المدنية بعد إجازة دستورهم في 1788 تضمن للناس ألا تستبد الحكومة بهم، وغلب من رأوا بوجوب هذه الوثيقة.

هل يفهم من هذا النص أنه قدر مقدور يتيح للأميركيين التسلح بصورة فردية، مع ما يتبع ذلك من عنف قاتل تمثل مؤخراً في حادث مدرسة فلوريدا الذي راح ضحيته نحو سبعة عشر قتيلاً، وسبقته ولحقته حوادث مماثلة؟

ثقافة جذرية

خلال زيارته لمدرسة باركلاند بفلوريدا التي جرت فيها وقائع المذبحة الدموية الأخيرة، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه لو كان هناك أساتذة مسلحون لأمكن تفادي «مجازر» داخل المدارس.

هل يفهم من هذا التصريح أن ترامب يدعم حمل السلاح من قبل المدرّسين، وبينهم وبين المهاجمين يمكن أن تستمر المجازر في المستقبل؟

الشاهد أن كافة رؤساء أميركا قد خسروا حروبهم ضد انتشار السلاح الشخصي، وقد كان آخرهم باراك أوباما، الذي انتقد عدم إقرار الكونجرس لقوانين تحد من سهولة اقتناء الأسلحة، مشدداً على ضرورة الضغط على المشرعين لمناقشة ذلك بعد أن راح ضحية الأسلحة الآلاف.

غير أن ترامب الوثيق الصلة بجماعات اليمين، كان ولا يزال من مؤيدي حق المواطنين في حمل السلاح، ولم يعارض يوماً هذا الاتجاه المدعوم بوثيقة الحقوق الأميركية (الدستور)، إلى الحد الذي جعل الأرقام التقديرية عن قطع السلاح الشخصية المملوكة للأميركيين من بنادق ومسدسات يتجاوز 270 مليون قطعة، ما يعني 89 قطعة لكل 100 مواطن، لتصبح أميركا الدولة رقم (1) في امتلاك مواطنيها للسلاح، وفي حوادث القتل الشخصي. ورغم أن عدد سكان الولايات المتحدة لا يتجاوز 5% من إجمالي سكان العالم، إلا أن هؤلاء يمتلكون من 30% إلى 35% من إجمالي الأسلحة الشخصية في العالم، ولعل المثير في الأمر أن عدد السيارات الشخصية في أميركا لا يتجاوز 250 مليون سيارة، أي أن قطع السلاح الشخصية أكثر من عدد السيارات.

على أن السؤال المطروح هو: ما هي الخلفية التي جعلت الآباء المؤسسين ينزعون إلى تقرير هذا الحق الدموي، الحق الذي بات أداة لتحويل المدارس والملاهي، وغيرها من التجمعات البشرية المدنية إلى برك من الدماء؟

التباس سياسي ودستوري

أحد أفضل الذين شرحوا حقيقة مشهد العنف الأميركي الناجم عن حيازة الأسلحة بصورة فكرية فلسفية هو روبرت . بورك القاضي الفيدرالي الذي كان مقرباً جداً من الرئيس الأميركي رونالد ريجان في ثمانينات القرن الماضي. وعنده أن «التحكم في حمل السلاح مسألة تقدم بحماس ديني وحكايات مؤلمة عن الأحباء الذين قضوا بالرصاص. إلا أن المسألة ليست على هذا القدر من البساطة، ذلك أن الحجة الحقيقية ضد التشدد في حمل السلاح تتعلق بالسياسة وليس بالمسائل الدستورية».. فهل يعني هذا أن الدستور الأميركي، لا سيما التعديل الثاني منه، بريء من العنف الذي تشهده أميركا اليوم من جراء الإباحة غير المحدودة لحمل السلاح؟

يقودنا البروفيسور دانيال بولسبي أستاذ القانون الشهير إلى أن: «التعديل الثاني من الدستور الأميركي بات يذكر بشكل ملتبس، لأن الجزء الأول من التعديل يؤيد مناصري التحكم في السلاح، فيجعل امتلاك السلاح الناري مشروطاً بأن يكون الشخص عضواً في ميلشيا تنظمها الولاية».

