الاتحاد

دنيا

«لا ضرر ولا ضرار» قاعدة من أركان الشريعة وأسسها المهمة

(القاهرة) - يردد الكثير من منا «لا ضرر ولا ضرار» باعتباره قولاً مشهوراً، دون أن يعرف البعض أنه من القواعد الفقهية، نالت الاهتمام العميق في أبحاث علماء الدين، وتناولتها العديد من الدراسات الفقهية، ومن التفسيرات الشائعة في تفسيرها نفي الحكم الضرري تترتب عليها آثار مهمة في الكثير من الفروع الفقهية، واستناداً إلى تقسم القول، يكون معنى نصفه الأول«لا ضرر» أي أن الشرع نهى عن الضرر، في قولة واحدة لا تحتمل أية معان أخرى، أما النصف الثاني من المقولة «ولا ضرار» فالمقصود بها مضاره، والفرق بينهما أن الضرر يتسبب أو برتكبه أحد الأشخاص دون أن يكون ذلك مقصوداً، أما الضرار فعلى العكس، إذ يحصل بقصد، وهو أشد من الضرر، نظراً لأنه يحصل قصداً، وقد نفى النبي الأمرين، في القول« لا ضرر ولا ضرار».
نفي الضرر
واستناداً إلى أحد المواقع التي تضم أبواباً دينية نورد الآتي: لو أن إنساناً له جار وهذا الجار يسقي شجرته فيتسرب الماء من الشجرة إلى بيت الجار لكن بلا قصد، وربما لم يعلم به فالواجب أن يزال هذا الضرر إذا علم به حتى لو قال صاحب الشجرة: أنا ما أقصد المضرة، وهنا نقول له: وإن لم تقصد، لأن الضرر منفي شرعاً أما الضرار فإن الجار يتعمد الإضرار بجاره فيتسرب الماء إلى بيته وما أشبه ذلك، وكل هذا منفي شرعاً.
وعن تلك القاعدة الفقهية المهمة قال عنها الدكتور شعبان إسماعيل أستاذ أصول الفقه بجامعة أم القرى بمكة المكرمة: الضرر هو الحاق مفسده بالغير مطلقا، والضرار هو إلحاق مفسدة بالغير على وجه المقابلة له، من غير تغيير يقيد الاعتداء بالمثل أو الانتصار للحق، وهو ما يقتضيه لفظ «الضرار» الذي يدل على المشاركة.
وأوضح أن مضمون القاعدة: النهي عن الإضرار بالناس ابتداء، وعن مضارتهم بسبب ما وقع منهم من ضرر، وهذه القاعدة نص حديث قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» رواه ابن ماجة والدارقطني وغيرهما عن أبي سعيد الخدري وابن عباس وعبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنهم مسندا، ورواه مالك في الموطأ مرسلا، والقاعدة مقيدة بغير ما إذن به الشرع من الضرر، كالقصاص والحدود وسائر العقوبات والتعازير لان درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، على أن تشريع هذه الأمور إنما كان لدفع الضرر عن الناس.
من أركان الشريعة
ويضيف الدكتور شعبان إسماعيل: تعتبر هذه القاعدة من أركان الشريعة وأسسها المهمة، فهي الأصل في منع الفعل الضار، وترتيب نتائجه في التعويض المالي، والعقوبة البدنية، وهي عمدة الفقهاء والمجتهدين في الأحكام التي لم يرد فيها نص. وحديث «لا ضرر ولا ضرار»، من الأحاديث الجامعة التي جمعت أحكاما كثيرة، وقاعدة من قواعد الدين العظيمة، والمراد بالضرر هنا لا ضرر في الشرع أي لا ضرر كائنا في الشريعة الاسلامية، وهذا النفي منصب على جهتين: العبادات والمعاملات.
أما جهة العبادات فإن الشريعة الاسلامية لم تأت فيها عبادة يحصل بها للمرء ضرر، ولا ضرر في الشرع يعني أن الضرر منتف فيما شرع في هذه الشريعة.
ففي العبادات لم يشرع لنا شيء فيه ضرر على العبد، فمثلا اذا نظرت المريض يصلي قائما، فإن تضرر بالقيام صلى قاعدا، يتطهر بالماء فإن كان الماء يضره ينتقل منه إلى التراب، فهذا يدل على انه لم تشرع عبادة فيها ضرر بالعبد، بل إذا وجد الضرر جاء التخفيف.
أمور المعاملات
والقسم الثاني: نفي الضرر شرعا في أمور المعاملات والأمور الاجتماعية مثل النكاح، وهذه كلها في تشريعات الاسلام نفى فيها الضرر من جهة التشريع، فقال عز وجل مثلا في بيان العلاقة الزوجية:«ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا»، وقال في الرضاع: «لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده»، وقال جل وعلا في الوصية: من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار، ففي أحكام الشريعة جاء نفي الضرر في نفس الأحكام وهذا من جهة الشارع.
ومن لطائف هذه القاعدة الفقهية: انه قد بنى عليها الكثير من الفروع الفقهية، كالحجر على فاقد الأهلية أو ناقصها حماية له وحفظا لحقوق الآخرين، وثبوت حق الشفعة دفعا للضرر الذي يمكن أن يلحق الشريك من المشتري. ومنها: لو باع شيئا معا يسرع إليه الفساد، كالفواكه وغاب المشتري قبل دفع الثمن، وخيف فساد الفواكه فللبائع ان يفسخ البيع ويبيع لآخر، دفعا للضرر.
ومنها أيضا: جواز حبس المشهورين بالدعارة والفساد حتى تظهر توبتهم ولو لم يثبت عليهم جرم معين بطريق قضائي دفعا لشرهم.

اقرأ أيضا