الاتحاد

دنيا

مثقفون يتصدون لمقولة «العرب لا يقرؤون» ويفندونها

الإمارات تتبنى العديد من المبادرات التي تشجع على القراءة (أرشيفية)

الإمارات تتبنى العديد من المبادرات التي تشجع على القراءة (أرشيفية)

«العرب لا يقرأون» جملة التصقت بالعرب لعدة عقود من الزمان، وفي كل مرة يطلقها مغرضون يوردون أسباباً جديداً لا تبدو مقنعة، لكن هذه العبارة أصبح لها صداها على ألسنة بعض المفكرين والقادة السياسيين في مختلف دول العالم، وعلى الرغم من هذه المزاعم التي لا تمت للواقع بصلة، والتي تهدف إلى زعزعة ثقة القراء العرب، فإن كل يوم يعاود الأدب العرب تألقه ونضارته وغزوه لأوروبا من جديد عبر كتابنا، الذين يحوزون أرفع الجوائز العربية في الآداب، وكذلك من خلال إسهاماتهم في الارتقاء بالفكر العالمي.

أشرف جمعة (أبوظبي) - ارتبط العرب بلغتهم العربية ارتباطاً وثيقاً، ولن ينقطع هذا الرباط في ظل وجود القرآن الكريم، الذي يبعث بين الحين الآخر دفقات جديدة في في كينونة اللغة العربية، ويبث فيها القوة فيمدها بالنشاط ولا يزال الإنسان العربي والمسلم على وجه الخصوص يمتح من معين لغته العربية شعراً ونثراً ومطالعة، وهو ما يجعل اللغة مشدودة على ألسنة أبنائها، وإن كانت تتعرض في بعض الأحيان للهجر والجفاء من أبناء جلدتها، لكن هؤلاء الأبناء سرعان ما يعودون لحضنها الدافئ فيطلقون المبادرات الكبرى، مثل التي تتبناها الإمارات في الوقت الراهن أملاً في أن تستعيد اللغة العربية مجدها التليد وتعود لصدارة لغات العالم بخاصة أن أمة «اقرأ» لا تعرف إلا القراءة تنفيذاً لمبادئ الدين التي يحتمها عليهم.
نسب وإحصاءات
حول الرد على هذه التهمة، يقول عضو لجنة تحكيم برنامج أمير الشعراء الناقد الكبير الدكتور صلاح فضل: «لكي يكون الرد مقنعاً فلابد من أن تكون لدينا إحصاءات دقيقة عن الكتب ونسب التوزيع والقراءة في المكتبات الخاصة والعامة، لكننا في غيبة هذه الإحصاءات نملك بعض المؤشرات الدالة منها مثلا أن العرب على وجه التحديد ليس منهم من لا يقرأ القرآن الكريم، وهذا نوع من القراءة اللغوية والدينية، ومن لا يستطيع القراءة يحفظ هذه النصوص ويسمعها فيحل السماع محل القراءة، وهي نصوص رفيعة المستوى تتميز ببلاغتها وعمقها معاً، وهذا وحده يضمن لكل إنسان عربي رجلاً كان أو امرأة نسبة من الثقافة لا يخلو منها أي فرد، وعليه أن يتمسك بهذه النسبة في صلواته الخمس عندما يجب عليه أن يتلو بعض الآيات القرآنية».
ويتابع فضل: «الأمر الثاني يتمثل في أن لدينا مخزوناً كبيراً من التراث الشعبي يتمثل في الحكايات والأقاصيص والأغاني والأزجال والأمثال العامية، وهذا المخزون يحتوى بدوره على جرعة ثقافية عالية تمد الإنسان العربي بطاقة كبيرة على التخيل، وبثروة عظيمة من الصيغ والتعبيرات اللغوية وبحكمة بالغة في فهم الأمور، وقياس الحاضر علي الماضي وهذا رصيد ثقافي أيضاً، لكن لابد من أن نعترف في نهاية الأمر أن هذه الثروات المتداولة شفوياً لا تغني أبداً عن ضرورة أن نكتسب عادة جديدة لانتقالنا من العصر الشفوي إلى العصر الكتابي، ومن ثم إعادة قراءة المكتوب وليس الاعتماد على الأذن، وأن التطور التكنولوجي الذي تأتي به وسائل الاتصال يمكن أن يكون مدخلاً مناسباً خاصة للشباب من أجل التعود على القراءة، كما كانت وسائل الإعلام من إذاعة وصحافة وتليفزيون مدخلاً أفاد الجيل الماضي كثيراً في التعود على عليها، وأحسب أننا لو نظرنا بطريقة علمية صحيحة نحو حركة القراءة في المجتمعات العربية سيدهشنا أنها ترتفع بمعدلات عالية في العقود الأخيرة، حيث أصبح لنا إلى جانب التراث الأدبي القديم تراثاً أدبياً حديثاً يحض على القراءة ويغري به».
ظاهرة غير واقعية
