صحيفة الاتحاد

تقارير

أصداء نيكسونية

كان الرئيس ريتشارد نيكسون خبيراً في التعامل مع الأزمات العميقة. وكان قد أمر بفصل ممثل الادعاء الخاص «أرشيبالد كوكس» بسبب رفضه التراجع عن البحث في شرائط البيت الأبيض الخاصة بفضيحة «ووتر جيت». وفي الليلة نفسها، قبل نيكسون استقالة وزير العدل «إليوت ريتشاردسون»، وفصل مساعد وزير العدل «ويليام دي روكيلشوس»، وكلاهما رفض تعليماته بشأن تسريح كوكس! وأمر نيكسون بتعيين المحامي العام «روبرت إتش بورك»، في منصب القائم بأعمال وزير العدل، لتنفيذ الأمر، وقد فعل.
ولم يكن هذا كل شيء. فقد ألغى منصب ممثل الادعاء الخاص، وجعل مكتب التحقيقات الفيدرالي يعزل مكاتب وزارة العدل الخاصة بريتشاردسون وروكيلشوس وكوكس في شارع «كي»، شمال غرب واشنطن.
وقد أطلق على هذه الأحداث «مذبحة ليلة السبت»، حيث تسببت هذه الأحداث غير المسبوقة في إثارة ضجة كبيرة. وتم إرسال أكثر من 50 ألف برقية إلى كابيتول هيل (الكونجرس) في يوم واحد. وتم تقديم أكثر من 20 قرار اتهام. وكنت في ذلك الحين هناك مع عضو مجلس الشيوخ «تشاركليز ماكماتيس» الابن.
وفي خضم هذه العاصفة السياسية، ومع بداية حرب «يوم كيبور»، دعا نيكسون إلى عقد مؤتمر صحفي بعد ذلك بستة أيام، في 26 أكتوبر 1973، للإعلان عن التطورات الخطيرة. وقال: «لقد حصلنا على معلومات قادتنا للاعتقاد بأن الاتحاد السوفييتي كان يخطط لإرسال قوة كبيرة جداً إلى الشرق الأوسط». ومع وصفه الوضع بأنه «أزمة كبيرة للغاية وقابلة للانفجار»، قال نيكسون بعد وقت قصير من منتصف الليل إنه أمر «بتأهب كافة القوات الأميركية حول العالم». كانت هذه حالة تأهب وقائية، كما أكد، ليبين للاتحاد السوفييتي أنه لن يقبل أي تحرك من جانبهم «لنقل قوات عسكرية إلى الشرق الأوسط».
واختتم نيكسون إعلانه برسالة مفادها أن الزعيم السوفييتي «بريجنيف»، وبعد مناقشات عديدة، وافق على العمل بشكل مشترك على مشكلة إنهاء الأعمال العدائية في الشرق الأوسط. وفتح نيكسون المؤتمر الصحفي لبعض الأسئلة، لكن الشرق الأوسط لم يحظ بأكبر اهتمام.
كانت فضحية «ووترجيت» ما زالت تحتل الصدارة. وأعاد واحد من الأسئلة الثلاثة التي طرحت بخصوص الشرق الأوسط الانتباه إلى قضية اليوم: «هل تقنعك مشاكلك التي تتعلق بووترجيت بأن الولايات المتحدة بحاجة لرد قوي في الشرق الأوسط لإقناع الدول الأخرى بأنك لم تضعف بعد؟».
ورد نيكسون: «لقد لاحظت تكهنات تفيد بأن مشاكل ووترجيت ربما جعلت الاتحاد السوفييتي يخطئ حساباته». وقال إنه لم يكن يتفق مع هذا التقييم، معتبراً أن بريجنيف يعرف أنه «بغض النظر عن الضغوط الموجودة في الوطن، وبصرف النظر عما يرى ويسمع الناس على شاشات التلفزيون ليلة تلو الأخرى، فإنه (نيكسون) سيفعل ما هو صواب».
فما الذي أقصده من هذا؟ إن سلسلة الأحداث التي بدأت مع اكتشاف تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية لعام 2016 قد أدت إلى تحقيقات يجريها مكتب التحقيقات الفيدرالي ولجنتان من الكونجرس من الحزبين. وأثيرت أسئلة حول إمكانية تعاون ترامب مع الروس. تلك الأسئلة، كما هو الحال مع استفسارات ووترجيت التي لازمت نيكسون، لن تذهب بعيداً. ولن تذهب أيضاً الضغوط التي يمارسها الكونجرس ووسائل الإعلام من أجل الحصول على إجابات، وليس مجرد نقاط للحوار تمت صياغتها بعناية.
وكما كان الحال مع نيكسون ووترجيت، فإن طبيعة ومدى تورط الرئيس ترامب مع روسيا تخيم كشبح على الرئاسة.
فهل يكون ترامب، بما يتصف به من افتتان بنفسه، كما هو الحال مع نيكسون، سيتصرف على الطريقة النيكسونية؟ لقد أثار تأهب نيكسون في الشرق الأوسط شكوكاً، إذ جاء أقل من أسبوع بعد مذبحة ليلة السبت.
وأثار «مارفين كالب»، المراسل الدبلوماسي لقناة «سي بي إس نيوز»، هذه القضية خلال مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية «هنري كيسنجر». وقال «كالب»: «لقد كان هناك بعض التكهنات هذا الصباح، مفادها أن التأهب الأميركي ربما يكون مدفوعاً إلى حد كبير بالمتطلبات المحلية الأميركية، وكذلك بالمتطلبات الحقيقية للدبلوماسية في الشرق الأوسط».
ورغم أنه قيل إن زعماء الحزب الديمقراطي، مثل زعيم الأغلبية في مجلس النواب «تيب أونيل»، تحركوا سريعاً لتبديد الشكوك، فإن مسألة مصداقية نيكسون ومدى الشكوك بشأن ووترجيت، بحسب ما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، أشارت إلى «عمق مشاكله المحلية، حيث استمر أعضاء الكونجرس في تلقي طلبات من الناخبين بشأن اتهامه».
وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى ترامب. فتهمته التي ليس لها أساس من الصحة هي أن الرئيس أوباما تصنت على برج ترامب أثناء الحملة الرئاسية، كانت أمراً مثيراً للأعصاب. وماذا لو أن ترامب، تحت ضغوط كثيفة من جميع الأطراف بشأن روسيا، قرر أن يحول تركيزه إلى دوره كقائد عام للقوات المسلحة، ويأمر بتحول موقفنا العسكري في استجابة للأزمة الأجنبية المصطنعة؟

*محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»