الاتحاد

الملحق الثقافي

وللمؤلفين آراؤهم: قراءة في فصول المعاناة

حقوق المؤلف تضيع في دهاليز النشر

حقوق المؤلف تضيع في دهاليز النشر

الكتّاب يتحدثون عن معاناتهم مع الكتاب بشيء من الإحباط الموازي للفجيعة، ذلك أن تحول الكلمة المستوحاة من التجربة، والمعمدة بسحر المخيلة ودفء التأمل، الى مرادفة مطبوعة ومنشورة دونه أهوال شتى، بعضهم يرى أن مهمة الناشر تتمثل في القبض على روح المبدع، وآخرون يعبّرون عن يأسهم الواضح من ممارسة العمل الإبداعي، وبينهم من لايزال يرى ضوءا في آخر النفق·

العطروني: الناقد الغائب

يرى الروائي اللبناني الياس العطروني أن الناشر تاجر، يهمه بالدرجة الأولى تحقيق أرباح لمؤسسة تجارية يملكها، و''هذا حق له، ولا يجوز أن نمنحه هذه الميدالية الطوباوية أو المثالية، لذلك يفكر في إنتاج الكتاب بأقل كلفة ممكنة، وبيعه بأعلى سعر ممكن، من هنا تأتي مشكلة الجودة الطباعية، وأجر المصحح إذ نعرف بعض المصححين في بعض دور النشر هم بحاجة لمن يصحح لهم''· ولكن هذا لا يشمل كل قطاع النشر، فهناك، حسب العطروني، بعض الناشرين ممن يلعب الضمير الإبداعي دوراً في عملهم، خصوصاً إذا كان الناشر في الأساس مبدعاً، يدرك أهمية النوعية والجودة، بالإضافة إلى عوامل أخرى كثيرة ،هو أكثر دراية بها من الناشر الذي تفصله عن الحالة الإبداعية مساحات الرصيد المصرفي والجهل وأحياناً الأمية·
ويقول العطروني إنه من المؤسف أن ''الموضة ''الآن أن يدفع الكاتب، باستثناء قلة، كلفة طباعة الكتاب ويستلمه الناشر على أن يبيعه مقابل نسبة مئوية على سعر الكتاب تحسب للمؤلف، لكن الحاصل عند غالبية دور النشر أن هناك عدة طبعات تطبع من الكاتب إذا كان ناجحاً لكنها تبقى دائماً الطبعة الأولى، إذ ليس من حسيب أو رقيب على العملية برمتها، وإنما تعتمد على ذمة وضمير الناشر، الذي هو في النهاية مؤسسة تجارية تبحث في أزمة عامة، لكن الدور الأهم في هذه الأزمة هو للقارئ، كونه المحطة الأخيرة والنتيجة النهائية للعملية برمتها، بالإضافة الى لعبه دور المتلقي، يلعب، أو من المفترض أن يلعب دور الحكم، فهو الذي يتقبل الجيد ويلفظ السيء، لكن الحاصل أن هذا العنصر الأساسي يلعب دوراً أساسياً في صناعة الأزمة التي هي نتيجة منطقية للوضع الثقافي العربي العام المتردي بسبب أوضاع ليس هنا مجال بحثها وتعدادها·''
ويضيف : ''القارئ الجيد يفرض وجود الكتاب الجيد، وبالتالي الناشر الجيد· وكي لا نظلم القارئ ونستفزه وفي ذلك بعض الحيف، هناك شريك مهم في تحمل هذه المسؤولية، ألا وهو الناقد الغائب، غيابه ناتج عن أسباب كثيرة منها التبعية السياسية الأيديولوجية التي استمرت لفترة طويلة تتحكم في الحكم على الإنتاج الأدبي خصوصاً، فان كان كاتبه من هذه الأيديولوجية فلنصفق له حتى ولو كان يستحق اللطم، ونلطمه إذا كان خارج السرب حتى ولو كان يستوجب التصفيق''·

