محمد عريقات (عمان)

«مفاوضات مع الموتى» من العناوين اللافتة والجذابة للأديبة الكندية مارجريت أتوود (1939) ولكنه يخرج عن هاتين الصفتين مع قراءة العنوان الفرعي للكتاب وهو «تأملات كاتب حول الكتابة» وهذا يعطي انطباعا أوليا بأن محتوى الكتاب ليس رواية أو شعرا إنما دراسة نقدية حول فعل الكتابة، فما علاقة الكتابة بمفاوضات الموتى؟ حين تبدأ بقراءة الكتاب تكثر الإجابات التي تتوارد إلى ذهن القارئ حتى انتهائه من صفحات الكتاب، ومن أبرز تلك الإجابات أن الكتابة هي فعل مقاوم لفكرة الفناء والموت وضوء في عتمة عالمه.
بعد ما يزيد عن نصف قرن من الكتابة أنتجت أتوود خلالها 40 كتابا توزعت بين مجاميع شعرية وقصصية جاء كتابها «مفاوضات مع الموتى» ثمرة مجموعة من المحاضرات كانت ألقتها في جامعة كامبردج عام 2000 واهتدت من أوراق محاضراتها إلى أن تكتب عن الكتابة ذاتها وليس عن كيفية الكتابة والموقف الذي يجد الكاتب نفسه فيه والذي قلما يختلف من كاتب إلى آخر.. العديد من الأسئلة تثيرها أتوود في مقدمة الكتاب تتصدر تلك المقدمة ستة فصول ملأتها بالاقتباسات والتأملات واستذكار أحداث من الطفولة في محاولة لتقديم الإجابات التي تكون عصية حينا ومطواعة في بعض الأحيان.
تتلخص قضايا الكتاب فيما تطرحه مارجريت من أسئلة تظل تؤرق الكاتب وهي أسئلة تنبع من كون أن ذات المؤلف هي ذات قارئة بالدرجة الأولى إذن فهي أسئلة القارئ مثل: ما هي هذه الكتابة.. هل هي نشاط إنساني أم أنها تكليف إلهي، أم مهنة، أم عمل مضجر نؤديه من أجل المال أو لعلها فن، ولماذا يشعر كثير من الناس أنهم مجبرون على أدائها؟ وكيف تختلف الكتابة عن الرسم مثلا؟ وكيف ينظر من يقومون بذلك العمل إلى أنفسهم ونشاطهم من حيث العلاقة معها؟ وهل تبعث آراؤهم بعض الرضا؟ ما الذي نعنيه بالضبط عندما نقول كاتباً؟ أي نوع من الكائنات نتصور؟
وكأن بالمؤلفة تجيب بمواربة عن هذه التساؤلات حين تقول بكتابها هذا أن الكتابة فعل بغيض وأما الكتابة عن الكتابة فهي أكثر بغضا، فهي تقع في جانب اللاجدوى، لعدم إمكانية الكاتب، بحسب مارجريت، الالتزام بمعايير ثابتة راسخة لمحاكاة الواقع. وقد يرغب القراء في أن تقدم لهم نظريات أدبية أو خططا مجردة أو تصريحات أو بيانات، وعندئذ تفتح درج النظرية والبيانات فتجده فارغا.
ألفت مارجريت كتابها مدفوعة بتفاصيل طفولتها، حيث يؤكد ذلك قولها: «يسود الظن أن في طفولة كل كاتب ما يتصل برسالته التي خلق لها، ولكن إذا تأملنا هذه المرحلة عند الكُتاب نجدها تختلف من كاتب إلى آخر.ولكنها غالباً ما تنطوي على الكتب والوحدة، وعلى الدرب ذاته كانت طفولتي. فتعلمت القراءة مبكراً، وكنت قارئة نهمة أقرأ كل ما يقع في يدي، فلم يمنعني أحد من قراءة كتاب، فقد كانت أمي تحب الهدوء في الأطفال، والطفل الذي يقرأ طفل شديد الهدوء».
بذلك فإن السيرة الذاتية في حياة الصبا المبكر هي لحظات حاسمة تتنبأ باتجاهات المستقبل للأديب أو للفنان.. «عندما أسترجع حياتي التي عشتها قبل أن أبدأ الكتابة، لا أجد فيها ما يعلل الاتجاه غير المألوف الذي سلكته، ولم أجد فيها شيئا يختلف عن أولئك الذين لم يصبحوا كتابا».