الاتحاد

تقارير

ألمانيا وزعامة العالم الحر

عندما انتُخب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، رسمت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خطاً بينهما بحذر؛ حيث عرضت عليه التعاون، ولكن شريطة أن يكون قائماً على القيم الغربية مثل «الحرية، واحترام القانون، وكرامة الإنسان بغض النظر عن أصله أو لون بشرته أو دينه أو نوعه أو ميوله الجنسية أو آرائه السياسية»، كما قالت. وقد أكسبها هذا الوضوح الأخلاقي أنصاراً ومعجبين في الخارج؛ واختار معلقون وصفها بـ«زعيمة العالم الحر» الجديدة.
واللافت أن معظم أولئك المعلقين لم يكونوا ألماناً. وبالمقابل، كان بعض الخبراء الذين لهم دراية بثقافة ألمانيا الاستراتيجية متشككين بشأن ما إن كانت الحكومة الألمانية تستطيع فعل ما يلزم من أجل قيادة العالم الحر بالفعل. ذلك أن الكلمات والرؤية، في النهاية، لا تكفي وحدها إن لم تكن مقرونة بسياسات منسجمة وبالموارد العسكرية والإنسانية والدبلوماسية لتطبيقها.
لا نقصد بذلك أن ألمانيا وميركل لا تعترفان بالضغط الذي يتعرض له حالياً النظام العالمي الليبرالي؛ ولكن بعض الدول الأوروبية الكبيرة ما زالت غير مستعدة لدفع ثمن المعدات العسكرية من أجل المساعدة على تأمين ذاك النظام. ومع أن ألمانيا ما زالت بعيدة كل البعد عن نسبة الـ2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي التي وافقت كل بلدان «الناتو» على إنفاقها على الدفاع (نحو 72 مليار دولار بالنسبة لألمانيا)، ورغم ضعف تجهيز جيشها، فإن برلين قررت زيادة الإنفاق العسكري بـ304 ملايين دولار فقط، إلى نحو 47 مليار دولار سنوياً. وفي هذا السياق، يقول «جان تيشو»، زميل «صندوق مارشال الألماني» في برلين: «إن ذاك المال سيذوب في الصيانة والتطوير والتكاليف الشخصية والتضخم».
وفي مؤتمر الأمن في ميونيخ هذا العام، حاولت وزيرة الدفاع الألمانية «أورسولا غيرترود فون دير لاين» طمأنة الحاضرين بأن ألمانيا مستعدة لزيادة الإنفاق العسكري أكثر. ولكن مع استعداد «الديمقراطيين الاجتماعيين»، الذين خاضوا حملة ضد تخصيص مزيد من المال للجيش، لتسلم حقيبة المالية في الحكومة الجديدة، يمكن القول إن الأمل في حدوث ذلك قليل جداً. والأكثر من ذلك أن اتفاق الائتلاف الحكومي ينص على أن كل يورو إضافي يصرف على الدفاع ينبغي أن تقابله مساعدات خارجية موجهة للتنمية، وهو ما يضيّق أكثر هامش المناورة لتقوية الجيش.
والحق أن برلين أبدت في السنين الأخيرة استعداداً أكبر لنشر جيشها في الخارج، حيث أرسلته إلى مالي والعراق والبلطيق. ولكن بعد عقدين من خفض الإنفاق، بلغ الجيش الألماني نقطة الانكسار. وقبل أربع سنوات، أثار سخريةَ العالم عندما حمل بعض جنوده عصي المكانس بدلاً من الرشاشات خلال مناورة لـ«الناتو» بسبب نقص في العتاد.
بيد أن الوضع ليس أفضل اليوم. ذلك أن البحرية الألمانية في حاجة لسفن؛ كما أن كل غواصاتها باستثناء واحدة راسية في قواعدها بسبب عدم وجود قطع غيار. ويشير تقرير داخلي إلى أنه من أصل دبابات الجيش الرئيسية الـ244 -وهو عدد صغير أصلاً- فإن 105 فقط في حالة جيدة. أما القوات الجوية، فهي أسوأ حالاً، حيث لا يمكنها أن تستخدم سوى ربع أسطولها الصغير من مقاتلات «يوروفايتر» و«تورنيدو».
والألمان يعجبهم أن يقولوا إن رفض برلين القيام بنصيبها من المهام العسكرية هو رد فعل على فظاعات الحرب العالمية الثانية، وعلى الرد القوي لاحقاً ضد النزعة العسكرية الألمانية. غير أن الكثير من الشركاء الغربيين أخذوا ينظرون إلى هذا الأمر باعتباره عذراً سهلاً. ففي خطاب في برلين في 2011، قال وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي: «إنني أخشى القوة الألمانية كخشيتي الجمود الألماني».
ومنذ ذلك الوقت، يعترف السياسيون الألمان بأن بلدهم في حاجة لثقافة استراتيجية أكثر جدية. فالبلد ما زال ينظر إلى نفسه عموماً باعتباره قوة ناعمة. وفي حالات كثيرة جداً، بات السياسيون الألمان يؤثرون الخطابات الأخلاقية الرنانة على مناقشة المسائل الأمنية الملموسة.
والمثير للقلق حقاً هو أنه لا شيء من هذا يحدث في فراغ. ذلك أن الزعامة الأميركية بات مشكوكاً فيها حالياً، في حين تمثل روسيا تحدياً متزايداً. ومع ذلك يبدو أن كل الأطراف الرئيسية تلين موقفها من موسكو، بينما تشدد مشاعرها ضد الولايات المتحدة.
والواقع أن ميركل ما زالت لديها القدرة على التعامل مع رجال أقوياء مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولكن مكانتها الوطنية ضعفت، كما أن رؤساء الولايات المحلية في ألمانيا الشرقية، وبعضهم أعضاء في حزبها، يدعون إلى إلغاء العقوبات ضد موسكو. أما مبعث قلقهم، فهو العلاقات الاقتصادية مع روسيا. فموقف ألمانيا التلقائي ما زال، على ما يبدو، هو موقف جمهورية تجارية تتاجر مع الجميع وتترك المسائل الاستراتيجية ليتعاطى معها الآخرون في الغالب.
في مؤتمر ميونيخ، قالت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي إن «الألمان لن يصبحوا فرنسيين» -وهي طريقة للقول إن فرنسا بلد جاد ذو ثقافة استراتيجية قوية وطموحة. ولكن بالنسبة للألمان، هذا كلام قاس لأننا نعلم أنه صحيح. فنحن نحب أن نسمع أن مستشارتنا هي زعيمة العالم الحر؛ ولكننا سعداء بترك بلدان أخرى تقوم بالعمل الحقيقي. ولا نهبّ للمساعدة.

*صحافي ألماني
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

اقرأ أيضا