سرور: أسست دار نشر

علي سرور (روائي لبناني) يقول إن أزمة الكتاب في الوطن العربي تبدأ من الكاتب ذاته· اذ ''نجده يختبر شتى فصول المعاناة منذ وضع اللبنة الأساسية لمؤلفه الى أن يصبح جاهزاً للطباعة، يحمل منتجه كما لو أنه مزارع يعرض محصوله على التجار، يختار المردود الأقل خسارة والجهة التي يخمن أنها الأقل مماطلة في إصدار الكتاب، ومن ثم توزيعه وتحصيل بعض حقوق الكاتب، في المرحلة الأخيرة يحتدم الصراع بين الكاتب الذي يؤمن بعمله والناشر الذي لا يتوانى عن ترداد أسباب لا تنتهي ل''كساد''الموسم، علماً أن الكاتب والناشر يعرفان تمام المعرفة أن الكتاب تجارة رابحة، وإن قل عدد القراء يوماً بعد يوم''·
ويضيف: ''ما ذكرته عن علاقة الناشر بالكاتب ليس فيها تجنٍ بحكم معرفتي الوطيدة بالمهنة· فالكتاب لا يعاني من أزمة بقدر ما يعاني من سوء تنظيم في اختراقه لثالوث: الكاتب والناشر والقارئ، تلك الأزمة تنجلي حتماً في حال تعهدت المؤسسات الأكاديمية في الوطن العربي (عددها بالآلاف) باقتناء نسخة من الإصدارات التي تتمتع بالكفاءة، عندها يمكن للمؤلف أن يتفرغ للكتابة بعيداً عن هموم العيش اليومية·
تجربتي الخاصة علمتني أن لا أفرّط بعمل إبداعي استهلك دمي ومشاعري وأعصابي، كنت في كل مرة أقدم فيها نسخة جاهزة للطبع، أفاوض على المردود الذي يعود إلي منها· وباعتزاز أقول إني دوماً كنت أحصل على المال من دور النشر ولم أضطر مرة للدفع من جيبي، كان يحدث ذلك باعتمادي مبدأ القوة وفضح ما يجري خلف كواليس النشر·
خلاصة القول إن الكاتب وارد أن يهدر حقه في حسابات الناشرين، أما الأخير فحتما هو تاجر لا يدخل في مشروع ما لم يكن واثقاً من مردوده، لذلك اخترت أن أتبادل الدور مع الناشر، أسست دار نشر أسميتها'' المركز الطبي الطبيعي''، صدرت عن هذه الدار أحدث رواياتي ''ميكانيك الغرام''، تطلب الأمر مني الكثير من المتابعات والإجراءات، ودفع حوالى ثلاثة آلاف دولار للنقابة، برغم ذلك أشعر بأني بت حراً وخارج قبضة الناشرين الذين يجيدون في بلادنا العربية القبض على أرواح المبدعين''·

كلش: اليأس من الكتابة

غادة كلش (كاتبة وإعلامية) تقول: ''لكل عصر أدبي، أصوات وأسماء أدبية، وقضايا ومعوقات مهنية، ولكل أديب من عصره نصيب، يغريه بمزيد من الرجاء، أو يعده ببعض الخيبات التي تحول بينه وبين التفرغ للنشر والكتابة، بالنسبة لي، فقد تسنى لي أن أطبع ألف نسخة من كتابي الأول والثاني على نفقتي، بعد ذلك استطعت بالكاد تمويل كتابي الثالث (500 نسخة)، وقد صدر في العام ،2000 علماً أن الكتب الثلاثة من الحجم الصغير·''
وتضيف: ''اليوم، بعد مرور سبع سنوات على صدور آخر كتاب، لم أستطع نظراً للأوضاع الاقتصادية المتردية التي نرزح تحت وطأتها أن أغطي تكاليف كتابي الرابع، وبطبيعة الحال فان دور النشر تقابلني بالاعتذار لأن سوق الأدب في ثبات (لا مال لدينا،لا أرباح، بل ديون وجمود)، إلا إذا كان النشر على عاتق المؤلف، أفكر حيال الرفض من قبل الناشرين بأنني لولا ممارستي مهنة الثقافة في إحدى الصحف اللبنانية، والردود الإيجابية التي تصلني، لأصابني يأس من متابعة مسيرة الكتابة·''
في إطار توصيفها لمشكلتها تقول كلش: ''الحقيقة التي لا أخفيها أنني لا أجيد العلاقات الاجتماعية، ولا حتى فن المصالح المتبادلة في دائرة الصحافة أو في دوائر الثقافة، لذلك تبقى كتاباتي متأرجحة بين الضوء والظل، وتظل أعمالي تبحث دوماً عن ضوء ما بين الظلال، وربما إذا استمر الحال على هذا المنوال، فقد أرتكب فعل النسيان المتعمد، وأنسى أنني كاتبة''·