أما الجزء الثاني، فيشير إليه المعارضون للتحكم في حمل السلاح باعتبارها ضماناً لحق الفرد في امتلاك هذه الأسلحة، بما أنه يمكن استدعاؤه للخدمة في الميلشيا.

وقد دأبت المحكمة العليا على الحكم بأنه لا يوجد حق للفرد في امتلاك سلاح ناري، ذلك أن التعديل الثاني صمم للسماح للولايات بالدفاع عن نفسها ضد إمكان وجود حكومة طاغية... هل انتفى هذا الغرض؟

بالقطع نعم، ذلك أن الحكومة الفيدرالية للبلاد تمتلك من الأسلحة المتطورة ما يفوق قدرات الأفراد، وعليه لا يمكن لأي أسلحة شخصية في مرائب السيارات بالريف أو المدن أن تفعل شيئاً في مقابل تلك القوة القاهرة في الداخل، ولا يمكنها أن تلعب دوراً في صد الهجومات العالمية الخارجية... لكن ورغم مثل تلك الرؤية القانونية المنطقية تجري الرياح بما لا تشتهي السفن... كيف ذلك؟

تشريع قانوني

من المعروف أن القوانين تختلف من ولاية لأخرى، لكن المتفق عليه هو أن للأسلحة أكثر من استخدام في الولايات المتحدة الأميركية، فأغلبية الأميركيين يربطونها بهواية الصيد المنتشرة في المناطق الريفية، هذا بالإضافة إلى الدفاع عن النفس.

وبحلول العام 2008 كانت المحكمة العليا بأميركا تؤكد في قرار تاريخي على حق الأميركيين في امتلاك السلاح في كامل المدن والولايات الأميركية من دون استثناء، بعدما كان محظوراً في شيكاغو منذ 28 عاماً، وقد وافقت المحكمة العليا وقتها على القرار بموافقة خمسة ومعارضة أربعة أصوات. ويومها قال القاضي صموئيل اليتو مختتماً قرار المحكمة الذي يقع في 45 صفحة «نرى أن حق التعديل الثاني ينطبق تماماً على كل الولايات».

في هذا الإطار تبدو المسألة أكبر وأوسع من الأطر التاريخية التقليدية، وتظهر في المشهد وجهة نظر ربما لها دلالة على أميركا التي تثق في أسلحتها أكثر بكثير مما تثق في القانون الأدبي أو الأخلاقي للبشر.

ترفع قوانين التحكم تكلفة الحصول على سلاح ناري، وهذه التكلفة سيكون المجرم على استعداد لدفعها لأن البندقية شيء أساسي للعمل الذي ينخرط فيه، وقد لا يكون مضطراً إلى دفع التكلفة الزائدة، لأن الأسواق الممنوعة تتكيف كي تتغلب على الصعوبات.

ولدوا ليموتوا؟

منذ أن تم السماح بتداول الأسلحة في شيكاغو في أعقاب حكم المحكمة العليا عام 2008، ونسبة العنف والجريمة في تصاعد. فبعد أربع سنوات حدثت في الولاية 407 جرائم. وطبقاً لأرقام وزارة العدل فإن الجريمة العنيفة في البلاد ارتفعت بنسبة 18%، ومع سقوط المزيد من طلاب المدارس والجامعات صرعى في الأعوام الأخيرة، بدأ الأميركيون يستذكرون فيلم المخرج أوليفر ستون والمعنون «قَتَلَة بالفطرة». فقد بات الواقع الغارق في دوامات العنف وانتشار الأسلحة في الشوارع بأيدي المراهقين، مدعاة للقلق من أن الاجيال القادمة مرشحة للقتل والموت بأكثر من كونها مدعوة للحياة والنماء.

