الاتحاد

عربي ودولي

القرار السوري بالانسحاب من لبنان··


هل هو مصالحة مع الواقع أم انحناءة مرحلية؟
غسان مكحل :
كان ما أعلنه الرئيس السوري بشار الاسد في دمشق عن عزمه سحب قواته الى منطقة الحدود السورية اللبنانية، محاولة صعبة من أجل التصالح مع الواقع، الحالي على المستويين الاقليمي والدولي·
ومع أن الرئيس الاسد لم يكن مخيرا تماما في قرار الانسحاب، إلا أنه أظهر مجددا قدرة القيادة السورية على التكيف مع الأوضاع، برغم المرارة الواضحة، وتحديدا تجاه حلفاء سابقين في لبنان، باتوا من أشد المعارضين للوجود السوري في لبنان·
الرئيس السوري أعلن الانحناء أمام العاصفة،الدولية والاقليمية، عبر الاستعداد لتطبيق القرار الدولي رقم ،1559 الذي يدعو دمشق للانسحاب من لبنان· لكنه وضع النقاط على الحروف بالنسبة الى مسائل معينة، يمكن اعتبارها مصالح او رغبات او مصالح سورية· فالتحذير الذي اطلقه من 17 ايار ثان (اتفاق 17 ايار هو الاتفاق بين اسرائيل ولبنان في العام 1983 الذي أسقطته المعارضة اللبنانية بدعم سوري فلسطيني)، هو بمثابة إعلان من ان دمشق لن تقبل باي اتفاق سلام منفرد بين اسرائيل ولبنان· وكان وزير الخارجية الاسرائيلية سيلفان شالوم قد أعلن قبل ايام ان انسحاب القوات السورية من لبنان يفتح الطريق امام سلام مع لبنان· وفي هذا السياق اعتبر الاسد مثل هذا التطور خطا احمر ستواجهه سوريا بكل قوتها·
الدور السوري
النقطة الثانية الرئيسية في خطاب الرئيس الاسد إعلانه أن الدور السوري سيستمر في لبنان، وانه ايضا سيصبح أقوى، بعد الانسحاب وتحمل هذه النقطة معاني ورسائل متعددة، منها القول للشعب السوري إن انسحاب القوات السورية لن يغير في وضع سوريا الاقليمي· وفي هذا نزعة تطمينية، لمواجهة الحس العميق بالخذلان لدى فئات واسعة من الشعب السوري·
إلا أن الأهم من هذا، ان هذا الاعلان هو رسالة على المستويين الاقليمي والدولي، تريد دمشق من خلاله الابقاء على خطوط نفوذها في لبنان والمنطقة·
ومع انه من الطبيعي ان يضعف النفوذ السوري في لبنان، بعد الانسحاب العسكري، الا ان طبيعة العلاقات بين سوريا ولبنان، وكون سوريا المنفذ الوحيد للبنان على باقي المنطقة، ونتيجة التفاوت بالحجم والثقل، فإن من الطبيعي ان يكون لسوريا كلمتها في لبنان والتطورات اللبنانية الحساسة·
يضاف الى ذلك مسألة اساسية هي ان الخلافات الحادة اللبنانية اللبنانية والضغائن، تجعل سوريا دائما حليفا محتملا لاي من الاطراف اللبنانية، عند اي اختلاف او حتى خلاف داخلي، كما حصل دائما في لبنان، قبل الحرب وخلالها وبعدها·
الغطاء العربي
ويبدو واضحا ان تراجع دمشق، وقبولها بالقرار ،1559 بعد ان كانت تجاهلته، هو شعورها بفقدان الغطاء العربي لوجودها في لبنان، وهو كان واضحا في الموقف المصري الذي دعا الاسد مباشرة الى تلبية المطالب الدولية، والموقف السعودي،، الذي وصل الى حد التلويح بتأثير الموقف السوري على العلاقات الثنائية، والموقف الاردني حيث اعلن وزير الخارجية الاردني من اسرائيل ان لا مساومة في مسألة الانسحاب السوري من لبنان، والموقف الفلسطيني، حيث اتهمت السلطة الفلسطينية سوريا ضمنا بأنها وراء العملية الاستشهادية الاخيرة في تل ابيب·
وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية حظي الوجود السوري في لبنان بغطاء عربي ودولي، متواصل وهو غطاء بدا من جولة الرئيس الاسد العربية الاخيرة ان دمشق فقدته·