دياب: ثقب في جدار الغياب

رئيس تحرير مجلة ''الحج'' الكاتب الصحفي محمد صادق دياب يقارب القضية استناداً إلى خلفيتها التاريخية حيث يقول: عانى الأدباء السعوديون طويلا من تعثر وصول إبداعاتهم إلى زملائهم في العالم العربي، حتى أن أدباء كبارا أمثال:
حمزة شحاتة، وعبدالله عبد الجبار، ومحمد حسن عواد وغيرهم لا يعرف الكثيرون عنهم شيئاً خارج السعودية، رغم قاماتهم السامقة التي لا تقل عن قامات غيرهم من كبار المبدعين العرب، ولم يقتصر هذا الغياب على جيل الرواد بل امتد إلى الأجيال اللاحقة، فدور النشر السعودية غارقة في المحلية، ولا تضع في حساباتها مسؤوليتها الثقافية في إيصال أصوات المبدعين خارج الوطن، وكان من الضروري أن تقوم مجموعة من المبدعين بالبحث عن حل أو إحداث ثقب في جدار الغياب، فكان اللجوء إلى دور النشر الخارجية في لبنان ومصر وبريطانيا وغيرها، وبعض هذه الدور استطاعت فعلا أن تحقق شيئا من الحضور الخارجي لعدد من المبدعين السعوديين أمثال: تركي الحمد، عبده خال، رجاء الصانع وغيرهم· وفي مواجهة السؤال:
ما الطرق المناسبة، وما الجهات المسؤولة عن نمو حركة نشر ثقافية حقيقية داخل البلاد؟ يقول دياب: ''لدي شعور بأن تشجيع القطاع الخاص في الاستثمار في مجالات النشر الثقافي أمر مطلوب، ويمكن لوزارة الثقافة أن تقوم بدراسات جدوى لبعض المشاريع الاستثمارية في الحقل الثقافي لجذب انتباه المستثمرين إلى هذا الحقل، الذي لا يدخل في الغالب في نطاق اهتمامات المستثمرين التقليدية، ومن الإنصاف القول إن ثمة إرهاصات أو بوادر لنشوء دور نشر كبرى في البلاد، وقد يتطلب الأمر زمنا لتكون مناخ نفسي واجتماعي يسهم في صدور أعمال إبداعية تتسم بالجرأة من قبل دور نشر محلية، وعدم اكتمال ذلك المناخ ربما كان السبب في الكثير من إبداعاتنا المهاجرة''·

المحيميد: الخليجيون أفسدوا الناشرين!

