الاتحاد

الإمارات

هل يمكن للعلم تفسير الحياة؟

غلاف الكتاب (من المصدر)

غلاف الكتاب (من المصدر)

عرض: وائل بدران

التقدم الكبير خلال القرن العشرين في علوم الحياة صنع نظرة ترى أن «الحمض النووي» DNA «مخطوطة رموز سرية»، وفقاً لما جاء بصفحات كتاب «هل يمكن للعلم تفسير الحياة؟» للمؤلفة شيلا جازانوف.
وفي «علم الأحياء الجديد» تسللت الهندسة إلى علوم الحياة، وحولت علم الأحياء إلى مؤسسة نصّبت نفسها لحل المشكلات بهدف إعادة تشكيل الحياة وليس فهمها.

تُمثل الثورة العلمية التي انطلقت خلال القرن السادس عشر واحدة من أكثر التحولات العلمية في تاريخ البشرية خلال القرون الخمسة الماضية، على الأصعدة الفكرية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والاجتماعية والثقافية، وما تزال تتجدد حتى الآن.
وقد ساعد العلم العالم المعاصر، وأعاد تشكيل كل جوانب حياتنا تقريباً بتعزيز فهمنا للقوانين، التي تحكم الطبيعة وبتطبيق تلك المعرفة الجديدة على تطورات تكنولوجية واسعة النطاق؛ من الصواريخ والروبوتات والسيارات والكمبيوترات والهواتف الذكية إلى الصرف الصحي والتبريد والبنسلين ومضادات الاكتئاب وأجهزة ضبط نبضات القلب، وغيرها.

تقدم البشرية
ورغم أن انتصار العلم الحديث والتكنولوجيا هو قصة تحكي تقدم البشرية بصورة غير مسبوقة، إلا أن ثمار ذلك الانتصار لم تعد بالنفع على جميع الناس، كما أنها لم تكن ثماراً خالصة بلا شوك! ففي بعض الحالات، مثل عمليات تحسين النسل، والمبيدات الحشرية الصناعية، والعمليات الجراحية، تسبب العلم في أضرار بالغة. وفي حالات أخرى، مثل الأغذية المعدّلة جينياً والطاقة النووية، ما تزال مسألة المخاطر في مواجهة المنافع موضع شك.
ويسعى العلم إلى كشف حقائق فيزيائية كامنة، واستناداً إلى تلك الحقائق، يهدف إلى بناء قدرات جديدة، ليست بالضرورة صحيحة من الناحية الأخلاقية أو تصب في مصلحة المجتمع. ويرجع لنا الأمر، ككائنات بشرية في النظام الاجتماعي، أن نتخذ تلك القرارات من أجل ما فيه مصلحتنا، كما نعرفها.
وثمة استقطاب شديد في المناقشات العامة الراهنة بشأن العلم، مثل كثير من المجالات الأخرى في هذه الأوقات العصيبة. لذا، فإن أي شخص يقرأ كتاب جازانوف، الذي ينطوي على نقد عميق وقوي للعلم و«العجرفة العلمية»، المعنون: «هل يمكن للعلم تفسير الحياة؟»، سيرى واقعاً أشدّ تعقيداً بكثير.

الشفرة الجينية
تبدي المؤلفة اهتماماً خاصاً بكيفية تفاعل علوم الحياة والأحياء والتكنولوجيا الحيوية، مع القانون والأخلاقيات والسياسات العامة في المجتمعات الديمقراطية المعاصرة.
وتعلم المؤلفة أهمية العلم، لكن يساورها القلق من الشعور المفرط بأهمية الذات وادعاءات العلم بالسيادة الفريدة من نوعها في تحديد معنى الحياة الثري ومتعدد الأبعاد.
ولقد اكتشف علماء الأحياء الهيكل الحلزوني المزدوج، ومن ثم الشفرة الجينية للحامض النووي «DNA» المؤلف من ثلاثة مليارات حرف وراثي، وتمكنوا من إجراء تعديلات على الشفرة الجينية العالمية، بتوسيعها ونقلها من نوع إلى آخر وزراعتها في أنبوب اختبار، ثم طوروا مقصات للجزيئات من أجل قص وتعديل ذلك الجينوم، وإجراء تعديلات دائمة على أية فصائل حيّة، ونجحوا في تجميع وإجراء هندسة بيولوجية من مصادر صناعية غير حية.
وهذه التطورات الملحوظة التي ترتكز على فكّ الشفرة الأساسية الوحيدة، التي تكمن في الأحياء المادية كافة منحت علم الأحياء «وضعه السامي»، وجعلت من المقبول بدرجة كبيرة لعلماء الأحياء ادعاء ملكية «معنى الحياة». وجازانوف تعتبر أن ذلك الزعم باحتكار «توجيه التقدم الإنساني» من قبل مجموعة صغيرة من المتخصصين، ومعظمهم من الذكور البيض والغربيين، يشكل مشكلة للمجتمع. ومن وجهة نظرها أنه تم السماح لعلماء الأحياء بتعريف ليس فقط «الهدف من الحياة»، والتي تنتمي في الحقيقة لمناقشات أخرى راسخة وأنماط من التأملات، ولكن أيضاً لإعادة تعريف وتصميم «الحياة ذاتها». لذا، يعتبر كتاب «هل يمكن للعلم تفسير الحياة؟» بمثابة التماس، وفي بعض الأحيان يعد حرباً كلامية مدروسة، لاستعادة بعض من تلك السيطرة والسلطة الأخلاقية من العلم إلى المجتمع بشكل عام.