الا ان الشيء الذي حرص الاسد على التأكيد عليه هو اعطاء الموضوع بعدا اقليميا يتعلق بإسرائيل، حيث كان اول زعيم عربي يعلن ان الرئيس عرفات جرى اغتياله، ولم يتوف طبيعيا· وبدا وكأنه يربط بين 'اغتيال عرفات' واغتيال الحريري، لوضع اسرائيل وان بطريقة غير مباشرة في موقع المشتبه الاساسي به في كل ما جرى·
وفي هذا السياق جاء اعلانه بأن التوصل الى نتيجة في التحقيق في اغتيال رفيق الحريري هو ضرورة ومصلحة سورية أساسية·
الدور الفرنسي
ومع ان الاسد لم يفصل في الدور الفرنسي في كل ما جرى الا انه سعى بوضوح الى التذكير بأن الرئيس جاك شيراك كان وراء القرار ·1559عندما طلب شيراك من بوش في حزيران الماضي، دعمه في اصدار قرار دولي يطالب بانسحاب سوريا من لبنان· ويروى ان السبب الاساسي وراء هذا التغير في الموقف الفرنسي من سوريا، هو غضب شيراك من استبعاد سوريا الشركات الفرنسية من عقود للتنقيب عن النفط واستثماره في سوريا· وبعد مفاوضات طويلة مع الشركات الفرنسية اختار السوريون شركة مجرية اميركية، بدلا من الفرنسيين·
العراق
وبرغم ان الخطاب كان مخصصا للتطورات اللبنانية الا ان موضوع العراق أخذ حيزا مهما، حيث حرص الرئيس الاسد على مخاطبة الاميركيين وايضا السوريين والعرب، معلنا استعداده الكامل للتعاون من اجل تلبية المطالب الاميركية بمنع التسلل الى العراق عبر الحدود السورية·
و مع ان الاسد توقع ان تستمر الحملة الاميركية عليه وعلى نظامه، برغم ما أعلنه بشأن لبنان، الا انه أراد ان يظهر ضمنا استعداده لبذل المزيد على خلفية الاقتناع بأن العراق هو الموضوع الاهم بالنسبة الى العلاقات السورية الاميركية وليس لبنان·
وكان واضحا انه أراد اشراك الجمهور السوري في همومه في هذا المجال وكسب تعاطف هذا الجمهور، عبر التأكيد على رغبته في التصالح مع الواقع الاقليمي والدولي الذي يفرض ليونة قصوى في التعامل مع الاميركيين·
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل ان هذه الليونة السورية الحالية، هي خطوة تكتيكية لتجاوز الازمة الحالية، على ان تعود دمشق الى مواقفها لاحقا، ام ان هذه المصالحة هي 'صفحة جديدة، وسياسة جديدة، لا بد في حال استمرارها ان تنعكس ايجابا على سياسات السلطة السورية داخل سوريا نفسها·
فرصة لبوش
فقد أعطت التطورات في لبنان وعلى المستويين الإقليمي والدولي، الرئيس الأميركي جورج بوش فرصة ذهبية لتحقيق ما يعتقد أنه انتصار جديد في المنطقة، يتمثل في محاصرة سوريا والضغط عليها للانسحاب من لبنان· وهو تطور ما كان ليحصل بمثل هذه السرعة لولا حدث اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، الذي أصاب كلا من دمشق وبيروت بالإرباك، وأطلق حركة المعارضة اللبنانية، و شل إلى حد بعيد القوى السياسية اللبنانية الموالية لسوريا، وفي الوقت نفسه أحرج أصدقاء وحلفاء سوريا على المستويين الإقليمي والدولي·
فعلى مدى الأسابيع الثلاثة الماضية لم يمض يوم من دون صدور تصريح للرئيس الأميركي جورج بوش أو احد كبار مساعديه، يطالب سوريا بالانسحاب من لبنان· آخرها ما أعلنه بوش أمس قبل ساعات قليلة من خطاب الرئيس السوري بشار الأسد، يعلن فيها أن أميركا و حلفاءها لن يقبلوا أنصاف الحلول في ما يتعلق بالانسحاب السوري· أو بكلام آخر إن أميركا وحلفاءها لن يقبلوا بانسحاب جزئي إلى منطقة البقاع بحسب اتفاق الطائف·