هل يعني المشهد الأميركي الآني أن الدولة الأميركية فشلت في حقيقة الأمر في القيام بواجباتها نحو مواطنيها، وأولى تلك الواجبات توفير الدرجة المطلوبة من الأمن والحماية؟

عند البروفيسور بولسبي، أنه من السهل تعداد جثث من قتلوا أو جرحوا بوساطة البنادق، ولكن ليس من السهل تعداد من تحاشوا الضرر لأنهم تمكنوا من الحصول على الأسلحة، ويضيف: ذلك لأن الأشخاص المسلحين لا يعدون ضحايا جذّابين نسبياً، وقد لا يعلم المجرم أن شخصاً مدنياً قد يكون مسلحاً، ولكن إذا ما عُرف أن عدداً كبيراً من المدنيين يحملون بنادق بالفعل، فسوف يكون المجرمون أكثر حذراً. هل هذا سيناريو طبيعي أم سيناريو مغلوط يكاد يقترب من سيناريوهات ما يعرف بالنبؤات المكذوبة التي تسعى إلى تحقيق ذاتها بذاتها؟

يؤكد البروفيسور والكاتب الأميركي جون كوزي الأستاذ في جامعة ستانفورد العريقة، في مقال نشره على موقع «جلوبال ريسيرش»، إن القتل الجماعي والعنف الدموي الذي يجري في المجتمع الأميركي أمور ليست مستغربة أبداً بالنسبة للأميركيين الذين يصرون على حمل وحيازة السلاح، ويرون أنه حق فردي يضمنه الدستور.

لكن الحاجة إلى حمل الأسلحة من أجل توفير الحماية الشخصية هي في تقدير البروفيسور كوزي أكبر دليل على أن المجتمع الأميركي وبنيته الاجتماعية صممت وتغذّت على العنف الذي يعود إلى الحقبة الأولى من تكوين الولايات المتحدة منذ أيام الأوروبيين. والتاريخ الأميركي، وفقاً للبروفيسور عينه حافل بالأحداث التي اعتمدت على قوة السلاح، والسياسة الأميركية الخارجية خير مثال على الطبيعة الأميركية العنيفة.

العنف والكراهية

يسترعي انتباهنا في هذه القراءة العلاقة بين العنف والكراهية، ومن الذي يقود إلى الآخر: هل العنف يولّد الكراهية أم أنه نتيجة لها؟ وإذا كان هذا هو الحال فأي مستقبل يمكن أن يكون لمثل هذه الدولة/&rlm&rlm الامبراطورية؟

ربما نجد جواباً حديثاً جداً على التساؤل المتقدم لدى معهد «قانون الفقر في الجنوب» الذي يقدم إحصائيات سنوية عن احوال العنصرية في البلاد، ففي تقريره الأخير، أشار إلى ارتفاع أعداد جماعات التطرف والكراهية بنسبة 4% عن العام الماضي لتبلغ 954 مجموعة.

وجاء في التقرير الذي حمل عنوان: «العام في الكراهية والتطرف» أن العام الأول لترامب في سدة الرئاسة كان مثيراً للانقسام على غرار حملته الانتخابية لكن مع عواقب أكبر، فخلال عام ازداد عدد المجموعات النازية الجديدة بشكل كبير ليبلغ 121 صعوداً من 99، وذلك بسبب تجنيد طلاب جامعيين، كما ارتفع عدد المجموعات المعادية للمسلمين إلى 114 بالمقارنة بـ 101 في 2017، خصوصاً بعد وعد ترامب خلال حملته الانتخابية بإغلاق الحدود أمام المسلمين...

وفي العام 2013 وبعد حادثة مدرسة «ساندي هوك الابتدائية» الدامية التي أطلق فيها شاب في العشرين من عمره النار على أمه ثم قتل 20 تلميذاً، صرح الرئيس الأميركي وقتها باراك أوباما بأنه: «لابد لنا من تتبع جذور هكذا حوادث، وعلينا أن لا نتغافل عن ثقافة حمل السلاح في بلدنا، فبعض الأوساط الثقافية تصور السلاح بأنه كائن عظيم، والقاتل بأنه بطل شجاع».