أخلاقيات العلوم الحيوية
وتصطحب المؤلفة القراء عبر علامات بارزة في علم الأحياء؛ حيث التحول من علماء الطبيعية الموجودين في الميدان في القرن التاسع عشر إلى علماء الأحياء الجزيئية في القرن العشرين القابعين في المعامل، وإلى علم الجينات، الذي يعتمد بصورة كبيرة على البيانات، وأسطورة العلم النقي، وعبقرية العالم المتفرد المدفوعة بالسعي وراء الحقيقة في مقابل دور رأس المال والشركات الكبرى والثراء الشخصي، والتحول الإضافي من الأبحاث الأساسية إلى التكنولوجيا التطبيقية التي أصبحت مربحة، بداية بالثورة في علم الوارثة الطبيعية والتكنولوجيا الحيوية، والتخلي عن الأنظمة السياسية والقانونية وأخلاقيات العلوم الحيوية في مواجهة ادعاء العلم بتمثيل تقدم فريد من نوعه، ثم صعود «علم الأحياء الجديد»، الذي تسللت فيه الهندسة إلى علوم الحياة وحولت علم الأحياء إلى مؤسسة نصّبت نفسها لحل المشكلات بهدف إعادة تشكيل الحياة وليس فهمها.
وتقدم جازانوف، في كتابها الذي يحمل طابعاً متخصصاً، مثالاً توضيحياً حول تقرير ما يشكل الحياة بمناقشة ما يطلق عليه «الإخصاب خارج الرحم» أو ما يعرف بـ«أطفال الأنابيب»، فقد ساعدت هذه التقنية ملايين الأزواج على الإنجاب منذ ولادة لويز براون في عام 1978، لكنها أيضاً أوجدت شيئاً جديداً لم يكن موجوداً من قبل. فهل كان هذا المخلوق في أنبوب الاختبار «إنساناً في مرحلة أولية» أم أنه كان كتلة من الخلايا بغرض إجراء الأبحاث، تهدف إلى اشتقاق خلايا جنينية من أجل إنقاذ حياة البشر؟
وتقارن المؤلفة بين كيفية تعامل كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا مع الإجابات المتنوعة على هذا السؤال وما تنطوي عليه من مشكلات أخلاقية. وتشير إلى أن بريطانيا وحدها وضعت حلّاً شاملاً، يعرف بـ«قاعدة اليوم الرابع عشر»، حيث تحصل بعدها مجموعة الخلايا على «وضع بشري»، ومن ثم يُحظر إجراء أية أبحاث إضافية.

تقنية «كريسبر»
ويظهر الجدل الدائر في الوقت الراهن بشأن استخدام تقنية «كريسبر» لتعديل جينات أجنة بشرية مدى إلحاح مثل هذه الأسئلة.
ففي حين أدان معظم العلماء علانية هذه «التجربة المارقة»، وإن كان مكتشفو تقنية «كريسبر» مختلفون حول ما إذا كانت هناك حاجة لموافقة رسمية، إلا أن جازانوف تدعو إلى «رقابة عالمية» على تعديل الجين البشري، وتقنيات التعديل الوراثي الأخرى. فالمجتمع، وليس فقط العلماء، بحاجة إلى التفكير برويّة في تلك القضايا المحورية.
وذلك الكتاب المهم في هذا التوقيت رسالة تذكير قوية بأننا لا نزال في خضم ثورة علمية تتطلب التعاون في عملية اتخاذ القرار في ما يتعلق بالحدود بين الحياة الطبيعية والصناعية، وتعريف ماهية الحياة، إلى جانب الهدف منها.

رقابة عالمية
بات العالم بحاجة إلى «رقابة عالمية» على تعديل الجين البشري، وتقنيات التعديل الوراثي الأخرى. فالمجتمع، وليس فقط العلماء، بحاجة إلى التفكير برويّة في تلك القضايا المحورية.

الكتاب: هل يمكن للعلم تفسير الحياة؟
المؤلفة: شيلا جازانوف
دار النشر: بوليتي
تاريخ النشر: 2019
ينُشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا

حاكم رأس الخيمة يفتتح جامع الشيخ سلطان بن صقر القاسمي