وغالب الاعتقاد إن ما يهدف إليه الرئيس الأميركي من هذا التركيز الشديد على سوريا و وجودها في لبنان، يتجاوز بكثير الوضع اللبناني ويتعلق أساسا بإعادة ترتيب الوضع على المستوى الإقليمي ككل، هذا الترتيب الذي تعرقل أساسا بسبب المقاومة القوية للمشروع الأميركي في العراق و الانتفاضة المستمرة في فلسطين والمحور السوري اللبناني الممانع بقوة للمشروع الأميركي في المنطقة·
ويمكن القول إن التطورات الأخيرة في لبنان أعادت الزخم بقوة إلى مشروع الرئيس بوش للمنطقة· وكانت وزيرة الخارجية الأميركية غونداليزا رايس قد أعلنت قبل أيام أن المشكلة ليست بين أميركا وسوريا، بل هي بين سوريا وشعوب المنطقة، معلنة أن دمشق هي التي تقف في وجه الديمقراطية والتقدم في الشرق الأوسط·
ويستدعي هذا بالطبع أن يجري إثبات ذلك على الأرض بإظهار أن الشعب اللبناني هو الذي يدفع باتجاه إخراج الجيش السوري في لبنان· وهو أمر يتجاوز حتى مضاعفات التطورات الخطيرة الأخيرة على الساحة اللبنانية، ليستغلها من أجل تحقيق هدف أبعد، يتمثل أساسا في إظهار أن سوريا هي عدو لبنان، وليس إسرائيل، وهو ما يتطلب أن يكون خروج القوات السورية مشابها إلى حد ما لاندحار القوات الصهيونية عن لبنان في أبريل العام ·2000
قلب الحقائق
وهذا بالنسبة إلى إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وحلفائهم في لبنان والمنطقة هو الثأر المطلوب، من اجل إعادة رسم الصورة في لبنان والمنطقة· وهو رسم يستدعي أن يفرض على الدولة اللبنانية تبديل عقيدتها وهويتها، بأن تعود سوريا هي صورة العدو وتكون إسرائيل هي صورة الصديق أو الحليف المنتظر·
ويكون بذلك التحرير لا تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، بل تحقيق الانفصام بين سوريا ولبنان، وعودة الدولة اللبنانية إلى ما كانت عليه قبل اتفاق الطائف·
فاتفاق الطائف في جوهره ليس مصالحة وطنية داخلية فقط وليس تنظيما للعلاقة السورية اللبنانية، بل هو إعادة تأكيد الانتماء العربي للبنان، بعد عقود طويلة من التشويه الذي نفذته بشكل منظم قوى داخلية وإقليمية ودولية·
وبالتالي فان إجبار دمشق على سحب قواتها بالقوة تحت الضغط الداخلي والإقليمي والدولي، يعني العودة إلى ما دولة ما قبل اتفاق الطائف، ويعني جعل لبنان في موقع محايد شكليا بين سوريا وإسرائيل أو بين العرب وإسرائيل، لكنه عمليا وجوهريا في موقع اقرب إلى إسرائيل والغرب عموما·
وفي ظروف يبدو فيها من الصعب للغاية أن تتجنب سوريا والقوى الحليفة والصديقة لها في لبنان والمنطقة، مثل هذا السيناريو· في ظل الإجماع الدولي، فإن المطلوب التفكير في خطوة بالغة الشجاعة تعيد الأمور إلى نصابها· خطوة تجعل من الانسحاب السوري، نتاجا لاتفاق بين الحكومتين اللبنانية والسورية، على أساس اتفاقات محددة وتحالف ثابت وتوافقات داخلية وإقليمية·
وبحسب ما يقول أحد المحللين فإن سوريا الآن في مواجهة أحد خيارين إما الانسحاب على الطريقة الفلسطينية، أي كما انسحبت قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت في العام ،1992 وإما مواجهة خطر الانسحاب على الطريقة الإسرائيلية· بالطبع من دون الانحراف للحديث عن تشابه بين أي من الأوضاع الثلاثة، خصوصا وان الوجود السوري في لبنان كان منذ البداية والى الان مستندا إلى علاقة مع الدولة اللبنانية وبناء على اتفاقات بين الجانبين·