يورد فضل أنه «من الضروري أن نلاحظ شيئاً مهماً هو أن عبارة «العرب لا يقرؤون » عندما يصدرها لنا الغرب فإنه لا يرصد ظاهرة واقعية بمقدار ما يريد بنا أن نقتنع بهذه الصورة ونركن إليها ولا نسعى إلى تغييرها، فإيحاء هذه العبارة يُفقد الإنسان العربي ثقته بنفسه ويجعله أقرب إلى أن يخضع لغيره وأن يستكين بما يُنشر عنه من مقولات تُضعف من روحه المعنوية، ولابد من الإشارة إلى نتائج اللحظات السابقة، وهو أن العرب لديهم مصادر معرفية شفوية تعادل المصادر المكتوبة من ناحية أن العصر الحديث الذي حمل لهم انتشار نسبة التعليم وارتفاع مستوى الوعي وكثافة التواصل مع العالم الخارجي قد وضعهم في موقع جديد إذ أصبحت القراءة فيه من لوازمهم المرصودة، وكلما بذلنا جهداً في تيسير سبل القراءة، وتدريب الشباب عليها فإننا بذلك نرقى إلى المستوى المأمول مع احتفاظنا بالثقة في ثقافتنا والطموح لاحتضان الثقافات الأخرى».
ومن بين الشعراء الذين يرون أن معين اللغة العربية، يقول مدير بيت الشعر في الشارقة محمد البريكي إنها «محاولات فاشلة من البعض لزعزعة ثقة أهل العربية بميراثهم الكبير من الفكر والثقافة الإنسانية، وإذا كان العرب قديماً قادوا العالم إلى المعرفة، وشيدوا صروح الفكر الإنساني فهم اليوم عصب ثقافة العام على الرغم من كل المحن والإحن التي تمر بها بلاد العرب. ويضيف: «القراءة عامل جوهري في تركيب الإنسان العربي فهو منذ الصباح الباكر، وهو يطالع الصحف اليومية ويأتي إلى أبنائه بمن يحفظهم كتاب الله، فضلاً على أن العربي بالفطرة يميل إلى الاطلاع على الآداب هو ما يجعل رؤيته للواقع أكثر صلابة من غيره». ويلفت البريكي إلى أن «حجة العولمة وصعود العوالم الرقيمية في العصر الحاضر لم تهمشنا أو بمعنى أدق لم تسرق منا مادة حياتنا الأولى، وهي القراءة إذ لا يزال الكتاب الورقي في قمة صدارته، فالتكنولوجيا ووسائلها لم تسرق منا أشهى ثمرات المعرفة».
ولا يخفي البريكي أن الرد على هذا الاتهام لا يكون إلا ببذل الجهد نحن توسيع بيئة المعرفة في مجتمعاتنا، ومن ثم منح اللغة العربية مساحة أوسع في محيط حياتنا، وفي ظل وجود المكتبات العامة والخاصة من الممكن أن تقام المسابقات بين الشباب التي تحفزهم إلى الاطلاع والاستزادة في التعرف على الثقافات الإنسانية المتعددة. لافتا إلى أن العالم العربي به نسبة كبيرة من الشعراء وبناء على ذلك فإنه من الطبيعي أن ترتفع مستويات القراءة بين أمة تنبت الشعراء، وتحتفي بالشعر وتقويم اللسان، وتحث على الخطابة والبلاغة بصفة مستمرة.
فقاعة هواء
يرفض الشاعر والإعلامي عبدالله الهدية مقولة «العرب لا يقرؤون». ويرى أن من أطلقوها كان على درجة عالية من المبالغة، ويطرح الهدية سؤالاً يقول فيه كيف لأمة «اقرأ لا تقرأ»، ويشير إلى أنه «ليس من المنطقي أن نقف أمام هذا الادعاء لننافح عن أنفسنا، وأول آية نزلت في القرآن كانت تحث الناس على القراءة». ويؤكد أن كل شيء في بلاد العرب يدعو بصفة عامة للمطالعة، وتقليب الفكر ومحاولة التعرف على الآخر وما يدل على أننا أمة متسعة الأفق هو هذا الامتزاج الكبير الذي حدث بين الثقافة العربية والإسلامية في العصور السابقة، وفي هذا العصر تحديداً، وفي ظل غياب الإحصاء الدقيق وعدم قدرة الآخر على إثبات هذه التهمة بالدليل القاطع والبرهان الساطع يبين أن مقولة العرب لا يقرؤن مجرد فقاعة هواء.
ويذكر الهدية أن العربي بوجه خاص يطلع منذ مراحل مبكرة في حياته على ميراث أجداده من الشعر والفنون بوحه عام، وهو ما يخلق لديه حاسة قوية تجاه الأجناس الأدبية والفنية فنرى الطفل الصغير في مدرسته يتمثل قصائد فحول الشعراء عبر إلقائها في الإذاعة المدرسية من خلال الدراسة الشيقة التي تتنقل به مع سنوات عمره فتطلعه بصورة دقيقة على العصور السالفة، وتخلق لديه نظره ثاقبة للحاضر عبر المقارنة بين الآداب القديمة والحديثة. ويورد أن الفترة الحالية من عمر الأمة العربية أتاحت للعقل العربية فرصة لتقليب الفكر والاطلاع على قسط وافر من الكتابات التحليلية، سواء عبر المقالات المنشورة في الصحف أو عبر الكتب، التي صدرت لمجموعة من الكتاب في الشرق والغرب، تفند الوضع الحالي وتضع في هذه الكتب خلاصة النظريات التي تحمل وجهة نظر كل كاتب.

