الاتحاد

رمضان

غابات السودان

روى الدكتور جون سميث -المسؤول عن حماية الغابات ايام الحكم الثنائي- تاريخ غابة 'ترونكية' التاريخية في فرنسا، قال في المحاضرة التي ألقاها بدار الثقافة بالخرطوم عام 1940م: ان الغابة الفرنسية التي تلقى تدريباً بها كشاب عمرها ألفا سنة وان الاشجار لا تقطع إلا عندما تبلغ من العمر ثلاثمائة سنة وهم يزرعون كل عام اشجاراً جديدة تحل محل تلك التي تقطع، لم يختل النظام إلا في سنوات قليلة اثناء الثورة الفرنسية والحروب النابليونية، وفي ذلك اسوة حسنة لنا·
لقد اتفق الباحثون على ان الزحف الصحراوي أحد أسباب النزاع الدموي في دارفور إذ ازداد عدد السكان وتناقصت الموارد المتاحة لهم، ونحن لا نعرف حتى الآن مدى الضرر الذي لحق بالغابات في الجنوب اثناء الحرب الاهلية·
لذا فإن مؤتمر الغابات الحادي عشر 22-27 فبراير في الخرطوم انعقد في وقت مناسب وقال في توصياته بكلمات ناعمة ما يستحسن ان يقال علناً وبصوت عال·
ماذا سيحدث للغابات في المرحلة القادمة؟ ستمنح الولايات استقلالاً كبيراً ارتكازاً على مبادئ اللا مركزية بعد ان ذقنا مرارة الحكم المركزي وعجزه عن تنمية الولايات، ولكن هل ستنظر الولايات للغابات كمصدر سهل للموارد المالية فتتساهل في حمايتها أو تنميتها؟ لنا في مآسي الزراعة الآلية في الماضي نذير خطير فهل نكرر الاخطاء؟·
ان توصية المؤتمر بضمان الادارة المركزية للغابات بالتنسيق مع الولايات توصية حكيمة نتمنى ان تجد الدعم وهي تتفق مع ما جاء ببروتوكولات السلام·
اشار المؤتمرون ايضاً الى عدم وجود تناقض بين استخراج النفط وحماية الغابات، ونعلم ان توفير الغاز في البلاد ربما انقذ آلاف الاشجار من الازالة بعد ان قلت الحاجة للفحم، وليس عسيراً الاستفادة من مياه التنقيب -بعد معالجتها- في التشجير·
ومن اهم التوصيات انشاء صندوق مالى خاص بالغابات يدعم اتحادياً وولائياً لكي يوفر التدريب اللازم لحماة وحراس الغابات، لقد قتل كثيرون في نزاع دارفور لكن الاحصائية التي لم تلفت النظر كثيراً هي مقتل اربعة عشر من حراس الغابات، ترى ماذا فعل الذين قتلوهم بالغابات التي صارت بلا حماية؟·
ان الحماية الحقيقية والمضمونة للغابات -بعد توفير اللوائح والقوانين المناسبة- لا يمكن ان تنجح إلا بالوعي الشعبي والالتزام الجماهيري بحماية الغابات في المناطق النائية· اذا ادرك الناس البسطاء حيثما وجدوا في اطراف السودان المترامية ان مصلحتهم المباشرة ومصلحة ذريتهم تتصل بحماية الغابات فإنهم سوف يدافعون عن الاشجار بحماسة اكثر من دفاع الحراس، وليس هناك أي تعارض بين استثمار موارد الغابات -كما يفعل الفرنسيون وغيرهم- اذا التزمنا بزراعة اشجار بديلة سنوياً·
نذكر جميعاً مأساة 'وادي البنات' التي انتهت نهاية سعيدة ومقنعة لكل الاطراف، لكننا بحاجة الى فريق تفتيش جوال يمر على الولايات واحدة تلو الاخرى ليضع اصبعه على أي خلل قبل ان يتفاقم، فهل ينجح الدكتور عبد العظيم ميرغني المدير العام للهيئة القومية للغابات في حماية ما تبقى من الغابات التي ورثها عن الدكتور جون سميث؟ انه يحتاج منا لاكثر من الامنيات بالتوفيق·

اقرأ أيضا