الروائي السعودي يوسف المحيميد، رئيس تحرير مجلة ''قوافل'' الثقافية الصادرة عن نادي الرياض الأدبي يقول:
''هذا أمر مخجل ومؤلم معاً، مخجل لأن كثيرا من الناشرين في لبنان ومصر يتهافتون على النشر للسعوديين، كونهم الأسرع دفعاً بالعملة الصعبة، أي مبتدئ يكتب مؤلفاً في الشعر أو القصة أو الرواية، فيرسل مؤلفه متواضع القيمة، مشفوعاً بمبلغ يكفي للطبع والتوزيع والربح أيضاً، هل نتوقع أن يتم توزيعه مثلاً؟ أحد الأصدقاء يقول إن بعض الناشرين هناك يطبعون ثلاثمائة نسخة، ويتم عرضها في معرض أو معرضين للكتاب، ثم يعلن الناشر أن النسخ نفدت! فهو لن يتوقع أن الكاتب سيطالب بحقوقه من النسخ المباعة، لأنه لم يوقع عقداً أصلاً، وقد وصل الأمر أن الكاتب السعودي يدفع للناشر العربي قيمة الطباعة والربح معاً، ثم يقوم بشراء نسخ كتابه أيضاً، مازلت أتذكر الشاعر الراحل محمد القيسي، وهو صديق قديم، حينما قابلته في مناسبة ثقافية بالكويت، قال لي:
أنتم السعوديون خرَّبتم النشر في العالم العربي! وذكر لي أن ناشره الخاص، وهو المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وبعد أكثر من عشرين عاماً من نشر الكتاب تلو الكتاب، جاء يطلب منه المساهمة مادياً لنشر مجموعته الشعرية الجديدة! أتساءل هنا:
لِمَ يفعل الناشر ذلك مع شاعر معروف مثل القيسي؟ ولِمَ لا يجد شاعر مهم كاللبناني وديع سعادة من ينشر مجموعته الشعرية الجديدة، ليكتفي، مضطراً، بنشرها كاملة، ولأول مرة في تجربته الشعرية، في موقعه الشخصي على الإنترنت؟ ولم لا يحصل أي كاتب حقيقي على حقوقه من الناشر العربي؟ كل ذلك يحدث بسبب أشباه الكتّاب، أوبعض الكتّاب الطارئين على الأدب والإبداع، هؤلاء الذين يبحثون عن وجاهة اجتماعية، تجلب معها شهرة مزعومة، وظهورا دائما على الفضائيات والصحف وغيرها، والإفتاء في كل شيء، من أزمة الشعر والرواية العربية، وحتى آثار زواج المسيار ومزايين الإبل وانهيار سوق الأسهم على المجتمع!''
يضيف المحيميد قائلا: ''أعتقد إن حل هذه الأزمة بشكل جذري وعميق، هو في يد وزارة الثقافة والإعلام السعودية، فمتى سعت إلى إيجاد حركة نشر داخلية فاعلة، ستجد أن الرياض أصبحت تضاهي بيروت والقاهرة بكل بساطة، وأصبحت دور النشر تطرح كتبها على نطاق واسع داخلي وخارجي، والدليل على ذلك أن أكبر سوق للكتب يتهافت عليه الناشرون هي السوق السعودية، وأعلى مبيعات الكتب في المعارض الدولية تحدث في معرض الرياض للكتاب الدولي، وإذا أردنا أن نصنع حركة نشر نشطة، لا تنشر للسعوديين فحسب، بل حتى تستقطب أبرز الأسماء العربية، علينا أن نتحرر من سطوة الرقابة وهيمنتها، فيجب إلغاء الرقابة السابقة على النشر، وأعني بذلك رقابة المخطوطات، بحيث يجب أن يتحمل الناشر كل تبعات ما يطبعه من كتب، دون الرجوع إلى الوزارة، ودون إجراء نظام ''الدمغة'' على كل صفحة من صفحات المخطوط''·

الدويحي: شر لابد منه

الروائي السعودي أحمد الدويحي يرى أن النشر في الخارج ضرورة راهنة مهما اكتنفتها السلبيات، لأن فيها قفزا على حواجز حقيقية ووهمية، الحركة الأدبية والثقافية والفكرية والفنية نسيج مجتمعي وكيان متكامل له شروط البقاء والديمومة والحياة، ولكي يأتي النتاج سليماً ومعافى، فلابد أن تمتلك الأرضية الصالحة لهذا النتاج، وسوف أحصر كلماتي هنا عن المنتج الروائي، بوصفي كاتباً لهذا الجنس الأدبي، ومررت بتجربة النشر خارج الحدود· بالحديث عن تجربته يقول الدويحي: ''نشرت محلياً نصين قصصيين هما (البديل) و(قالت فجرُها)، ولفقرنا الشديد في حضور المؤسسات الثقافية التي ترعي الفنون والأدب لذاتها، كان لأبد من هجرة الرواية المحلية إلى الخارج، وكنت من أوائل الذين نشروا في بيروت والقاهرة ودمشق، وهي بلا شك تجربة محفوفة بالمخاطر، وأولها حقوقك أنت كمؤلف، تستطيع أن تعرف اليوم نوافذ عديدة، توصلك إلى قارئ كان بالداخل أو الخارج الذي لابد منه، ولست أعرف لماذا يظن البعض أن هذه الحدود التي كالسياج، يمكن أن تفصل بين الناس وبالذات الذين يهتمون بالوجع الإبداعي، والمسافة طويلة بين ما هو مأمول والواقع الراهن، ولا أظن أن البحث عن حلول فردية جاهزة مفيد دون المشاركة الحقيقية من كل الأطراف وهي كثيرة، لن أخوض في تقييم المنتج وقد فرغنا قبل أيام قراءة الرواية والتحولات، ولأول مرة في السعودية بمدينة الباحة وبسبب مساحة الحرية التي ما زالت تطاردني أريد القول أصدرت رواياتي الأخيرة ''ثلاثية المكتوب مرة أخرى'' و''مدن الدخان''، صدرت من بيروت عن طريق دار الكنوز ببيروت، والمثقف الخليجي بالذات يعرف صاحبها البحريني المثقف والسياسي البحريني الذي يرقد حاليا في غيبوبة المرض شافاه الله الأستاذ عبد الرحمن النعيمي، وهي دلالة تعكس تجربة مغامرة النشر في دمشق والقاهرة''·