مقولة عبثية

يرى الكاتب والشاعر طلال سالم أن العرب أمة تضع القراءة في أولوياتها، وتعمق نسقها في أذهان أبنائها في سن مبكرة، وهو ما يجعل الطفل العربي يرتبط منذ الصغر بقصص الأطفال التي تعد من أزهى مراحل تشكيل الفكر، وتوسيع المدركات وتسهم في نقله إلى آفاق رحبة من الخيال. ويؤكد أنه من الضروري أن «تظل عُرى القراءة موصولة بين الأجيال حتى لا نركن لمثل هذه المقولات العبثية التي لا تستند على وقائع حقيقية، والتي تدل على أن من يطلقها في حالة كاملة من غياب الضمير، ومن ثم تتجلى الأهداف غير الإنسانية. ويشعر سالم بالأسف نظراً لأن مقولة العرب لا يقرؤون أصبحت متداولة في بعض الوسائل الإعلامية العربية، وهو ما يشكل خطراً على الأجيال الجديدة، التي ليس من مصلحتها أن تؤمن بما يردد الغرب لأهداف معينة منها زعزعة ثقة أهل أجمل لغات الأرض في لغتهم، لذا فمن الأهمية بمكان أن تطلق حملات تبث الثقة في أبناء العربية وفي ثقافتهم العريقة.
وينظر سالم إلى هذه القضية على العربي على أنها تخلق نوعاً من التحدي المفروض يتمثل في زيادة الوعي لدى الجميع بالقراءة، وعدم تكريس ما يقوله الغرب عنا في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى، ومن ثم إطلاق مجموعة من البرامج التلفزيونية التي تحرك المياه الراكدة لدى الشباب وتحفزهم على المطالعة إذ إنه ليس من المعقول أن نترك المجال لكل من يحاول التشكيك في قدرات العقل العربي، وتفوقه عبر الأيام والسنين، ونحن لدينا طاقات إبداعية في كل المجالات.


دور الإعلام

يعتقد الشاعر جرير الكعبي أن الإعلام العربي له دور بالغ في تكريس هذه الخرافة التي لا أساس لها في المجتمعات العربي، ويكفي أن كتاب الله بجمال لغته وتفوقها شكل لدى الأجيال العربية على امتداد تاريخها، ومنذ أن أنزله الله على نبيه ذائقة فنية عالية، فضلاً على أن التعليم في البلاد العربي كله قائم على الاطلاع وتنمية المهارات الفكرية، مشيراً إلى أن الإمارات حملة على عاتقها مهمة كبيرة تتعلق بارتباط أبناء العرب جميعاً بلغتهم وثقافتهم فانطلقت من على أرضها المبادرات الكبرى.

مبادرات إماراتية

من المبادرات الإماراتية الرائدة في مجال حماية اللغة العربية ظهرت مبادرات كبرى لتحفيز الكتابة في مسابقات ذات مستوى رفيع تحتضن الإمارات عدداً كبيراً منها مثل مسابقات الشعر في برنامجي «شاعر المليون»، و«أمير الشعراء»، وطرح جوائز أدبية عديدة، من بينها جائزة الرواية العربية، إلى جانب مشاريع عديدة تطلقها إمارة الشارقة، وكلها كان لها دور كبير في تيسير مهمة اقتناء الكتب وتيسير قراءتها. إلى جانب استضافة الدولة أكثر من معرض للكتاب، أبرزها معرض أبوظبي للكتاب، الذي يستقبل أبرز الإصدارات العربية والعالمية.

اقرأ أيضا