الروح والقانون

والحقيقة المؤكدة أن أميركا في أزمة، روحها تعاني صراعاً مريراً، أزمة تتجاوز النقاش حول السيطرة على الأسلحة، سيما وأن هناك جيلا كاملا من الشباب يكبرون مع الأدوية الضارة نفسياً، والأجهزة الإلكترونية كبديل عن الأمومة والأبوة والقيم الاجتماعية والروحية...

الأزمة الأميركية تتمثل في أن العنف بات فيروساً يغزو كل أركان الثقافة، والأميركيون لا يشاركون اليوم في العنف فقط بل يتمتعون به كمصدر للترفيه بدلاً من كرة القدم الأميركية كما يشير البروفسيور كوزي التي تعد أعنف أنواع الرياضات في العالم. وما ذلك إلا مثالاً صغيراً على الطبيعة الاجتماعية الأميركية.

بعد حادث فلوريدا وقع دونالد ترامب مرسوماً رئاسياً يكلف وزير العدل جيف سيشتز بوضع قوانين تحظر استخدام وبيع أجهزة تحوّل البنادق إلى سلاح رشاش... هل بهذا المرسوم ترفع أميركا عنها «غضب العنف»؟

في نفس الوقت كانت شرطة كاليفورينا تعثر على عدد من الأسلحة، بينها بنادق نصف آلية في منزل مراهق، كان قد توعد في وقت سابق بأن يجعل من مدرسته الثانوية هدفاً له حسبما أعلنت الشرطة في مقاطعة لوس انجلوس.

أى خلاصة إذن نستنتج من هذه القراءة؟

بالقطع لا توجد سلطة قضائية أو تشريعات قانونية يمكنها تغيير ثقافة أمة بأكملها في التو، وبخاصة إن أميركا ليست عنيفة بسبب الأسلحة، بل من جراء اعتناقها العنف كأداة حياة. ورغم إن سن قوانين جديدة يمكن أن يحد بدرجة أو بأخرى في المديين المتوسط والبعيد من العنف، إلا أنه لن يجدي نفعاً إذا لم يعمل الأميركيون جادين على تغيير منهاج العنف، الدستور الحقيقي الذي يؤمنون به.. الذي قد يودي بهم إلى حرب أهلية جديدة.

فساد السياسة والفن

هل القصة الخاصة بالسلاح ترتبط بالجذور الدستورية فقط أم بعملية الفوضى السياسية والفساد الذي يقترفه عدد كبير من السياسيين ومن هوليوود بنوع خاص؟

يحتاج الحديث إلى قراءات مطولة، فالفساد السياسي يتمثل في تأثير شركات السلاح الأميركية على السياسيين، بدءاً من أصغر المناصب في البلديات، وصولاً إلى الكونجرس بمجلسيه، هولاء الذين ترغّبهم شركات الأسلحة بالتبرعات لدعم حملاتهم الانتخابية، وترعبهم بقطعها حال الاقتراب من حرمة الحق في امتلاك الأسلحة لضمان رواجها.

أما هوليوود، فتكاد تكون أكبر آلة تسويق للعنف في أفلامها، التي يولع بها الشباب الأميركي، وتستخدمها الدولة في تسويق صورتها الإمبراطورية قبل أن ترتد عليها.

سلاح سهل

لا يمكن أن تكون الـ 270 مليون قطعة سلاح في الداخل الأميركي مصحوبة بسجلات شرطية تؤكد خلو سجل صاحبها التاريخي من أي جرائم، وعليه من السهل تهريب البنادق أو إخفاؤها، ولا يجب أن تكون البنادق من طراز رفيع كي تخدم هدف المجرم، لذا لن يواجه المجرمون أي صعوبة في الحصول على البنادق، أما المواطن الذي يحتاج إلى بندقية من أجل الدفاع عن نفسه فلن يكون في إمكانه الوصول إلى الأسواق الممنوعة، وسوف تردعه التكلفة الأعلى التي يتم تقاضيها في النفقات القانونية، ونتيجة ذلك فإن الإمداد المستمر من البنادق سيكون في مصلحة المعتدين.