القحطاني: ''مافيا'' وبقالات

الكاتبة السعودية سهام القحطاني تقول: ''إن النشر خارج السعودية أضر الفعل مشهد الثقافيين، لأنه حرم المجتمع من كثير من الأفكار الإصلاحية والتنويرية التي تتعارض مع السلطة الرسمية، حرم الناس من رؤية حقيقية لعيوبهم ونقاط ضعفهم، وطبعا المستفيد الأول والأخير من ذلك الإقصاء الذي يجبرك على الطباعة والنشر في الخارج هو صاحب السلطة الرجعية الذي يعيش على أفكار الشعب المضطهد بالجهل، مما أوقف تطور ذلك الفعل والمشهد''· وتتابع: ''لا شك أن أسباب النشر في الخارج عند الكاتب السعودي تتفاوت وفق مبتغيات الكاتب نفسه، فهناك من يرى أن النشر في الخارج هو هروب من خنق الرقيب المحلي ومعاييره الرجعية، وهناك من لا تحمل كتبه أي تجاوزات تقلق الرقيب ومع ذلك يفضل طباعة كتبه خارج السعودية من أجل الانتشار والحضور في معارض الكتاب المعروفة· لكن ضمان الكاتب بالفوائد الكثيرة التي يحلم بها من وراء النشر خارج البلد ليس دائما، إذ يعود إلى الثقل الثقافي والسمعة الطيبة والشهرة التي تحظى بها الدار·
ولذا فالكثير من الكتب الجادة لكتاب جادين مرت علينا رغم أهميتها مرور الكرام دون أن نشعر بها، وهنا يأتي الوجه الآخر لدور النشر الخارجية، وهو عدم اهتمامها بتسويق الكتاب ليستفيد الكتاب وخاصة على المستوي المعنوي أكثر من المادي، وهذا الإهمال التسويقي لدور النشر للكاتب السعودي ينطلق من معيارين أولهما أن بعض الدور تتعامل مع الكتاب بمنطق ''البقالة''، مجرد بضاعة وليس قيمة ثقافية حتى أن بعض الدور التي تطبع الكتب و تنشرها لا تعرف مضمون هذه الكتب، والمعيار الثاني أن هذه الدور قد ضمنت حقها المادي مسبقا ولذا فالتسويق للكتاب والحرص على انتشاره ليس مهما، إلا إذا كان صاحب الكتاب من مثقفي الدرجة الأول، أي أن قيمة موضوع الكتاب ليست في الحسبان، إضافة إلى الاستغلال المادي والمعنوي لحقوق الكاتب، لأنك تدفع مسبقا وكأنك تشتري بضاعتك، وسيقول قائل ولم كل هذا العناء، لتطبع ولتنشر ولتوزع في بلدك، وفي بلدي الأمر كمن يحتمي بالنار من الحريق، الرقابة تخنق الكاتب ولو أفلت منها وطبع على حسابه الخاص وقع في أزمة افتقار سوق الكتاب السعودي لدور النشر والتوزيع، مما يضطره إلى الاعتماد على مجهوده الشخصي للقيام بمهمة النشر والتوزيع، وهذا الأمر في حدّ ذاته قمة الممل والتعب ومضيعة لوقتك، وكأنك دلال بدرجة مثقف! مما يعني الركض وراء رجال سمر أغبياء، وأن تقرر بكامل قواك العقلية أن تخضع ''لمافيا دور النشر الخارجية'' لتتخلص من رحلة العذاب المحلي''·

اقرأ أيضا