عبير زيتون (دبي)

يرى الباحث الدكتور عبد الرزاق بلعقروز أن المسؤول عن أزمة القيم في الثقافة الإنسانية المعاصرة، ليس شخصًا مشخّصًا نسميه ثم نقدّمه للعدالة الأخلاقية التي يكون الضمير فيها قاضيًا، ولا مذهبًا فلسفيًّا خطراً على عقل فيلسوف جاهد طويلاً كي تبرق في ذهنه هذه الفكرة، وحسب بلعقروز، المسؤولية تقع على عاتق العقلنة الحداثية، بخاصة الأوروبية، وتوهم الرؤية العلمية بإمكانية إدراك القيمة عبر إخضاعها للتحليل، وإسكانها في أنساق المجتمع المنفعية المتغيرة، أو اختزالها في دوافع نفسية لاواعية، مما تسبَّب في تدميرها، وإفراغها من مضمونها الشعوري، المضمون الذي يُدرك القيمة بقدر تفاعلنا وجدانيًّا معها، ويتصاعد بقدر امتلاء القلب بعشقها وحبّها. فالقيمة، حسب قوله، ليست موضوعًا للعقل، ولا موضوعًا للعلم، إنّما هي موضوع للوجدان.
وقال الدكتور بلعقروز، أستاذ فلسفة القيم بجامعة محمد لمين دباغين سطيف الجزائر، في حوار مع «الاتحاد» عن فوز كتابه الجديد (روح القيم وحرية المفاهيم.. نحو السير لإعادة الترابط والتكامل بين منظومة القيم والعلوم الاجتماعية)، بالجائزة: إن هذا الفوز يعكس لي مدى إيمان هيئة الجائزة بأهمية وقيمة موضوع البحث العلمي في تصديه لأزمة القيم في الثقافة الإنسانية المعاصرة، ومدى الحاجة إلى الإبداع في مفاهيمها عربيا.
يحاول مؤلف كتاب تحولات الفكر الفلسفي المعاصر في كتابه الجديد الصادر عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع (بيروت) إعادة وصل العلاقة المنسية بين القيمة، والمعرفة، وتطبيق المنهجية العلمية، والنقدية المتصلة بالقيم، والعلوم الاجتماعية، ووضعها على محك الدراسات الفلسفية النقدية، التي تقوم على نقد الأسس المعرفية، كسبيل منهجي لتحرير القيم من وجودها المتعالي الساكن، وتحرير العلوم الاجتماعية من انفصالها عن تدبير الإنسان نفسيا وإعلاميا وسلوكيا. ويشير د. بلعقروز في هذا السياق قائلا: الكتاب جهد منهجي وبادئة تأسيسية، تحتاج إلى فريق من الباحثين من مشارب علمية متنوعة، لأجل توسيع تطبيقه والتنويع من استخداماته المنهجية نقدا وتأسيسا.
وعن مكانة العقل في جدلية القيم والمعرفة ضمن هذا البحث، يقول د. بلعقروز: إذا كان من حق ديكارت تأسيس العقل على المعرفة العلمية الرياضية، ومن حق نيتشه تأسيس العقل على إرادة القوة، ومن حق كانط تأسيس العقل على قيمة الإيمان، أفلا يحق لنا تأسيس العقل على القيمة الخلقية، خاصة أن قيمة العقل، لا تنحصر في سياق التفسير أو التَّحليل البارد للظواهر، وإنما التشريع الإبستمولوجي للقيمة أيضا، والانفتاح على قيم الوجدان والتقويم والتقدير. فالعقل هنا بات أكثر انفتاحا ولطافة وحرية عندما يكون في حالة استمداد من القيم.
ولفت د. بلعقروز إلى أهمية الانتباه في أبحاثنا الإنسانية إلى مدى حاجة العلوم الاجتماعية إلى البراديغم القيمي نقدا وتأسيسا، والإقرار بأنّ القيم ليست معيقات إبستمولوجية كما ورثنا ذلك من البراديغم العلمي الجاف، بل إن القيمة هي قِوام العلوم وشرط انطلاقها، فضلا عن أهمية تطبيق النَّقد القيمي على منظومة العلوم الاجتماعية الحالية، وصرف السَّعي البحثي إلى الترابط الجدلي بين القيمة والعلوم الاجتماعية باعتبار أن هذا الترابط هو السبيل المنهجي نحو تحرير القيم من تعاليها الساكن، وتحرير العلوم الاجتماعية من حالها الجاف. كما أن الكتاب بسط الكلام في شرطية الإبداع في المفاهيم، وأنه بقدر ما تكون قوة روحية في القيم، بقدر ما تحدث حرية في المفاهيم.