وربما كان من سخرية الأقدار أن قوى سياسية وطائفية لبنانية، بنت نفوذها على الساحة اللبنانية بفعل علاقاتها مع دمشق وبفعل دعم دمشق لها هي التي تقود الحملة ضد سوريا، وهي التي تعمل على تصوير سوريا على أنها دولة محتلة، وتساعد في تمهيد الأرض في لبنان والمحيط للمشروع الأميركي للمنطقة·
ولا بد من التذكر أن القوات السورية أعادت انتشارها في مناطق الجبل في أوائل الثمانينات من اجل دعم هؤلاء الحلفاء 'الغرماء الان'، وان القوات السورية عادت إلى بيروت في العام 1987 بناء على مناشدات حارة من البيروتيين لإنقاذ المدينة من الاقتتال الذي سمي آنذاك 'حرب العلمين'·
إلا إن الشعور بالمرارة من جانب دمشق وحلفائها المتبقين على الساحة اللبنانية، لا يفترض أن يبعد الانتباه عن الخطة الأساسية للمنطقة، التي رسمت في واشنطن وتنفذ حاليا· وهي خطة أعيد الزخم إليها بفعل الاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني ونجاح الانتخابات العراقية وتراجع المواقف العربية الرسمية رعبا من 'الغول' الأميركي وتبدل المواقف الأوروبية والدولية لمصالح خاصة ولمطامع في شراكات معينة· وهو انتباه وحذر يفترض أن يبنى على أساس نظرية'خطوتان إلى الوراء خطوة إلى الإمام'، وعلى أساس تجنب أن تؤدي الهجمة الحالية من جانب الأميركيين على سوريا إلى تقويض كل ما جرى بناؤه على مدى السنوات الطويلة الماضية·
ويفترض الانتباه إلى أن مثل هذه الحركة الاستباقية، هي الوحيدة القادرة على حماية سلاح المقاومة وحماية الخيار الحالي للدولة اللبنانية، أي الخيار العربي، وعلى حماية أسس العلاقة المميزة السورية اللبنانية، بعيدا عن التحريض وبث الأحقاد على المستويين اللبناني والسوري - اللبناني·
وربما أدى التأخر في مثل هذا التحرك الاستباقي إلى إيصال الأوضاع، إلى حد تنفيذ هدف إسرائيل بنزع سلاح المقاومة بواسطة جهد دولي، تحت راية الأمم المتحدة·
ومع الانتباه أيضا إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يفرض على الأطراف العربية التراجع، فإنه ربما كان من أشد السلبيات المحتملة للتحركات السياسية الحالية في سوريا ولبنان،أن تسفر عن شرخ بين الشعبين اللبناني والسوري، شرخ يكون له اثر تدميري على هوية وتوجهات الشعبين على مدى سنين طويلة آتية·
وهو شرخ لا يمكن إلا أن يدعم التوجه الأميركي ، لقلب المقاييس في المنطقة العربية· إذ يصبح العرب أعداء المنطقة منطقتهم، و إسرائيل والأجانب هم من يريد مصلحتها· وتصبح بحسب هذا التوجه سوريا محتلة، وإسرائيل 'ضحية' هي الساعية للسلام و يتحول الفلسطينيون إلى إرهابيين معتدين· ويكون أمراء الطوائف في لبنان، الذين لم يتركوا دولة إلا استقدموها إليه خدمة لمصالحهم، هم رافعوا راية الاستقلال في لبنان·
وربما كان هذا من أبرز دوافع الرئيس الأسد لاتخاذ قرار الانسحاب، إذ ان هذا القرار لا بد وان يسحب البساط من تحت أقدام قوى التوتير والتحريض في لبنان والمنطقة، ويعيد الاعتبار مجددا الى الدولة اللبنانية كشريك في اجراءات الانسحاب السوري، هذا اضافة الى كونه يعفي سوريا من اللوم في مسألة سلاح المقاومة، ويحول المسألة اليقضية داخلية لبنانية، الى نقطة إحراج دولي اساسي في التعامل مع لبنان·

اقرأ أيضا

بكين: ضغوط أميركا على "هواوي" تنمر اقتصادي