الاتحاد

الملحق الثقافي

مسرحية بلجيكية تحاكم القرد في بيروت

في إطار ''نقاط التقاء: مهرجان الفن المعاصر'' الذي تنظمه جمعية ''أشكال ألوان'' في بيروت، بالاشتراك مع صندوق شباب المسرح العربي، تم عرض مسرحية ''محاكمة القرد''· وهي مسرحية تستعيد من خلالها الفرقة البلجيكية ''تي جي ستان''، محاكمة أحد المعلمين الثانويين في إحدى مدارس ولاية تينيسي الأميركية، بتهمة تدريسه لنظرية داروين في الترقي الحيواني، سنة ·1925

المسرحية مبنية على وقائع حقيقية، وتتبنى الفرقة معالجة وفية للأحداث كما حصلت في ذلك الزمان والمكان· الأحداث هي نفسها، الشخصيات حقيقية، حتى الحوارات مأخوذة حرفياً من مذكرات المحكمة· القضية هي محاكمة لمدرس علّم نظرية داروين، بعد أن تم منع تدريسها بضغط من الكنيسة في ولاية تينيسي· هذا في الظاهر، أما في المضمون فالأمور تختلف· المسرحية تحاول مقاربة الموضوع من باب الصراع بين العلم والدين، وإمكانية إيجاد توافق بينهما· تنتهي المحاكمة بتجريم الأستاذ، وإجباره على دفع غرامة مالية·
فكرة التعايش
هناك شبه إجماع على التقنية العالية للممثلين الثلاثة الذين يلعبون أكثر من أربعين دوراً خلال ساعتين ونصف من العرض· وهناك إجماع مماثل في تقدير البحث القيم الذي تقوم عليه المسرحية· هي مسرحية واقعية، بل شديدة الواقعية، لا تفترض أي تأويل غير مفهوم، إذ يمكن لأي كان أن يرى هذا الانحياز لصالح العلم على حساب الدين، كما يمكن أن يستنتج الجميع تلازم موضوع المسرحية مع ظاهرة عودة التعصب الديني ليس في الشرق وحسب، بل في العالم أجمع· المسرحية في هذا المكان تدعي موقفاً يحاول التوفيق بين العلم باعتباره مادة انسانية للدراسة والتقدم لتحقيق الرفاهية والوصول إلى الحقيقة من باب أرضي عقلي، والدين باعتباره قيمة روحية يعتمد عليها الانسان في لحظات ضعفه لتقويه ويستقي منها الراحة النفيسة والروحية· هذا الاتجاه التوفيقي، أو المتسامح، الذي تنتهجه المسرحية، يصبغها بصبغة بلهاء، حيث لا تتمكن من حسم أي نقاش، لا تتبنى أي موقف، ولا تحدث أي إرباك في عقل أو روح أي من المشاهدين· قد يريد المسرحيون من ذلك إيصال فكرة التعايش بين المعتقدات على الرغم من اختلافها، على سبيل إرضاء الجميع· هنا نستطرد إلى حادثة طريفة حدثت في المسرح قبل بدء عرض المسرحية· الطرفة هي أن أحد الممثلين، وخلال تقديمه لها، يقول ''كما قالت لكم السيدة من إدارة المسرح'' عانياً بذلك مديرة المهرجان كريستين طعمة، ثم يتابع ليقول ساخراً ''لن نطلب منكم إقفال الخليوي، لأنكم لن تفعلوا وهذه ظاهرة تقوم مقام السر في هذه البقعة من العالم''، قاصداً بذلك بيروت أو العالم العربي· تبدأ الخفة من هذا المكان· هي ظاهرة، على الرغم من أنها لا علاقة لها بالمسرحية بشكل مباشر، إلا أنها تعطي إشارات عن كيف لنا أن نقرأ العرض· الفنانون الآتون من وسط أوروبا، لا يدرون لهذا المكان اسماً! ولا حتى لأبنائه من مضيفيهم! وهم يائسون من أمر هؤلاء الناس لدرجة أنهم لن يطلبوا منهم إطفاء الخليوي· وهم يصنفون هؤلاء المشاهدين، أي نحن، في مقام الجهلة· لذا فهم إذا ما أتوا حاملين مسرحيةً عن الصراع بين الدين والعلم، فهذا لأجل تثقيف هذا الشعب الجاهل والمجهول· إذاً المسرحية في هذا الموقع يجب أن تقرأ من باب آخر·
خروج عن السياق
''هذه البقعة من العالم'' تشهد اليوم صراعاً محموماً حول قيمة الدين في المجتمع، كما أنها تحمل في طياتها الكثير من التعصب الديني واحتمالات الصراع بين الدين والعلم، وهو الموضوع الذي تبحث فيه المسرحية· إلا أن هذه البقعة من العالم تحمل أيضاً أماكن ومشاهدين تعرض وتشاهد هذا النوع من النقاش· لكن هل يمكن لهذا النقاش، وكل نقاش، أن يقوم إلا من قاعدة المعرفة واحترام الآخر؟! هذا هو السؤال الذي يجب علينا طرحه· الفرقة المسيحية البلجيكية أتت إلى هذه البقعة من العالم حاملةً صيغةً لموضوعها، على أنه صراع بين العلم والدين وإمكانية الحل بينهما، لكن المفارقة هي أن أصدقاءنا الأوروبيين، يجهلون فعلاً ماهية المشكلة المطروحة في هذه البقعة· يكتفون بأن يقترحوا توافقاً بين الدين والعلم لحل الأزمة· يتجاهلون الاختلاف البنيوي بين الحضارة العربية، والشرقية عموماً، والحضارة الأوروبية· يتجاهلون الصراع على الهوية، البحث عنها، يتجاهلون القتل والموت اليومي، يتجاهلون الفقر ودواعيه، يتجاهلون الخوف من المستقبل وجهل شكله، كل هذه العوامل وغيرها هي التي تجعل من المؤمنين متعصبين· على الرغم من أن هذا النقاش قد لا يدخل في صلب المسرحية التي نحن بصددها، إلا أنه لا بد من الإشارة إليه عندما يأتينا أي مستشرقٍ جديد وفي يده حله السحري لواقعٍ يجهل اسمه ولا يرى منه إلا كونه ''هذه البقعة من العالم'' التي لا تطفئ الخليوي في صالة المسرح!
نعود إلى المسرحية التي تبدو كثيرة البعد عن إصابة موضوعها، في معالجة مسألة العودة إلى التعصب الديني·
المشكلة ليست في السماح للأستاذ بتعليم نظرية داروين، أو بالسماح للعلم بالمخالفة بعض قوانين الدين ومعتقداته، فهذا النقاش بعيد عن أن يصيب لب المسألة في أحقية شعبٍ في أن يكون معلوم الهوية للعالم أجمع لا أن يكون مجرد ''هذه البقعة من العالم''! هذه الأحقية هي أحقية علمية· فإن كان دفاع المسرحية عن الأحقية بالعلم مدفوعاً باحترام الحرية بالمعرفة، فالأجدر بأصحاب المسرحية أن يمارسوا هذه المعرفة في أن يتعلموا شيئاً عن المكان الذي هم آتون للعرض فيه· وإن كان التعصب الأعمى المعادي للعلم (كما تراه المسرحية) جزءٌ من المحافظة الشكلية على موروث من المعرفة المغلوطة على شكل أحكامٍ مسبقة عامة، فإن جهل الأرض الذي أنتم عليها، والحكم عليها من باب أحكام مسبقة وعامة (أو من باب جهلها أو تجهيلها) يقع في الموقع عينه من التعصب الأعمى·

اقرأ أيضا