الخميس 11 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم

مَناخة.. مدينة الضباب والقرى المعلقة

مَناخة.. مدينة الضباب والقرى المعلقة
12 مايو 2009 22:56
ثمة قرى في اليمن كأنها النجوم معلقة في السماء، يبدو بعضها منحوتا داخل الجبال، والبعض الآخر زاد من فنها المعماري اختيار مواقعها في أعالي مناطق البراكين! ومنها مساجد بنيت في مواقع حصينة، تُدهش عيون الزائرين. توجد معظم هذه القرى في منطقة «مَناخة» بقضاء «حَراز» غرب صنعاء، تبعد عنها نحو 90 كيلومترا. وتعتبر جزءا من السلسلة الغربية المسماة جبال «السرات» المحاذية للبحر الأحمر، أما تضاريسها فمتشابهة من حيث التكوين وطبيعة المناخ مع كامل سلسلة جبال «حراز». مدينة الضباب تكسو معظم تضاريس «مناخة» مرتفعات وقمم جبلية عالية تكسوها المدرجات الزراعية البديعة والغنية بكل أشكال المحاصيل الزراعية التي تغطي واجهات الجبال بدءا من القمم العالية حتى بطون الأودية، كما يسودها طقس بارد شتاء ومعتدل صيفا، وتهطل عليها الأمطار في فصلي الصيف والخريف. ويقول الباحث علي الصعفاني «تكتسب منطقة «مناخة» أهميتها السياحية من كونها تقع في واحد من أعلى جبال اليمن، فمشاهد الضباب الكثيف تشعر المرء بأنها تلامس السماء في منطقة يسمونها مدينة الضباب، إذ يدهشك وأنت في قممها رؤية أضواء القرى المتناثرة من تحتها والتي تبدو قرى معلقة كالنجوم وسط أمواج الظلمة، فيما يعرف عن سكانها البساطة والكرم والتسامح والتعايش والسلم الاجتماعي الذي قد تفتقده مدن وقرى كثيرة»! حصون وجبال تتوزع منازل «مناخة على جانبي الفجوة بين جبلين وكأنها تشبه هيئة سرج الفرس، ويقول المهندس عبدالله الأسدي «تتميز منطقة مناخة بين كافة المدن اليمنية، فعلى الرغم من اتساعها وظهور أنماط معمارية حديثة في السنوات الأخيرة إلا أنه لا تزال تحتفظ بقديم وجهها وتحافظ على بنائها الحجري العريق ونمط البيوت المتلاصقة التي تبدو وكأنها تؤازر بعضها لمقاومة تقلبات الأحوال الجوية وعوامل الزمن». فيما يقول عنها مجيب الحرازي- خبير الآثار والحصون: «تشتهر بالكثير من الحصون التي مازال بعضها يحتفظ بسوره ومنازله القديمة ومنها حصون (مسار والهجرة وهوزن وبني عيفري وبيت المدعي) وهذا الأخير حصن أثري مربوط بحزام دائري على باب واحد كان يسمى قديما بحصن «هوجران» وفيه كتابات حميرية تؤكد أن هوزان بن حضور الحميري؛ قد سكنه وكان الحصن مرسوماً على عملة الخمسة ريالات وهناك حصن «بني إسماعيل» وحصن «حصبان» الذي سكنه العلامة المهدي أحمد بن يحيى المرتضى الذي خرجت من تحت يده الكثير من الكتب في الفقه واللغة والنحو. ومن الحصون أيضاً هناك حصون (كاهل وشبام والخضر) ويقال إن نبيا اسمه الخضر- ويقال إنه الذي ذكر بالقرآن الكريم- مر من هذا الحصن. كما يلفت الانتباه بقايا حجارة وعمارة وبرك ماء تدل على أن قرية أو منازل كانت قائمة هنا، ويؤكد الأهالي أنها تعود لزمن التواجد العثماني في المدينة وأنهم عسكروا في هذا الحصن نظرا لأهميته وموقعه الاستراتيجي»! ويضيف الحرازي «ان الحصون الشرقية لمدينة «مناخة» تملز الجبال، بل لا يوجد جبل إلا عليه حصن فهناك حصون (أكمة القاضي والمعقاب وجرمة وصعود وبني مره والصلول وكاهل) وكلها تعود تسميتها لاسم الجبل أو اسم القرية القابعة داخل الحصن.. فيما يبقى أهم حصن فيها هو حصن «الحطيب» وفيه قبر الداعي حاتم بن إبراهيم الحامدي أحد الدعاة الإسماعيليين، ويزوره الآلاف في أوقات معينة من السنة من كافة أنحاء العالم. أهمية استراتيجية يعتبر اسم «مناخة» في بعض كتب التاريخ أنه المكان الذي كانت تُناخ فيه الجمال على أرضها. وقد كانت عبارة عن محطة انتظار ومن ثم موعد انطلاق القوافل، خاصة إبان ازدهار زراعة وتجارة وتصدير البن منها إلى كل مناطق اليمن. وقد أدرك أهل اليمن قديما مدى الأهمية الاستراتيجية لها منذ وقت مبكر، وخلال العصر الحميري بالتحديد، حيث كانت مركز منطقة جبال «حراز» عسكرياً، ومحطة مهمة على طريق القوافل التجارية القديمة بين سواحل البحر الأحمر والجبال الشامخة، إثر تحول طريق التجارة القديمة من الصحراء في شرق اليمن إلى مناطق الجبال خلال القرنين 11 – 12 الميلاديين.. بينما كانت الجبال مركزا منيعا لنشر الدعوة الفاطمية حينها، ثم سندا قويا لمد نفوذ الدولة الصليحية التي كانت قابعة في حصن «مسار». فيما كان لجبال ومنطقة «حراز» أهمية استراتيجية فقد استفاد العثمانيون من جبالها، لحراسة الطريق بين المناطق الجبلية وسواحل البحر الأحمر، وكان هذا إبان التواجد العثماني باليمن. تاج «مناخة» تذكر المصادر التاريخية «ان قرية «الهجرة» من أقدم قرى المنطقة وتعد تاج رأس مناخة.. وتقع على قمة جبلٍ شامخ إلى الغرب منها وتبعد عنها بمسافة 5 كيلومترات عبر طريق مسفلت حديث. وهي مسقط رأس السيدة أروى بنت أحمد الصليحي أشهر ملوك اليمن في التاريخ الإسلامي، ولايزال الكثير من آثار الدولة الصليحية قائماً هناك ويؤمها السياح من كل مكان. وتتميز بطابع تقليدي يمتزج فيه القديم بالحديث، كما يعود بناء بعض منازلها القديمة إلى أيام الدولة الصليحية في القرنين 11-12 الميلاديين. وترتفع هذه المنازل إلى 5 طوابق، مما يجعلها ضمن أقدم ناطحات السحاب التاريخية، وهي مبنية بالأحجار وذات طابع معماري مميز، وبنيت على حواف ربوة حجرية عالية صعبة المنال، كما أن لها مدخلاً واحداً فقط». وهي بذا تبدو كقلعة حربية مهيبة، ولا تزال عامرة بأهلها الطيبين الذاكرين الله تعالى المعروفين بالكرم والوفاء والخير.
المصدر: صنعاء
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©